العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

اليواقيت في المواقيت

انضم
31 مايو 2024
المشاركات
25
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
-الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث علمي مختصر مهم، يتعلق بمسألة هي من مهمات مسائل الدين، تتعلق بأعظم شعيرة من شعائر الإسلام وهي"الصلاة"، رأيت كتابته بغية نشره، وليستفيد منه من شاء الله أن يستفيد، وهو في "مواقيت الصلاة"، ولا يشك العاقل في أهميته، كونه يتعلق بأهم شرط من شروط صحة الصلاة، ولهذا وجب الاهتمام به غاية الاهتمام، وإعطاؤه حقه من البيان، والله أسأل التوفيق والسداد، إنه سميع قريب.
-وهذا البحث جمعت فيه -باختصار- أهم المسائل المتعلقة بمواقيت الصلاة، مبينا القول الذي يعضده الدليل، ورجحة الأئمة المحققون، وقد أذكر -إتماما للفائدة- ما يخالفه للمعرفة والبيان مع التعقيب عليه، فأقول ومن الله وحده أستمد العون والتوفيق:
-إعلم أن الذي اتفق عليه الفقهاء هو أن عدد أوقات الصلوات المفروضة خمسة بقدر عدد الصلوات، وذلك لمن لا يريد الجمع، أما من يريد الجمع فالأوقات في حقه ثلاثة، لجواز الجمع بين صلاتي النهار والليل في وقت إحداهما ما عدا الصبح، وهذه الأوقات قد جاء ذكرها في كتاب الله تعالى، وجاء التنصيص عليها في سنة رسولهﷺ.
▪أما من كتاب الله فقوله تعالى:{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر}الآية، "فدلوك الشمس": يتناول صلاة الظهر والعصر جميعا، و"غسق الليل": يتناول المغرب والعشاء جميعا، و"قرآن الفجر" أي صلاة الفجر(1)، وسميت كذلك لأنها لا تجوز إلا بقراءة، وقيل: لأن القراءة فيها تطول.
▪وأما من السنة فهي كثيرة منها حديث عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما-أن النبيﷺ قال:[وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر العصر، ووقت العصر مالم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب مالم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس]الحديث(2)، وهذا الحديث هو العمدة في معرفة أوقات الصلوات، لذا كان الاعتماد عليه في بحثنا هذا.
-والحديث قد دل على بيان أوقات الصلوات الخمس، وهي على النحو التالي:
■أماوقت صلاة الظهر فهو إذا زالت الشمس، وهذا مما لا خلاف فيه، وآخره إذا صار ظل الشيء مثله ماعدا فيء الزوال، وهذا مذهب جمهور العلماء، وبه قال الصاحبان خلافا لأبي حنيفة(3)، حيث ذهب إلى أن آخر وقت الظهر هو أن يصير ظل الشيء مثليه، والراجح قول الجمهور للحديث السابق.
▪تنبيه: تجب عدم المبادرة لأداء صلاة الظهر بمجرد الأذان الرسمي، لما علم أنه يؤذن لها قبل الوقت الشرعي بنحو "سبع دقائق على الأقل"، وعليه يجب التربص لمدة "سبع دقائق" إلى "عشر دقائق" ، كما أفادنا بذلك شيخنا محمد علي فركوس -حفظه الله-.
■وأماوقت صلاة العصر فهو إذا صار ظل الشيء مثله، أي بخروج وقت الظهر، وآخره إذا غرب قرص الشمس، لحديث: [من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر]الحديث(4)، وأما الحديث المذكور -وهو حديث عبد الله بن عمرو- فالمراد به وقت الجواز، وورد في قصة إمامة جبريل وفيه: [أنه صلى العصر في اليوم الأول عند مصير ظل الشيء مثله، وفي اليوم الثاني عند مصير ظل الشيء مثليه، ثم قال: الوقت بين هذين الوقتين](5)، فهذا يدل على أن هذا هو وقت الاختيار، وهذا مقتضى الجمع بين هذه الأحاديث، ثم إن تأخير صلاة العصر إلى وقت الاصفرار من غير عذر فمحذور.
▪واعلم أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، وهو مذهب أكثر العلماء(6) وهو الراجح خلافا للمالكية في المشهور من مذهبهم(7)، لحديث:[..وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر العصر]،
فدل على أنه ليس هناك قدر مشترك بين صلاة الظهر وصلاة العصر، فمتى خرج وقت الظهر فقد دخل وقت العصر.
