عيد محمد الأزهري
:: متابع ::
- انضم
- 20 أغسطس 2023
- المشاركات
- 8
- الإقامة
- جمهورية مصر العربية
- الجنس
- ذكر
- التخصص
- الشريعة الإسلامية
- الدولة
- مصر
- المدينة
- البحيرة
- المذهب الفقهي
- المالكي
المصطلح بين السياق العلمي والوضع الاصطلاحي وأثره في سلامة الفهم
إن تحرير الأسماء والمصطلحات أمرٌ ضروري للوقوف على الماهية والحكم؛ فالخلط بينها خطر عظيم، وآفة ينبغي محاربتها والتصدي لها، والتحذير من التهاون أو التساهل في شأنها؛ لأن عدم تحريرها يكون سببًا في كثير من الخلط والاختلاف في الأحكام الشرعية، والتداخل بين العلوم الشرعية والعلوم العربية. وبتحريرها يستقيم الفهم، وتُدرك مرامي الكلام ومقاصده، وتستقيم الأحكام، وتُصيب غاياتها دون شطط أو خطأ.
أولًا: المصطلح في سياقه العلمي الوارد فيه
وهذا أمرٌ تقتضيه الضرورة العلمية، ولا يمكن إنكاره؛ فهناك مصطلحات مشتركة لفظًا، مختلفة معنىً بحسب العلوم الشرعية والعربية، ويجب التفريق بين معانيها وفق السياق العلمي الذي وردت فيه. وكما قيل: «بالمثال يتضح المقال».
والمثال الذي بين أيدينا نذكره لا على سبيل الحصر، وإنما لأهميته؛ إذ يمثل صورة من صور الخلط والتخليط التي يُستهان بأثرها، مع ما يترتب عليها من فساد عظيم.
مصطلح «السنة»
تُعد لفظة «السنة» من الألفاظ التي يكثر حولها الخلط؛ بسبب عدم التفريق بين معانيها بحسب العلوم المختلفة، فهي من المصطلحات التي يختلف معناها باختلاف العلم الذي ترد فيه، ومن ذلك:
في علم أصول الفقه
هي ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلًا شرعيًا. ويبحث الأصوليون السنة بوصفها مصدرًا من مصادر التشريع؛ ولذلك قسموها إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية.
في علم الفقه
هي ما ثبت طلبه بدليل شرعي من غير افتراض ولا وجوب، أو هي ما يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه. وهي أحد الأحكام التكليفية عند الفقهاء، ولذلك قسموها إلى سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة.
في علم اللغة العربية
تعني الطريقة المتبعة والسيرة المستمرة، سواء كانت حسنة أم سيئة؛ ولذلك قُسمت إلى سنة حسنة وسنة سيئة.
في علم مصطلح الحديث
هي ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية، وسائر أخباره قبل البعثة وبعدها. وقد تُطلق عند بعض المحدثين على ما أُثر عن الصحابة والتابعين أيضًا. ولذلك قُسمت من حيث طرق الرواية إلى متواترة ومشهورة وآحاد.
لذلك وجب تحرير المصطلحات بحسب سياقاتها العلمية، وتحديد حدودها ومعانيها؛ حتى لا يلتبس الأمر ويقع الفساد.
ثانيًا: تحرير المصطلح بحسب الوضع المستعمل فيه
ومما ينبغي مراعاته كذلك النظر إلى معنى المصطلح بحسب الوضع الذي وُضع له، وقد ذكر العلماء أنواعًا من أوضاع الكلمة، يمكن إجمالها فيما يأتي:
1- الوضع اللغوي (الحقيقة اللغوية)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في أصل اللغة واصطلاح أهلها.
فكل كلمة في اللغة وُضعت لمعنى معين، فإذا استُعملت فيه كان استعمالها حقيقة لغوية.
2- الوضع الشرعي (الحقيقة الشرعية)
وهو الكلمة المستعملة في المعنى الذي وضعه لها الشرع.
فالصلاة – مثلًا – في الاصطلاح الشرعي: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
وقد استعمل الشرع ألفاظًا لمعانٍ لم تكن موضوعة لها في أصل اللغة، ثم أصبحت حقائق شرعية فيها، مثل: الإسلام، والإيمان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج.
3- الوضع العرفي الخاص (الحقيقة الاصطلاحية الخاصة)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في اصطلاح طائفة معينة من أهل فن أو علم.
