عبدالرحمن زعتري
:: متخصص ::
- انضم
- 25 يونيو 2008
- المشاركات
- 1,648
- الإقامة
- ألمانيا
- الجنس
- ذكر
- التخصص
- أصول الفقه
- الدولة
- ألمانيا
- المدينة
- ترير/Trier
- المذهب الفقهي
- ظاهري يميل إلى مذهب مالك
بسم الله الرحمن الرحيم
تغص كتب تاريخ الفقه بمسائل وقضايا لم تُدقق تدقيقا علميا وتاريخيا كافيا. ويؤثر في بحثها عوامل عدة، منها التحيز المذهبي. وبالتالي فإنها لا تُعالج بمنهجية بحث تاريخي سليم. وتحقيق مذهب أبي حيان، رحمه الله، يدخل في هذا الباب. وهو ما سأحاول أن أتناوله في الأسطر الآتية بشكل مكثف، ولكنه بالنهاية سيظل بحثا أوليا، وسيحتاج إلى مزيد من تتبع النصوص وتحليلها.
ذكر عدد من المؤرخين أن أبا حيان قد انتقل إلى مذهب الشافعي وترك مذهب أهل الظاهر. و يمكن حصر الأدلة التي تؤيد تحول أبي حيان إلى المذهب الشافعي في ثلاثة أدلة:
أ- خبر المؤرخين عن تحوله إلى المذهب الشافعي لما حل بمصر، و هو خبر خليل بن أيبك الصفدي1 وغيره.
ب- اختصاره لكتاب مهم في الفقه الشافعي: وهو كتاب النووي 2.
ج- بعض الروايات المنسوبة له في سبب تغيير المذهب، حيث سئل عن علة هذا التغير فأجاب: "بحسب البلدة"3.
يمكن اعتبار خبر الصفدي من أقوى الأدلة لأجل أنه كان تلميذا له، وعارفا بمذهب شيخه، مع أن هناك رواية عن أبي البقاء يوردها عنه ابن الخطيب: "وكان أبو البقاء يقول أنه لم يزل ظاهريا"4
وليس يفيدنا كثيرا ما ذكره ابن حجر العسقلاني من أن أبا حيان كان يقول: "محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه"5.
لكن ما يُعظم الشك في هذا التحول نحو المذهب الشافعي، أمران اثنان: أحدهما مدى دقة قول تلميذه الصفدي، خاصة وأنه أخطأ، أو وقع فيما يشبه الخطأ، في تحديد مكان ولادة الإمام، حيث أوهمت عبارة الصفدي بأن "مدينة مطخشارش" – مكان ميلاد أبي حيان- مدينة مستقلة، في حين أنها موضع في غرناطة6، لكن للصفدي عذر هنا في أنه مشرقي لا يعرف عن الأندلس شيئا، والوهم في تصور المدن ونواحيها وارد. بخلاف مذهب الإمام، لا سيما وأنه كان تلميذا له.
وهنا نأتي للأمر الثاني، وهو متعلق بتفسير البحر المحيط. فقد خرج الإمام من الأندلس وقد بلغ من العمر 25 سنة، ودخل مصر وعمره 41 سنة، ثم شرع في تأليف تفسيره في مرحلة متأخرة من حياته وقد بلغ من العمر 57 سنة، على ما ذكر المصنف بنفسه7، وهي مرحلة متأخرة جدا من حياته؛ وهو معطى دال جدا. ومع ذلك فلا شيء في تفسيره يدل على تحوله نحو المذهب الشافعي:
- كلما قال أبو حيان "أصحابنا" فهو يقصد النحاة غالبا، أو متكلمي أهل السنة8، ولم يقل في أي مرة عن الشافعية "أصحابنا".
