العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

حكم غسل الجمعة

إنضم
31 مايو 2024
المشاركات
9
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
-فهذا بحث مختصر لطيف يحوي كلاما حول مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء، ونزاع بين الفقهاء، ألا وهي مسألة:"حكم غسل جمعة"،رأيت نشره بغية الإفادة، مبيناً ما ظهر رجحانه من الأقوال التي يشهد لها الدليل، ويعضدها التعليل، مع ذكر الأقوال في ذلك، فأقول وبه -سبحانه وتعالى- أصول وأجول:
-إختلف العلماء في حكم الغسل للجمعة على ثلاثة أقوال:
▪الأول: أن غسل الجمعة سنة وليس بواجب، وهذا مذهب الجمهور، ونقله الخطابي عن عامة الفقهاء.(1).
▪الثاني: أنه واجب، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم، ونقله ابن المنذر عن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وعمار والحسن، وهو محكي عن مالك، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أحد الأقوال عند أصحابه، وبه قال الظاهرية، ورجحه الشوكاني وغيره.(2).
▪القول الثالث: التفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، وبين من ليس كذلك فيستحب له ذلك، وهذا أحد الأقوال عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام.(3).
-والأقرب من هذه الأقوال -والله أعلم- هو القول الثاني، وهو وجوب الغسل للجمعة، وذلك لما يلي:
-أولا: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول اللهِﷺ قال: [غسل الجمعة واجب على كل محتلم].(4).
-فهذا الحديث يدل بكل جلاء ووضوح على وجوب الغسل للجمعة، لقوله: "واجب"، فهو لفظ يحمل على معناه الشرعي، والمراد به لزوم الغسل، ومن أوله بمعنى الإكرام كقولهم: "حقك واجب علي" ففيه ما فيه، وقد ضعفه ابن دقيق العيد حيث قال: "وإنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحا في الدلالة على هذا"اه‍(5)، قلت: والذي عارضه -أي الحديث- لا يصلح أن يكون صارفا للأمر الوارد فيه عن الوجوب إلى الندب لأمور لا يتسع المقام لذكرها.
-ثانيا: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعا: [إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل](6)، وفي لفظ: [من أتى الجمعة فليغتسل].
-ثالثا: ما ثبت في الصحيحين أيضا أن طاووس بن كيسان قال لابن عباس: ذكروا أن النبيﷺ قال: [إغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبا، وأصيبوا من الطيب]،قال ابن عباس:
"أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري"(7).
-رابعا:ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا: [حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام رأسه وجسده]
الحديث.(8).
-فهذه الأحاديث صريحة في الوجوب، لأن فيها الأمر بذلك، والأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة كما تقرر في الأصول، وأما قوله: "حق" فهو أصرح في الدلالة على الوجوب.
-خامسا: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: (إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبيﷺ، فناداه عمر: "أي ساعة هذه"؟، قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال:"والوضوء أيضا؟!، وقد علمت أن رسول اللهِﷺ كان يأمر بالغسل).(9).
ووجه الاستدلال بهذا الأثر عل وجوب الغسل للجمعة هو أن عمر رضي الله عنه أنكر على الرجل -وهو عثمان رضي الله عنه- كما جاء في رواية مسلم، أنكر عليه تركه الغسل وهو على رأس المنبر وفي ذلك الجمع وهم جمهور الصحابة وإقرارهم له على ذلك، مما يدل على أن وجوب الغسل للجمعة كان متقررا عند الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا قال بعد ذلك مؤيدا إنكاره: "وقد علمت أن رسول اللهﷺ كان يأمر بالغسل"، فهذا صريح في أن الأمر بالغسل للجمعة محمول على الوجوب، وإلا لم يكن في تعليله إنكاره على عثمان معنى، ويؤيد هذا اعتذار عثمان رضي الله عنه على تأخره، فإن قيل: فلماذا لم يأمره بالرجوع إلى بيته ليغتسل؟، فالجواب: أنه لم يأمره بذلك لضيق الوقت، لأنه لو ذهب فإنه تفوته الخطبة وقد يفوته بعض الصلاة، فبان بهذا ضعف هذا الاعتراض، يقول الإمام الكبير إسحاق بن راهويه: "قول عمر إلى الإيجاب أقرب منه إلى الرخصة، لأنه لا يدع الخطبة ويشتغل بمعاتبة مثل عثمان وتوبيخه على رؤوس الناس بالشيء تركه مباح لا إثم على تاركه، وقد كان ضاق الوقت فلم يمكنه الرجوع، لأنه لو فعل ذلك لفاتته الجمعة،
وليس لأحد أن يحتج بقول عمر في الرخصة بترك الغسل من غير محله"اه‍.(9).
■ قال مقيده -عفا الله عنه-: فهذا ما تيسر الكلام عنه في هذه المسألة، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطإ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
_________________________
1)-أنظر:معالم السنن(١٥٩/١)،التمهيد(٧٩/١٠)، المغني (٣٤٥/٢).
2)-أنظر:الأوسط(٣٩/٤)، معالم السنن(١٥٩/١)، المغني(٧١/١)، نيل الأوطار(٢٥٢/١).
3)-الاختيارات(ص١٧)،زادالمعاد(٣٧٧/١)،الإنصاف (٢٤٧/١).
4)-رواه البخاري(٨٧٩)،ومسلم(٨٤٦)وغيرهما.
5)-إحكام الأحكام(٣٣٢/١).
6)-رواه البخاري(٨٧٧)،ومسلم(٨٤٤)وغيرهما.
7)-رواه البخاري(٨٧٨)،ومسلم(٨٤٥)واللفظ للبخاري.
8)-رواه البخاري(٨٩٦)،ومسلم(٨٩٤).
9)-أخرجه البخاري(٨٧٨)، ومسلم(٨٤٥)،والترمذي(٤٩٤)، وأحمد(١٩٩).
10)-نقله عنه في الأوسط(٤٢/٤).
 
أعلى