العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

كلمة عن اﻹخلاص والتحذير من الرياء

انضم
31 مايو 2024
المشاركات
41
الإقامة
الجزائر العاصمة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أيمن
التخصص
أصول الفقه - فقه
الدولة
الجزائر
المدينة
الجزائر العاصمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
-فإن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، وباﻹلهية يفردوه، وأنزل الكتب وأرسل الرسل لبيان هذه الحكمة والدعوة إليها، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وفرض عليهم إخلاص العبادة له وحده سبحانه، وحرم عليهم اﻹشراك به جل وعلا فقال: ﴿وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ﴾اﻵية [البينة ٥].
-فاﻹخلاص من أعظم حقوق الله تعالى، وهو عنوان صحة العمل وأساسه، وبه يتخلص العبد من الشيطان، وأما الرياء فهو محبط للعمل، ومعرض لسخط الله تعالى وعقابه، وهو عنوان البعد عن الله تعالى، إذ أنه من أظلم الظلم، ومن أعظم التعدي على حق الله تعالى.
-ومعنى اﻹخلاص: تصفية العمل من جميع شوائب الشرك، وذلك بنسيان النظر إلى النفس لدفع العجب الذي هو من باب اﻹشراك بالنفس، و بنسيان النظر إلى المخلوق لدفع الرياء الذي هو من باب اﻹشراك بالخلق، ففي اﻹخلاص قطع لحظوظ النفس في اﻻلتفات إلى الخلق، وفي وقوع السرور برؤيتهم وبسماعهم .
-وبالجملة: فاﻹخلاص هو تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى بحيث ﻻ يكون فيه باعث سواه، وهذا حتى يكون العمل صافيا من جميع شوائب الشرك، كما يكون اللبن خالصا من لون الدم ورائحة الرفث إذا خرج من ضرع اﻷنعام، فبهذا يكون العمل مقبوﻻ كما قالﷺ: [إن الله ﻻ يقبل من العمل إﻻ ما كان له خالصا وابتغي به وجهه](1).
-واعلم أخا اﻹسلام أن اﻹخلاص من أشق اﻷمور على النفس، قيل لسهل التستري: أي شيء أشد على النفس؟، فقال: اﻹخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب"(2)، فالنفس تحب الظهور والمدح والجاه والرياسة، وتكره المذمة والنظر إليها بعين اﻹزراء، فترى صاحبها يزين أعماله للناس حتى يحصل مبتغاها من جلب المحمدة ودفع المذمة، وقد عرف باﻻستقراء أن دافع الرياء قائم على ثلاثة أسس وهي: حب المحمدة، وخوف المذمة، والطمع فيما في أيدي الناس(3)، وقد ترجع كلها إلى هذا اﻷخير.
-ثم إن من الناس من يجمع بين الرياء المتعلق بحاسة البصر، والسمعة المتعلقة بحاسة السمع، فاﻷول يتصور فيمن يصلي ويزين صلاته لرؤية الناس له، والثاني يتصور فيمن يعمل العمل في السر ثم يصبح يحدث به في الناس، فيحبط عمله في كلتا الحالتين، ويكون بذلك قد عرض نفسه لعقوبة الله تعالى، نسأل الله السلامة من ذلك.
-والرياء كما يكون بالتصريح يكون أيضا بالتعريض، كمن يبيت قائما يصلي ثم يصبح يحدث الناس بأنه متعب ليعلمهم بأنه بات قائماً !!.
-وكما يكون بالتعريض يكون أيضا بالشمائل، وذلك بإظهار النحول والصفار ويبس الشفتين ليعلم الناس أنه صائم، ونحو ذلك.
-وكما يكون الرياء في أصل العبادة يكون أيضا في أوصافها.
-والرياء خفي وقد يتلون، فكم من عامل يظن أنه مخلص و عمله في هباء، والعياذ بالله.
-ثم إن هناك آفة أخرى وهي العجب، وهو داء خطير، ومرض عضال لا يسلم منه إلا من سلمه الله تعالى، إذ هو كالرياء من حيث كونه يحبط العمل،بل قد يبطل الإخلاص، فمن أعجب بعمله بطل، ومن أعجب بإخلاصه بطل إخلاصه، ولهذا قيل: "اﻹخلاص فقد رؤية الإخلاص، فإن من شاهد في إخلاصه اﻹخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى اﻹخلاص"، فاﻷمر عظيم والخطب عسير، فليجتهد اللبيب في تحصيل اﻹخلاص أكثر من اجتهاده في تحصيل القربات، ﻷنه ما من عمل إﻻ وفيه آفة، فمن لم يعرفها وقع فيها، ومن أراد أن يعرفها فما عليه إﻻ أن يحصل العلم النافع الذي به يفرق بين صحيح العمل و سقيمه، والله الموفق.
-وعلى اللبيب أن يحذر من أن يترك العمل خوفا من الرياء، ﻷن هذا أيضا من الشرك وﻻ حول وﻻ قوة إلا بالله العلي العظيم، ﻷنه ما ترك العمل إﻻ ﻷجل الناس، وقد جاء عن الفضيل بن عياض أنه قال: "ﺗﺮﻙ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ اﻟﻨﺎﺱ ﻫﻮ اﻟﺮﻳﺎء، ﻭاﻟﻌﻤﻞ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ اﻟﻨﺎﺱ ﻫﻮ اﻟﺸﺮﻙ"(4)، فهذا مزلق خطر يغفل عنه كثير من الناس، والله المستعان.
-وختاماً:
على اللبيب أن يحرص أشد الحرص على أن تكون أعماله كلها خالصة لله رب العالمين، وأن يحذر من الرياء أشد من حذره من السم القاتل، حتى يلقى ربه وهو عنه راض، وعند الصباح يحمد القوم السرى. والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
______________________
1)- أﺧﺮﺟﻪ اﻟﻨﺴﺎﺋﻲ(٢٥/٦)، وحسن إسناده الحافظ العراقي في "ﺗﺨﺮﻳﺞ اﻹﺣﻴﺎء"(٣٢٨/٤)، وجود إسناده الحافظ في"الفتح"(٣٥/٦)، والقسطلاني في"إرشاد الساري(٤٨/٥)، والسفاريني في"كشف اللثام"(٢٥٥/٧)، وحسن إسناده الألباني في"السلسلة الصحيحة"(٥٢).
2)-أنظر: بستان العارفين(ص٢٧).
3)-أنظر: مختصر منهاج القاصدين(ص٢٤١).
4)-حلية الأولياء(٩٤/٨).
 
أعلى