عيد محمد الأزهري
:: متابع ::
- انضم
- 20 أغسطس 2023
- المشاركات
- 7
- الإقامة
- جمهورية مصر العربية
- الجنس
- ذكر
- التخصص
- الشريعة الإسلامية
- الدولة
- مصر
- المدينة
- البحيرة
- المذهب الفقهي
- المالكي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد..
فإن الخلاف والاختلاف لم يكونا يومًا معضلةً في تاريخ الأمم، ولم يكونا كذلك مشكلةً في تاريخ أمتنا، بل إن القرآن الكريم أكد في أكثر من موضع على تلك الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
واختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر قد يكون سببًا من أسباب نهضة الأمم وتقدمها.
والناظر إلى حال أمتنا اليوم يدرك ما آلت إليه بعض العقول الشاطحة من رفض الخلاف واستنكاره، والتشنيع على المخالفين في أبسط المسائل، بل وصل الأمر إلى التكفير والتفسيق.
وهذا مما يحزن ويسوء؛ فكان من واجب البيان أن نبين ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز بين المسلمين في العقيدة والشريعة.
أولًا: ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز في أمور العقيدة
قسَّم علماؤنا العقيدة إلى قسمين: (أصول وفروع).
- الأصول: وتنقسم إلى قسمين أيضًا:
١- أصول العقيدة:
وهي الأمور التي يترتب على الخلاف فيها الكفر أو الإيمان، مثل: وجود الله تعالى، وتوحيده، وقدمه، وبقائه، وصدق الأنبياء، وأركان الإيمان الستة، ونحو ذلك من الأمور التي إذا اختلف فيها رجلان كان أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا.
٢- أصول مذهب أهل السنة:
وهي الأمور التي يترتب على الخلاف فيها الفسق أو الضلال، والخروج عن دائرة أهل السنة والجماعة، ومخالفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مثل: إثبات عذاب القبر ونعيمه، والميزان، وعدم تكفير مرتكب الكبيرة من الموحدين، والكف عن سب الصحابة رضوان الله عليهم، وتنزيه الله عز وجل عن مشابهة خلقه في الصفات التي ورد ظاهرها بما يوهم التشبيه، وغير ذلك من المبادئ والأصول التي اتفقت عليها كلمة أهل السنة والجماعة.
- الفروع:
ويقصد بها المسائل الجزئية التي لا يترتب على الخلاف فيها شيء من كفر أو إيمان أو فسق أو ضلال، مثل: تناول آيات الصفات على طريقة السلف أو الخلف، وخلاف الصحابة حول رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والمعراج، وخلافهم في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وغيرها.
وعليه؛ فالخلاف في الأصول – سواء أصول العقيدة أو أصول أهل السنة – غير جائز بين المسلمين، أما الخلاف في الفروع فهو سائغ ومعتبر، وقد سبقنا إليه خلق كثير من أهل العلم والفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم.
ثانيًا: ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز في الشريعة
ونقصد بالشريعة: ما نزل به الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الأحكام التي تصلح بها أحوال الناس في الدنيا والآخرة.
وعليه؛ قسم علماؤنا الشريعة الإسلامية إلى قسمين: (أصول وفروع).
أما الأصول: فيقصد بها مجموعة الأحكام الشرعية التي لا يسع المسلم جهلها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أو هي الأمور التي يترتب على إنكارها الكفر – أعاذنا الله وإياكم –.
أما الفروع: فيقصد بها باقي الأحكام الشرعية التي لا يترتب على الخلاف فيها شيء، وهي محل اجتهاد الفقهاء، والخلاف فيها منه ما هو:
١- خلاف معقول:
وذلك كأن يختلف عالمان في مسألة واحدة، فيقول أحدهما: هذا فرض أو واجب، ويقول الآخر: بل هو سنة فقط؛ أي إن الخلاف يكون في اتجاه واحد من اتجاهات التكليف (الطلب أو الترك)، سواء كان إلزاميًا أو غير إلزامي.
ومثال ذلك: التسليمة الثانية في الصلاة؛ فهي واجبة عند الحنابلة، ومندوبة عند غيرهم، والوجوب والندب كلاهما في اتجاه الطلب.
أو أن يقول أحدهما عن أمرٍ ما إنه حرام، ويقول الآخر: بل هو مكروه، والحرام والمكروه كلاهما في اتجاه الترك.
