العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

الكلام عن مسألة صيام يوم السبت.

إنضم
31 مايو 2024
المشاركات
9
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
#مقال_فقهي
[ حول مسألة صيام يوم السبت ]

الحمد لله وبعد:
فهذا مقال وجيز حول مسألة صيام يوم السبت، كتبته تزامنا مع كون يوم عرفة سيوافق يوم السبت المقبل بإذن الله تعالى، ولأن الناس قد أشكلت عليهم هذه المسألة، ولهذا كثر السؤال عنها من هنا وهناك.
-وبما أن علماءنا قد تكلموا فيها بما يكفي، وبينوا فيها ما يشفي، فإني سأذكر نتفا من كلامهم مما يرفع الإشكال، ويزيل الإلباس إن شاء الله تعالى، فأقول:
الكلام هنا من شقين:
🔴-الأول: في ذكر حديث النهي عن صوم يوم السبت.
فعن الصماء بنت بسر المازني -رضي الله عنها- أن رسول اللهِﷺ قال: [لا تصوموا يومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم، وإن لم يجدْ أحدُكم إلا لِحاءَ عِنبةٍ أو عودَ شجرةٍ فلْيمضغْها](1).
🔴-درجة الحديث:
هذا الحديث مما اختلف العلماء في صحته اختلافا كثيرا، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من قال بأنه كذب.
🔴-فقه الحديث:
دل الحديث بظاهره على تحريم صوم يوم السبت مطلقا على وجه التطوع، وإنما استثني منه صورة الفرض فقط فيجوز صومه.

🔴-موقف العلماء من الحديث:
- من الفقهاء من قال بكراهة صومه مفردا، وجوازه إذا كان مضافا، وهو قول فقهاء المذاهب الأربعة(2).
-وذهب آخرون على عدم كراهة إفراده بالصوم، وهو مذهب أكثر أهل العلم(3).
-وقال بعض العلماء المعاصرين بتحريم صومه مطلقا إلا في الفرض، وهو العلامة الألباني(4).

🔴🔴-والذي يظهر -والله أعلم- هو القول الأول (بناء على صحة الحديث)، وذلك لأمور:
-الأول: أن هذا هو مقتضى الجمع بين النصوص، والقاعدة أن "الجمع بين النصوص واجب مهما أمكن"، وأن "الإعمال أولى من الإهمال"، يقول الحافظ -رحمه الله-: "الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول"(5).
وقد وردت أحاديث تدل على جواز صيام يوم السبت، منها:
أ- حديث جويرية -رضي الله عنها- [أن النبيﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟، قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدا؟، قالت: لا، قال: فأفطري](6). وغدا يوم السبت. وهذا الحديث قدمه الأئمة كأبي داود والنسائي والحاكم(7) على حديث النهي، وجعلوه معارضا له.
ثم إن المقام مقام بيان، ولا يجوز في حق النبيﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد نقل الإجماع على ذلك.
ب- ومنها حديث: [لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده](8)، والذي بعده: يوم السبت.
ج- ومنها: قول النبيﷺ لعبدالله بن عمرو: [صم يوما وأفطر يوما](9)، ولا بد من أن يوافق يوم السبت.
د- حديث صيام النبيﷺ ثلاثة أيام من كل شهر(10)، وقد يوافق يوم السبت.
ه‍- حديث: [أن النبيﷺ كان يصوم شعبان](11)، وقطعا يصادف يوم السبت.
إلى غير ذلك من الأحاديث والشواهد الدالة على جواز صيام يوم السبت إذا كان مضافا جمعا بينها وبين حديث النهي، يقول الإمام الطحاوي: "ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﺛﺎﺭ اﻟﻤﺮﻭﻳﺔ ﻓﻲ ﻫﺬا ﺇﺑﺎﺣﺔ ﺻﻮﻡ ﻳﻮﻡ اﻟﺴﺒﺖ ﺗﻄﻮﻋﺎ، ﻭﻫﻲ ﺃﺷﻬﺮ ﻭﺃﻇﻬﺮ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻱ اﻟﻌﻠﻤﺎء، ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ اﻟﺸﺎﺫ اﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﺧﺎﻟﻔﻬﺎ"اه‍(12).
ثم إن هذه الأحاديث ليس فيها استثناء يوم السبت، فتنبه.
-الأمر الثاني: أن هذا صنيع الأئمة الذين خرجوا حديث النهي، وهم الأعلم بفقه الحديث، حيث حملوا النهي على على سبيل الإفراد، ولهذا ترجموا للحديث بذلك، فمثلا:
-يقول الإمام أبو داود: "باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم"، ثم قال: "باب الرخصة في ذلك" (13).
-وقال الإمام الترمذي: "باب ما جاء في كراهية صوم يوم السبت"، ثم قال: "ومعنى كراهته في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصيام"(14). -وذكر الإمام النسائي الاختلاف في حديث السبت ثم قال: "الرخصة في صيام يوم السبت"(15).
-وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعا إذا أفرد بالصوم"(16).
-وقال الإمام ابن حبان: "ذكر الزجر عن صوم يوم السبت مفردا"(17).
قلت: فهؤلاء وغيرهم ممن خرجوا الحديث ترجموا له بما سبق مبينين فقهه، مما يدل على أن المراد من النهي إذا كان صيام السبت مفردا.
-الأمر الثالث: أن حديث النهي وإن كان عاما يشمل صورة الجمع وصورة الإفراد، إلا أنه هنا خصص بأحاديث الجواز(18)، وهذا من باب التخصيص بالمنفصل، لأن المخصصات على قسمين:
-مخصصات متصلة.
-مخصصات منفصلة.
فصورة الفرض خرجت بالمخصص المتصل، وهو قولهﷺ: [إلا فيما افتُرِضَ عليكم]، وأما صورة التطوع خرجت بالمخصص المنفصل وهي الأحاديث الدالة على الجواز، ولا شك أن تخصيص العام من باب الجمع فيكون المصير إليه أولى(19).
وبالله التوفيق.

