أبو أيمن أمين الجزائري.
:: متابع ::
- انضم
- 31 مايو 2024
- المشاركات
- 44
- الإقامة
- الجزائر العاصمة
- الجنس
- ذكر
- الكنية
- أبو أيمن
- التخصص
- أصول الفقه - فقه
- الدولة
- الجزائر
- المدينة
- الجزائر العاصمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا بحث مختصر لطيف ذكرت فيه مسألة مشهورة وقع فيها خلاف معروف بين علماء السلف والخلف، وبين العلماء المتقدمين والمتأخرين وكذا المعاصرين، وسوف أذكر لك -بإيجاز- هذا الخلاف، ثم أردف ذلك بذكر ما يظهر أنه هو الأقرب إلى الصواب، فأقول:
اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للمقابر على ثلاثة أقوال:
-الأول: أنها تحرم، وهو قول عند الحنفية، وقول عند الشافعية -لكن صرح النووي بشذوذه-(1).
-الثاني: أنها تكره، وهذا مذهب جمهور العلماء(2).
-الثالث: أنها تباح من غير كراهة، وهذا مذهب الحنفية في الأصح عندهم، وأحد الوجهين للشافعية، ورواية عن أحمد(3).
-استدل القائلون بالتحريم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:[لعَنَ رسول اللهِﷺ زائراتِ القُبورِ،والمتَّخِذينَ عليها المساجِدَ والسُّرُجَ](4)، وهو ظاهر في تحريم ذلك.
- كما استدل للقائلين بالكراهة بحديث عن أم عطية نسيبة بنت كعب رضي الله عنها قالت:[ نُهِينا عَنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا ](5).
-واستدل القائلون بالإباحة بحديث:[ كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ](6)، قالوا: هذا يدخل في عمومه الرجال والنساء، وأيضا: فإن النبيﷺ علل الحكم بعلة عامة، يستوي فيه الرجال والنساء، فإذا كان كذلك فإن القاعدة تقول: "الحكم يعم بعموم علته"، فيكون شاملا للجنسين.
و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:[ مَرَّ النبيُّﷺ بامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، فَقالَ: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي] الحديث(7)، ووجه الدلالة منه أنهﷺ لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وأن المقام مقام بيان، والإجماع على أنه لا يجوز في حق النبيﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وهناك أحاديث أخرى تدل على جواز زيارة النساء للمقابر، كمثل حديث عائشة وغيره.
#أقول:
والذي يظهر -والله أعلم- هو القول بالإباحة للأدلة على ذلك، لكن بشروط من أهمها:
أ)- أن لا يكثرن من ذلك، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه[ أن رسولُ اللَّهِﷺ لعن زوّاراتِ القبورِ ](8)، و "زوارات" على وزن "فعالات"، فهي صيغة مبالغة، أي المكثرات من الزيارة، قال القرطبي:"هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات"اه(9)، قال الشوكاني معلقا: "وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر"اه(10).
ب)- أن تأمن الزائرة من الوقوع في أي محظور، وأن لا تكون زيارتها لتجديد الحزن، وأن لا تختلط بالرجال، وأن لا تخرج متبرجة متعطرة، وغير ذلك من المفاسد، وإلا حرمت عليها الزيارة.
#فهذا القول فيه الجمع بين أحاديث الباب، والقاعدة أن "الجمع أولى من الترجيح"، وأن "الإعمال أولى من الإهمال"، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
_________________
1)- أنظر:رد المحتار(٢٤٢/٢)،المجموع(٣١٠/٥)،مغني المحتاج(٥٧/٢).
2)- أنظر: المجموع(٣١٠/٥)، البناية على الهداية (٣٦١/٣)،
3)- أنظر: البحر الرائق(٢١٠/٢)، المجموع(٣١٠/٥)، المغني(٤٢٥/٢)، المبدع(٢٨٤/٢).