ومثال ذلك: حلق اللحية؛ فهو حرام عند الجمهور، ومكروه عند بعض أهل العلم، وغير ذلك من صور الخلاف المعقول.
٢- خلاف غير معقول:
وذلك كأن يختلف عالمان في مسألة واحدة، فيقول أحدهما: إنها سنة مطلوبة، ويقول الآخر: بل هي مكروهة يُلام فاعلها.
ومثال ذلك: النداء قبل صلاة العيد بلفظ: «الصلاة جامعة»، فهو سنة عند الشافعية، ومكروه عند المالكية.
والأخطر من ذلك أن يختلفا في عملٍ ما، فيقول أحدهما: إنه حرام يبطل العبادة، ويقول الآخر: ليس بحرام ولا يبطل العبادة.
ومثال ذلك: تقدم المأموم على إمامه في الصلاة؛ فإنه لا يبطل الصلاة عند المالكية، ويبطلها عند غيرهم.
وبناءً على ذلك؛ فإن الخلاف في الأصول غير جائز؛ لأن الأمر فيه متعلق بالكفر والإيمان، أما الفروع فالخلاف فيها جائز، ويتعدد فيها النظر، فمنه ما هو مقبول سائغ معتبر، ومنه ما ليس كذلك.
ومن هنا يتضح لنا حجم اللغط الذي أوقع فيه أصحاب الأفهام السقيمة والمناهج غير المستقيمة أمتنا؛ إذ يشوشون على العامة أمر دينهم، ويتقولون على الله بغير حق، ويكفرون ويفسقون، ويفتئون على الله والعلم.
ومما لا شك فيه أنه لا سبيل للخلاص من ذلك كله إلا بالرجوع إلى منهج الله تعالى ورسوله الكريم، وصحابته الكرام، وتابعيهم، وأئمة المذاهب المعتبرين، والسير في ركابهم؛ حتى تستعيد الأمة عافيتها، وتنهض من الفتن التي وقعت فيها من التكفير والتفسيق والتبديع، وما ترتب على ذلك من عنف وتدمير وتخريب بين أبناء المسلمين.
هدانا الله وإياكم سواء السبيل، ورزقنا وإياكم الرشاد والسداد في القول والعمل، وحفظ الله المسلمين وبلادهم من كل مكروه وسوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عيد محمد الأزهري
١٢ من ذي الحجة ١٤٤٧ هـ
٢٩ مايو ٢٠٢٦ م
فإن الخلاف والاختلاف لم يكونا يومًا معضلةً في تاريخ الأمم، ولم يكونا كذلك مشكلةً في تاريخ أمتنا، بل إن القرآن الكريم أكد في أكثر من موضع على تلك الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
واختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر قد يكون سببًا من أسباب نهضة الأمم وتقدمها.
والناظر إلى حال أمتنا اليوم يدرك ما آلت إليه بعض العقول الشاطحة من رفض الخلاف واستنكاره، والتشنيع على المخالفين في أبسط المسائل، بل وصل الأمر إلى التكفير والتفسيق.
وهذا مما يحزن ويسوء؛ فكان من واجب البيان أن نبين ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز بين المسلمين في العقيدة والشريعة.
أولًا: ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز في أمور العقيدة
قسَّم علماؤنا العقيدة إلى قسمين: (أصول وفروع).
- الأصول: وتنقسم إلى قسمين أيضًا:
١- أصول العقيدة:
وهي الأمور التي يترتب على الخلاف فيها الكفر أو الإيمان، مثل: وجود الله تعالى، وتوحيده، وقدمه، وبقائه، وصدق الأنبياء، وأركان الإيمان الستة، ونحو ذلك من الأمور التي إذا اختلف فيها رجلان كان أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا.
٢- أصول مذهب أهل السنة:
وهي الأمور التي يترتب على الخلاف فيها الفسق أو الضلال، والخروج عن دائرة أهل السنة والجماعة، ومخالفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مثل: إثبات عذاب القبر ونعيمه، والميزان، وعدم تكفير مرتكب الكبيرة من الموحدين، والكف عن سب الصحابة رضوان الله عليهم، وتنزيه الله عز وجل عن مشابهة خلقه في الصفات التي ورد ظاهرها بما يوهم التشبيه، وغير ذلك من المبادئ والأصول التي اتفقت عليها كلمة أهل السنة والجماعة.