[حكم صيام يوم فضيل إذا وافق يوم السبت ]

-إذا تقرر ما سبق، وتبرهن لنا بأن النهي عن صيام يوم السبت إنما هو على سبيل الإفراد، تأتي مسألة أخرى وهي: "حكم صيام يوم فضيل إذا وافق يوم السبت ؟؟".
-أقول:
-من كان من عادته صيام يوم فضيل كعرفة -مثلا-، ووافق يوم السبت فله أن يصوم على أنه للتعيين، وهو ما عليه الجمهور من اﻟﺤﻨﻔﻴﺔ ﻭاﻟﺤﻨﺎﺑﻠﺔ ﻭاﻟﺸﺎﻓﻌﻴﺔ أنه لا يكره(20)، وذلك لأن القصد هو صيام عرفة، بغض النظر عن كون ذلك اليوم جمعة أو سبت أو غير ذلك، ألا ترى أن النبيﷺ قال في الجمعة: [لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بقِيامٍ مِن بَيْنِ اللَّيالِي، وَلا تَخُصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بصِيامٍ مِن بَيْنِ الأيّامِ، إِلّا أَنْ يَكونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ](21)، ففيه دليل على أن من كان من عادته صيام يوم من الأيام فوافق يوم الجمعة فإن له أن يصوم، وهكذا نقول عن يوم السبت.
-أما من ليس من عادته صيام عرفة فهذا عليه أن يصوم يوما معه شريطة أن لا يكون ذلك اليوم يوم عيد.
-وإنما قلنا بهذا عملا بالقاعدة الأصولية أن "العام يبقى حجة بعد التخصيص"، فهو وإن خصص بما سبق إلا أنه يبقى حجة في غير صورة التخصيص،
فمن كان من عادته الصوم فهذا لا يكره في حقه، أما من ليس من عادته الصوم فهذا يشمله حكم صيام يوم السبت بأن يكون مضافا غير مفرد.
والله تعالى أعلى وأعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.

وكتب:
طالب العلم على الدوام:
أبو أيمن أمين الجزائري.
___________________
1)-أخرجه أبو داود(٢٤٢١)، والترمذي(٧٤٤) واللفظ له، والنسائي في"الكبرى"(٢٧٦٢)، وابن ماجه بعد حديث
(١٧٢٦)، وابن خزيمة(٣/ ٥٥٤)، وابن حبان(٣٦١٥)، ﻭﺃﺣﻤﺪ(٣٦٨/٦)، والحاكم (٦٠١/١)، وغيرهم.
2)-أنظر: بدائع الصنائع(٧٩/٢)، التبصرة(٨١٢/٢) للخمي، المجموع(٤٤٠/٦)، المغني(١٧١/٣).
3)-أنظر: اقتضاء الصراط المستقيم(٧٦/٢).
4)-أنظر: تمام المنة(ص٤٠٧)، السلسلة الصحيحة
(٧٣٣/٢).
5)-فتح الباري(٤٧٤/٩).
6)-أخرجه البخاري(١٩٨٦).
7)-أنظر:سنن أبي داود(٣٢١/٢)، السنن الكبرى(٢١٣/٣)، المستدرك(٦٠١/١).
8)-أخرجه البخاري(١٩٨٥)، ومسلم(١١٤٤) واللفظ له.
9)-أخرجه البخاري(١٩٧٦) وهذا لفظه، ومسلم (١١٥٩).
10)-أخرجه مسلم(١١٦٠).
11)-أخرجه البخاري(١٩٧٠)، ومسلم(١١٥٦).
12)-شرح معاني الآثار(٨٠/٢).
13)-سنن أبي داود(٣٢٠/٢-٣٢١)
14)-جامع الترمذي(١١١/٣).
15)-السنن الكبرى(٢١٣/٣).
16)-صحيح ابن خزيمة(٣١٦/٣).
17)-صحيح ابن حبان(٣٧٩/٨).
18)-أنظر بحث شيخنا محمد علي فركوس على الموقع:
19)-أنظر لزاما: ﻣﺠﻤﻮﻉ اﻟﻔﺘﺎﻭﻯ(٥٠٦/١٧)، ﺑﺪاﺋﻊ اﻟﻔﻮاﺋﺪ
(٢١٧/٢)، ﺷﺮﺡ اﻟﻜﻮﻛﺐ اﻟﻤﻨﻴر(٣٨٦/٣-٣٨٧).
20)-أنظر: اﻟﻤﻐﻨﻲ(١٦٦/٣)، ﺣﺎﺷﻴﺔ اﺑﻦ ﻋﺎﺑﺪﻳﻦ(٨٤/٢)، ﻣﻐﻨﻲ اﻟﻤﺤﺘﺎﺝ(٤٤٧/١).
21)-رواه مسلم(١١٤٤).
 
أعلى