■وأماوقت صلاة المغرب فهو من مغيب قرص الشمس، وآخره عند مغيب الشفق الأحمر على الراجح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبي ثور والشافعي في القديم(8)، خلافا لمالك والشافعي في المشهور عنه، حيث ذهبا إلى أن المغرب له وقت واحد بقدر ما يتطهر ويؤذن ويصلي، لأن جبريل عليه السّلام صلى المغرب في اليوم الأول والثاني عند الغروب وقتا واحدا(9)، والصواب الأول لحديث ابن عمرو، فهو حديث قولي يقدم على حديث جبريل، ثم إن حديث جبريل يحمل على بيان أول الوقت، والله أعلم.
■وأماوقت العشاء فيبدأ بعد أن يغيب الشفق الأحمر، وأما آخره فهو عند منتصف الليل على الأظهر من أقوال العلماء، وهو مذهب أصحاب الرأي،والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وبه قال الثوري وابن المبارك وأبو ثور(10)، وذلك لقوله:[ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط]، فهو صريح في ذلك، بل هو كالنص.
▪والقول الثاني: أن آخره طلوع الفجر، وهو قول عطاء وعكرمة(11).
▪والقول الثالث: أن آخره ثلث الليل، وهذا المشهور من مذهب مالك، وبه الشافعي في الجديد، وأحمد في إحدى الروايتين عنه(12).
-والأظهر هو القول الأول، للحديث الصريح في ذلك، والله أعلم.
■وأما وقت صلاة الصبح فهو من طلوع الفجر الصادق، وعلامته أن يظهر وينتشر ممتدا في الأفق الشرقي، ويبقى كذلك حتى يطلع النهار، بخلاف الفجر الكاذب فإنه يظهر مرتفعا في السماء مثل العمود ثم يذهب، فهذا لا تترتب عليه الأحكام من أفعال وتروك بخلاف الفجر الصادق.
وأما آخره فهو بطوع الشمس بالإجماع.
▪تنبيه: وقت صلاة الصبح المنصوص عليه في الرزنامة الرسمية عندنا في الجزائر لا يطابق الوقت الشرعي المنصوص عليه في الأحاديث، وهذا ما عرف بالضرورة والمشاهدة، فيجب التنبه لذلك، خصوصا وأن الأمر يتعلق بأعظم شعيرة من شعائر الإسلام، والله الهادي.
-ونحمد الله تعالى أن وفق شيخنا الحبيب الشيخ محمد علي فركوس -حفظه الله- لبيان هذا الأمر، وتنبيه الأمة عليه، حيث كتب وبين ما يزيل اللبس ويرفع الإشكال، مؤيدا ذلك بالأدلة والبراهين، ومستندا إلى ما وصل إليه الباحثون في هذا المجال، وما قرره المشتغلون بعلم الفلك.
-ونحن نأمل أن يولي المعنيون عندنا هذا الأمر الاهتمام البالغ، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم، وحتى يؤدوا عبادتهم على الوجه الذي أمر به رب العالمين جل وعلا، والله الموفق.
-وهذا آخر الكلام، والحمد لله على التمام.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو أيمن أمين -كان الله له-.
____________________________
1)-أنظر: تفسير البغوي(١١٤/٥)، المحرر الوجيز (٤٧٧/٣)، تفسير ابن كثير(٩٣/٥).
2)-رواه مسلم(١٧٣).
3)-أنظر: الأوسط(٣٢٧/٢)، المجموع(٢١/٣)، المغني (٢٧١/١)، بداية المجتهد(١٠٠/١)، الهداية(٤٠/١)، بدائع الصنائع(١٢٢/١).
4)-رواه البخاري(٥٧٩)، ومسلم(٦٠٨).
5)-رواه أحمد(٣٠٨١)(٣٣٢٢)، والترمذي(١٤٩)، وأبو داود(٣٩٣)، والحاكم(١٩٥/١)، والحديث صححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في"إرواء الغليل"(٢٦٨/١).
6)-نيل الأوطار(٣٢٤/١)، وأنظر: المجموع(٢١/٣) للنووي، المغني(٢٧١/١)، المحلى(٢٠٠/٢).
7)-مواهب الجليل(٣٩٠/١)، شرح الدردير(١٧٧/١).
قلت: وقد خالف في ذلك ابن حبيب وأبو بكر بن العربي، أنظر: حاشية الدسوقي(١٧٧/١).
8)-أنظر: المبسوط(١٤٤/١)، الحاوي(٢٠/٢)، المغني (٢٧٦/١).
9)-أنظر: المدونة(١٥٦/١)، حاشيةالدسوقي(١٧٨/١)، المجموع (٢٩/٣).
قلت: أما مذهب الشافعي، فالذي اختاره جماعة من محققي المذهب هو ما ذهب إليه في القديم، قال النووي: "الأحاديث الصريحة مصرحة بما قاله في القديم، وتأويل بعضها متعذر فهو الصواب، وممن اختاره من أصحابنا: ابن خزيمة والخطابي والبيهقي والغزالي في"الإحياء" والبغوي في"التهذيب" وغيرهم، والله أعلم". روضة الطالبين(١٨١/١).
10)-أنظر: الأصل(١٤٦/١)، المجموع(٣٩/٣)، المغني (٢٧٨/١).
11)-أنظر: الأوسط(٣٤٥/٢)لابن المنذر.
12)-أنظر: الأوسط(٣٤٣/٢)، بداية المجتهد(١٠٤/١)، حلية العلماء(١٧/٢)، المغني(٢٧٨/١)، المبدع(٣٠٤/١).
 
أعلى