- الفروع:
ويقصد بها المسائل الجزئية التي لا يترتب على الخلاف فيها شيء من كفر أو إيمان أو فسق أو ضلال، مثل: تناول آيات الصفات على طريقة السلف أو الخلف، وخلاف الصحابة حول رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والمعراج، وخلافهم في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وغيرها.
وعليه؛ فالخلاف في الأصول – سواء أصول العقيدة أو أصول أهل السنة – غير جائز بين المسلمين، أما الخلاف في الفروع فهو سائغ ومعتبر، وقد سبقنا إليه خلق كثير من أهل العلم والفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم.
ثانيًا: ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز في الشريعة
ونقصد بالشريعة: ما نزل به الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الأحكام التي تصلح بها أحوال الناس في الدنيا والآخرة.
وعليه؛ قسم علماؤنا الشريعة الإسلامية إلى قسمين: (أصول وفروع).
أما الأصول: فيقصد بها مجموعة الأحكام الشرعية التي لا يسع المسلم جهلها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أو هي الأمور التي يترتب على إنكارها الكفر – أعاذنا الله وإياكم –.
أما الفروع: فيقصد بها باقي الأحكام الشرعية التي لا يترتب على الخلاف فيها شيء، وهي محل اجتهاد الفقهاء، والخلاف فيها منه ما هو:
١- خلاف معقول:
وذلك كأن يختلف عالمان في مسألة واحدة، فيقول أحدهما: هذا فرض أو واجب، ويقول الآخر: بل هو سنة فقط؛ أي إن الخلاف يكون في اتجاه واحد من اتجاهات التكليف (الطلب أو الترك)، سواء كان إلزاميًا أو غير إلزامي.
ومثال ذلك: التسليمة الثانية في الصلاة؛ فهي واجبة عند الحنابلة، ومندوبة عند غيرهم، والوجوب والندب كلاهما في اتجاه الطلب.
أو أن يقول أحدهما عن أمرٍ ما إنه حرام، ويقول الآخر: بل هو مكروه، والحرام والمكروه كلاهما في اتجاه الترك.
ومثال ذلك: حلق اللحية؛ فهو حرام عند الجمهور، ومكروه عند بعض أهل العلم، وغير ذلك من صور الخلاف المعقول.
٢- خلاف غير معقول:
وذلك كأن يختلف عالمان في مسألة واحدة، فيقول أحدهما: إنها سنة مطلوبة، ويقول الآخر: بل هي مكروهة يُلام فاعلها.
ومثال ذلك: النداء قبل صلاة العيد بلفظ: «الصلاة جامعة»، فهو سنة عند الشافعية، ومكروه عند المالكية.
والأخطر من ذلك أن يختلفا في عملٍ ما، فيقول أحدهما: إنه حرام يبطل العبادة، ويقول الآخر: ليس بحرام ولا يبطل العبادة.
ومثال ذلك: تقدم المأموم على إمامه في الصلاة؛ فإنه لا يبطل الصلاة عند المالكية، ويبطلها عند غيرهم.
وبناءً على ذلك؛ فإن الخلاف في الأصول غير جائز؛ لأن الأمر فيه متعلق بالكفر والإيمان، أما الفروع فالخلاف فيها جائز، ويتعدد فيها النظر، فمنه ما هو مقبول سائغ معتبر، ومنه ما ليس كذلك.
ومن هنا يتضح لنا حجم اللغط الذي أوقع فيه أصحاب الأفهام السقيمة والمناهج غير المستقيمة أمتنا؛ إذ يشوشون على العامة أمر دينهم، ويتقولون على الله بغير حق، ويكفرون ويفسقون، ويفتئون على الله والعلم.
ومما لا شك فيه أنه لا سبيل للخلاص من ذلك كله إلا بالرجوع إلى منهج الله تعالى ورسوله الكريم، وصحابته الكرام، وتابعيهم، وأئمة المذاهب المعتبرين، والسير في ركابهم؛ حتى تستعيد الأمة عافيتها، وتنهض من الفتن التي وقعت فيها من التكفير والتفسيق والتبديع، وما ترتب على ذلك من عنف وتدمير وتخريب بين أبناء المسلمين.
هدانا الله وإياكم سواء السبيل، ورزقنا وإياكم الرشاد والسداد في القول والعمل، وحفظ الله المسلمين وبلادهم من كل مكروه وسوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عيد محمد الأزهري
١٢ من ذي الحجة ١٤٤٧ هـ
٢٩ مايو ٢٠٢٦ م