4)- أخرجه أبو داود(٣٢٣٦)، والترمذي(٣٢٠)، والنسائي(٢٠٤٣)، وأحمد(٢٠٣٠) واللفظ لهم، وابن ماجه(١٥٧٥) باختلاف يسيرمختصراً.
والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان(٣١٨٠)، وفي سنده: ﺃﺑﻮ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻮﻟﻰ ﺃﻡ ﻫﺎنئ ﺑﻨﺖ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ، ﻭاﺳﻤﻪ ﺑﺎﺫاﻥ، ﻭﻳﻘﺎﻝ: ﺑﺎﺫاﻡ، وفيه مقال، بل اتهمه بعضهم، أنظر: تحفة المحتاج(٢/٣١) لابن الملقن، ولهذا جزم الألباني رحمه الله بأن المحفوظ هو بلفظ "زوارات"، وانظر كلامه في "أحكام الجنائز"(ص١٨٦)، وقال الإمام البغوي في"شرح السنة"(٢/٤١٧): ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا (يعني ما في حديث ابن عباس من لعن زائرات القبور) كان قبل ترخيص النبيﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء، وذهب بعضهم إلى أنه كره للنساء زيارة القبور، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن"اه، وانظر: "فتح الباري"(٣/١٤٨-١٤٩).
5)- أخرجه البخاري(١٢٧٨)، ومسلم(٩٣٨).
6)-أخرجه مسلم(١٩٧٧)، وأبو داود(٣٦٩٨) مطولا واللفظ له، والنسائي(٤٤٢٩)، وأحمد(٢٣٠٠٥) بنحوه.
7)- أخرجه البخاري(١٢٥٢)، ومسلم(٩٢٦).
8)-أخرجه الترمذي(١٠٥٦)، وابن ماجه(١٥٧٤)، وأحمد(١٥٦٥٧).
والحديث قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه والبغوي في
"شرح السنة(٢/١٥١)، وحسنه ابن القطان كما في"المحرر"(٣٢٩/١)، وحسنه الألباني في"صحيح الترمذي"(١٠٥٦).
9)- المفهم(٦٣٣/٢).
10)- نيل الأوطار(١٣٥/٤)، وانظر: سبل السلام (٥٠٣/١).
فهذا بحث مختصر لطيف ذكرت فيه مسألة مشهورة وقع فيها خلاف معروف بين علماء السلف والخلف، وبين العلماء المتقدمين والمتأخرين وكذا المعاصرين، وسوف أذكر لك -بإيجاز- هذا الخلاف، ثم أردف ذلك بذكر ما يظهر أنه هو الأقرب إلى الصواب، فأقول:
اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للمقابر على ثلاثة أقوال:
-الأول: أنها تحرم، وهو قول عند الحنفية، وقول عند الشافعية -لكن صرح النووي بشذوذه-(1).
-الثاني: أنها تكره، وهذا مذهب جمهور العلماء(2).
-الثالث: أنها تباح من غير كراهة، وهذا مذهب الحنفية في الأصح عندهم، وأحد الوجهين للشافعية، ورواية عن أحمد(3).
-استدل القائلون بالتحريم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:[لعَنَ رسول اللهِﷺ زائراتِ القُبورِ،والمتَّخِذينَ عليها المساجِدَ والسُّرُجَ](4)، وهو ظاهر في تحريم ذلك.
- كما استدل للقائلين بالكراهة بحديث عن أم عطية نسيبة بنت كعب رضي الله عنها قالت:[ نُهِينا عَنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا ](5).
-واستدل القائلون بالإباحة بحديث:[ كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ](6)، قالوا: هذا يدخل في عمومه الرجال والنساء، وأيضا: فإن النبيﷺ علل الحكم بعلة عامة، يستوي فيه الرجال والنساء، فإذا كان كذلك فإن القاعدة تقول: "الحكم يعم بعموم علته"، فيكون شاملا للجنسين.
و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:[ مَرَّ النبيُّﷺ بامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، فَقالَ: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي] الحديث(7)، ووجه الدلالة منه أنهﷺ لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وأن المقام مقام بيان، والإجماع على أنه لا يجوز في حق النبيﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وهناك أحاديث أخرى تدل على جواز زيارة النساء للمقابر، كمثل حديث عائشة وغيره.
#أقول:
والذي يظهر -والله أعلم- هو القول بالإباحة للأدلة على ذلك، لكن بشروط من أهمها:
أ)- أن لا يكثرن من ذلك، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه[ أن رسولُ اللَّهِﷺ لعن زوّاراتِ القبورِ ](8)، و "زوارات" على وزن "فعالات"، فهي صيغة مبالغة، أي المكثرات من الزيارة، قال القرطبي:"هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات"اه(9)، قال الشوكاني معلقا: "وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر"اه(10).
ب)- أن تأمن الزائرة من الوقوع في أي محظور، وأن لا تكون زيارتها لتجديد الحزن، وأن لا تختلط بالرجال، وأن لا تخرج متبرجة متعطرة، وغير ذلك من المفاسد، وإلا حرمت عليها الزيارة.
#فهذا القول فيه الجمع بين أحاديث الباب، والقاعدة أن "الجمع أولى من الترجيح"، وأن "الإعمال أولى من الإهمال"، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو أيمن أمين الجزائري.
_________________
1)- أنظر:رد المحتار(٢٤٢/٢)،المجموع(٣١٠/٥)،مغني المحتاج(٥٧/٢).
2)- أنظر: المجموع(٣١٠/٥)، البناية على الهداية (٣٦١/٣)،
3)- أنظر: البحر الرائق(٢١٠/٢)، المجموع(٣١٠/٥)، المغني(٤٢٥/٢)، المبدع(٢٨٤/٢).
4)- أخرجه أبو داود(٣٢٣٦)، والترمذي(٣٢٠)، والنسائي(٢٠٤٣)، وأحمد(٢٠٣٠) واللفظ لهم، وابن ماجه(١٥٧٥) باختلاف يسيرمختصراً.
والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان(٣١٨٠)، وفي سنده: ﺃﺑﻮ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻮﻟﻰ ﺃﻡ ﻫﺎنئ ﺑﻨﺖ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ، ﻭاﺳﻤﻪ ﺑﺎﺫاﻥ، ﻭﻳﻘﺎﻝ: ﺑﺎﺫاﻡ، وفيه مقال، بل اتهمه بعضهم، أنظر: تحفة المحتاج(٢/٣١) لابن الملقن، ولهذا جزم الألباني رحمه الله بأن المحفوظ هو بلفظ "زوارات"، وانظر كلامه في "أحكام الجنائز"(ص١٨٦)، وقال الإمام البغوي في"شرح السنة"(٢/٤١٧): ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا (يعني ما في حديث ابن عباس من لعن زائرات القبور) كان قبل ترخيص النبيﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء، وذهب بعضهم إلى أنه كره للنساء زيارة القبور، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن"اه، وانظر: "فتح الباري"(٣/١٤٨-١٤٩).
5)- أخرجه البخاري(١٢٧٨)، ومسلم(٩٣٨).
6)-أخرجه مسلم(١٩٧٧)، وأبو داود(٣٦٩٨) مطولا واللفظ له، والنسائي(٤٤٢٩)، وأحمد(٢٣٠٠٥) بنحوه.
7)- أخرجه البخاري(١٢٥٢)، ومسلم(٩٢٦).
8)-أخرجه الترمذي(١٠٥٦)، وابن ماجه(١٥٧٤)، وأحمد(١٥٦٥٧).
والحديث قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه والبغوي في
"شرح السنة(٢/١٥١)، وحسنه ابن القطان كما في"المحرر"(٣٢٩/١)، وحسنه الألباني في"صحيح الترمذي"(١٠٥٦).
9)- المفهم(٦٣٣/٢).
10)- نيل الأوطار(١٣٥/٤)، وانظر: سبل السلام (٥٠٣/١).