فالفاعل – مثلًا – عند النحاة هو: الاسم المرفوع الذي أُسند إليه الفعل.
وقد اصطلح أهل العلوم المختلفة على ألفاظ خاصة بمعانٍ معينة، كاصطلاح النحاة على ألفاظ: المبتدأ، والخبر، والحال، والتمييز، والفاعل، والمفعول.
وكاصطلاح الفلاسفة على ألفاظ: الجوهر، والعرض، والكل، والجزء، وغيرها.
4- الوضع العرفي العام (الحقيقة العرفية العامة)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في عرف الناس العام.
ومن ذلك لفظ «الدابة»، فإنه يُطلق في العرف العام على ذوات الأربع، كالفرس والحمار ونحوهما، مع أن معناه اللغوي أوسع من ذلك؛ إذ يشمل كل ما يدب على الأرض، كما قال تعالى:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
فهذا التخصيص لم يصدر عن طائفة معينة، وإنما شاع بين عامة الناس، فسُمي عرفًا عامًا.
وخلاصة ذلك إذا استُعملت الكلمة فيما وُضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، كانت حقيقة. وإن استُعملت في غير ما وُضعت له في ذلك الاصطلاح، كانت مجازًا.
وعليه، فقد تكون الكلمة حقيقة باعتبار اصطلاح، ومجازًا باعتبار اصطلاح آخر.
فالصلاة – مثلًا – معناها في اللغة: الدعاء، ومعناها عند الشرعيين: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
فإذا استعملها رجل من أهل الشرع في معنى الدعاء مجردًا، كان ذلك مجازًا باعتبار الاصطلاح الشرعي. وإذا استعملها لغوي في العبادة المخصوصة، كان ذلك مجازًا باعتبار الاصطلاح اللغوي. أما إذا استُعملت في معناها بحسب الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، كانت حقيقة.
فالمدار كله على الاصطلاح الذي يُفهم الكلام في إطاره.
خاتمة
وفي الختام نؤكد ما أكده علماؤنا قديمًا، ومن ذلك ما قرره الإمام رحمه الله، حيث قال في كتابه الإحكام:
«والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد: اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معانٍ كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال. وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكًا لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى».
عيد محمد الأزهري
١٥ من ذي الحجة ١٤٤٧هـ
٢٠٢٦/٥/٣١م
إن تحرير الأسماء والمصطلحات أمرٌ ضروري للوقوف على الماهية والحكم؛ فالخلط بينها خطر عظيم، وآفة ينبغي محاربتها والتصدي لها، والتحذير من التهاون أو التساهل في شأنها؛ لأن عدم تحريرها يكون سببًا في كثير من الخلط والاختلاف في الأحكام الشرعية، والتداخل بين العلوم الشرعية والعلوم العربية. وبتحريرها يستقيم الفهم، وتُدرك مرامي الكلام ومقاصده، وتستقيم الأحكام، وتُصيب غاياتها دون شطط أو خطأ.
أولًا: المصطلح في سياقه العلمي الوارد فيه
وهذا أمرٌ تقتضيه الضرورة العلمية، ولا يمكن إنكاره؛ فهناك مصطلحات مشتركة لفظًا، مختلفة معنىً بحسب العلوم الشرعية والعربية، ويجب التفريق بين معانيها وفق السياق العلمي الذي وردت فيه. وكما قيل: «بالمثال يتضح المقال».
والمثال الذي بين أيدينا نذكره لا على سبيل الحصر، وإنما لأهميته؛ إذ يمثل صورة من صور الخلط والتخليط التي يُستهان بأثرها، مع ما يترتب عليها من فساد عظيم.
مصطلح «السنة»
تُعد لفظة «السنة» من الألفاظ التي يكثر حولها الخلط؛ بسبب عدم التفريق بين معانيها بحسب العلوم المختلفة، فهي من المصطلحات التي يختلف معناها باختلاف العلم الذي ترد فيه، ومن ذلك:
في علم أصول الفقه
هي ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلًا شرعيًا. ويبحث الأصوليون السنة بوصفها مصدرًا من مصادر التشريع؛ ولذلك قسموها إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية.
في علم الفقه
هي ما ثبت طلبه بدليل شرعي من غير افتراض ولا وجوب، أو هي ما يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه. وهي أحد الأحكام التكليفية عند الفقهاء، ولذلك قسموها إلى سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة.