- رغم أنه يعتني بنقل مذاهب الشافعي، فإن اعتناءه بأقوال مالك والمالكية واضح جدا، فلا يحضر من أسماء فقهاء الشافعية سوى: الشافعي، المزني، الطبري، والقفال، والرازي، والماوردي، وقلة من الأسماء الأخرى، على تفاوت بينهم9، في حين يبدو حضور المالكية متنوعا وكثيفا كابن القاسم، وأشهب، ابن العربي، وابن خويز منداد، وابن عطية، والقرطبي، والباجي وغيرهم.
وبعض النظر عن أي المذهبين أكثر حضورا في تفسيره، فإنه لا يُبدي أي ميل خاص للشافعي يشي بانتماءه لمذهبه، اللهم ما يكون من الميل المعتاد من كل الظاهرية للشافعي، وتفضيل أقواله على بقية الأئمة.
- أنه رد على الجويني بنبرة حازمة في مسألة عدم الاعتداد بالظاهرية10.
- أنه حين استعرض تعليلا ت الفقهاء لسبب تحريم الخنزير ، ختم بملحوظة دالة على رفضه لهذا النوع من التعليل الذي لا دليل عليه من النص، فقال:
"وقيل: لأنه يقطع الغيرة ويذهب بالأنفة، فيتساهل الناس في هتك المحرم وإباحة الزنا، ولم تشر الآية الكريمة إلى شيء من هذه التعليلات التي ذكروها"11.
- وافق ابن حزم في عدد من المسائل التي خالف فيها الجمهور12، بل الظاهر أنه وافق داود في قوله بتحريم لحم الخنزير دون شحمه13.
- مال في مسائل النحو إلى المدرسة الظاهرية المقدمة للسماع، والنافية للعلل الثواني والثوالث، ورفض التمارين النحوية غير العملية، وهو ما نجد أساسه عند الإمام ابن مضاء الظاهري في كتابه "الرد على النحاة"14.
يقول عن القياس، بعد أن حكى اضطراب موقف أبي علي الفارسي: "فلمَّا اطَّلعنا على مذاهب الناس في هذه المسألة واختلافهم فيها رجعنا عند الاختلاف إلى السماع من العرب؛ فما وجدناه منقولاً عنهم أخذنا به، وما لم يُنقل من لسانهم اطَّرحناه، وذلك مذهبنا في إثبات القواعد النحوية، إنما نرجع فيها إلى السماع، فلا نثبت شخصيَّا من الأحكام إلا بعد إثبات نوعه، ولا نثبت شيئًا منه بالقياس"15
أخيرا، فقد شكك الإمام شمس الدين الراعي المالكي في تحول أبي حيان إلى المذهب الشافعي، وذكر ذلك في كتابه "انتصار الفقيه السالك لترجيح مذهب مالك"، ويبدو أنه تشكك معقول، بالنظر إلى الفقر الواضح في الأدلة التاريخية والنصية التي تثبت هذا التحول. ومع ذلك فالمسألة تقتضي مزيدا من البحث للتحقق وقدرا كبيرا من الحذر التاريخي. والله أعلم.
---------------------------
1 - خليل بن أيبك الصفدي، نكث الهميان في نكت العميان، ت مصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007) ص267.
3 - محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، 1/200.
4 - محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (بيروت: دار المعرفة)2/290.
5 - السابق.
6 - أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، ت إحسان عباس (بيروت: دار صادر) 2/559.
7 - أبو حيان، 1/10. جدير بالذكر أن أبا حيان كان قد دخل مصر سنة 695ه وعمره 41 سنة.
8 - مثال على ذلك: 1/302 ؛1/309.
9 - لم يذكر النووي الذي لخص كتابه أبدا.
10 - أبو حيان، 2/114.
11 - السابق، 2/115.
12 - على سبيل المثال: أبو حيان، 2/460.
13 - إحالة سابقة.
14 - ينظر تفصيل كل هذا في:
خديجة الحديثي، أبو حيان النحوي (بغداد: مكتبة النهضة، 1966).
15 - محمد بن يوسف بن علي(أبو حيان)، التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل، ت حسن هنداوي (دار دمشق، دار كنوز اشبيليا) 10/65.
التعديل الأخير:
