ثالثاً: تحكيم شريعته -صلَّى الله عليه وسلَّم- في مختلف مجالات الحياة(
).
خلق الله -سبحانه وتعالى- الجن والإنس لعبادته؛ فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]، وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، قال: كنت رِدْفَ النَّبِيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على حمار يقال له عُفَيْرٌ، قال: فقال: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قال: قلتُ: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس، قال: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا»(
).
والعبادة: اسم جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظَّاهرة والباطنة. كما عرَّفها شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-.
وهذا يدلُّ على أَنَّ العبادة تقتضي: الانقياد التَّام لله تعالى، أمرًا ونهيًا واعتقادًا، وقولًا وعملًا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحلُّ ما أحلَّ الله، ويحرِّم ما حرَّم الله، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرُّفاته كلها لشرع الله، متجرِّدًا من حظوظ نفسه، ونوازع هواه، ويستوي في هذا الفرد والجماعة، والرجل والمرأة، فلا يكون عابدًا لله من خضع لربِّه في بعض جوانب حياته، وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى، وهذا المعنى يؤكِّده قول الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65] وقوله -سبحانه وتعالى-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].
فلا يتمُّ إيمان العبد إِلَّا إذا آمن بالله، ورضي حكمه في القليل والكثير، وتحاكم إلى شريعته وحدها في كلِّ شأن من شؤونه، في الأنفس والأموال والأعراض، وإِلَّا كان عابدًا لغيره، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل:36] فمن خضع لله سبحانه وأطاعه، وتحاكم إلى وحيه؛ فهو العابد له؛ كما قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:60].
وفي الحديث عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِم الطَّائي -رضي الله عنه-، قال: أتيت النَّبِيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، قال: فسمعته يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31]، قال: قلتُ: يا رسول الله، إِنَّهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: «أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ، فَيُحَرِّمُونَهُ؛ فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ»(
).
ومعنى هذا: أَنَّ العبد يجب عليه الانقياد التَّام لقول الله تعالى، وقول رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وتقديمهما على قول كل أحد، وهذا أمر معلوم من الدِّين بالضرورة. والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه، من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأَنَّ محمدًا عبده ورسوله.
ولهذا كان من مقتضى رحمته وحكمته -سبحانه وتعالى- أن يكون التَّحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ فهو سبحانه الحكيم العليم اللَّطيف الخبير، يعلم أحوال عباده وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولَّى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشؤون الحياة؛ ليتحقَّق لهم العدل والخير والسَّعادة، بل والرِّضا والاطمئنان النَّفسي، والرَّاحة القلبيَّة، ذلك أَنَّ العبد إذا علم أَنَّ الحكم الصَّادر في قضيَّة يخاصم فيها هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قَبِلَ ورضي وسلَّم، وحتَّى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد، بخلاف ما إذا علم أَنَّ الحكم صادر من أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم، فإِنَّه لا يرضى ويستمرُّ في المطالبة والمخاصمة، ولذلك لا ينقطع النِّزاع، ويدوم الخلاف، وقد بيَّن الله -سبحانه وتعالى- الطَّريق العام الذي يتحقَّق به العدل في أتمِّ بيان وأوضحه بقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء:58-59].
والآية وإن كان فيها التَّوجيه العامُّ للحاكم والمحكوم والرَّاعي والرَّعيَّة، فإِنَّ فيها مع ذلك أمرٌ للقضاة بأن يحكموا بالعدل، وأمرٌ للمؤمنين أن يقبلوا ذلك الحكم الذي هو مقتضى ما شرعه الله -سبحانه وتعالى-، وأنزله على رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وأن يردُّوا الأمر إلى الله ورسوله في حال التَّنازع والاختلاف.
([1]) ينظر: مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (1/72) بتصرُّف.
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه (4/29)، كتاب: الجهاد والسِّيَر، باب: اسم الفرس والحمار، برقم: (2856)، ومسلم (1/58)، كتاب: الإيمان، باب: من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه دخل الجنَّة وَحُرِّمَ على النار، برقم: (30).
([3]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/198)، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي، فإنه غير جائز له أن يقلد أحدا من أهل دهره، ولا أن يحكم أو يفتي بالاستحسان، برقم (20350)، وصحَّحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/861)، برقم: (3293).