في علم اللغة العربية
تعني الطريقة المتبعة والسيرة المستمرة، سواء كانت حسنة أم سيئة؛ ولذلك قُسمت إلى سنة حسنة وسنة سيئة.
في علم مصطلح الحديث
هي ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية، وسائر أخباره قبل البعثة وبعدها. وقد تُطلق عند بعض المحدثين على ما أُثر عن الصحابة والتابعين أيضًا. ولذلك قُسمت من حيث طرق الرواية إلى متواترة ومشهورة وآحاد.
لذلك وجب تحرير المصطلحات بحسب سياقاتها العلمية، وتحديد حدودها ومعانيها؛ حتى لا يلتبس الأمر ويقع الفساد.
ثانيًا: تحرير المصطلح بحسب الوضع المستعمل فيه
ومما ينبغي مراعاته كذلك النظر إلى معنى المصطلح بحسب الوضع الذي وُضع له، وقد ذكر العلماء أنواعًا من أوضاع الكلمة، يمكن إجمالها فيما يأتي:
1- الوضع اللغوي (الحقيقة اللغوية)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في أصل اللغة واصطلاح أهلها.
فكل كلمة في اللغة وُضعت لمعنى معين، فإذا استُعملت فيه كان استعمالها حقيقة لغوية.
2- الوضع الشرعي (الحقيقة الشرعية)
وهو الكلمة المستعملة في المعنى الذي وضعه لها الشرع.
فالصلاة – مثلًا – في الاصطلاح الشرعي: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
وقد استعمل الشرع ألفاظًا لمعانٍ لم تكن موضوعة لها في أصل اللغة، ثم أصبحت حقائق شرعية فيها، مثل: الإسلام، والإيمان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج.
3- الوضع العرفي الخاص (الحقيقة الاصطلاحية الخاصة)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في اصطلاح طائفة معينة من أهل فن أو علم.
فالفاعل – مثلًا – عند النحاة هو: الاسم المرفوع الذي أُسند إليه الفعل.
وقد اصطلح أهل العلوم المختلفة على ألفاظ خاصة بمعانٍ معينة، كاصطلاح النحاة على ألفاظ: المبتدأ، والخبر، والحال، والتمييز، والفاعل، والمفعول.
وكاصطلاح الفلاسفة على ألفاظ: الجوهر، والعرض، والكل، والجزء، وغيرها.
4- الوضع العرفي العام (الحقيقة العرفية العامة)
وهو الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في عرف الناس العام.
ومن ذلك لفظ «الدابة»، فإنه يُطلق في العرف العام على ذوات الأربع، كالفرس والحمار ونحوهما، مع أن معناه اللغوي أوسع من ذلك؛ إذ يشمل كل ما يدب على الأرض، كما قال تعالى:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
فهذا التخصيص لم يصدر عن طائفة معينة، وإنما شاع بين عامة الناس، فسُمي عرفًا عامًا.
وخلاصة ذلك إذا استُعملت الكلمة فيما وُضعت له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، كانت حقيقة. وإن استُعملت في غير ما وُضعت له في ذلك الاصطلاح، كانت مجازًا.
وعليه، فقد تكون الكلمة حقيقة باعتبار اصطلاح، ومجازًا باعتبار اصطلاح آخر.
فالصلاة – مثلًا – معناها في اللغة: الدعاء، ومعناها عند الشرعيين: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
فإذا استعملها رجل من أهل الشرع في معنى الدعاء مجردًا، كان ذلك مجازًا باعتبار الاصطلاح الشرعي. وإذا استعملها لغوي في العبادة المخصوصة، كان ذلك مجازًا باعتبار الاصطلاح اللغوي. أما إذا استُعملت في معناها بحسب الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، كانت حقيقة.
فالمدار كله على الاصطلاح الذي يُفهم الكلام في إطاره.
خاتمة
وفي الختام نؤكد ما أكده علماؤنا قديمًا، ومن ذلك ما قرره الإمام رحمه الله، حيث قال في كتابه الإحكام:
«والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد: اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معانٍ كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال. وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكًا لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى».
عيد محمد الأزهري
١٥ من ذي الحجة ١٤٤٧هـ
٢٠٢٦/٥/٣١م
