- انضم
- 23 أكتوبر 2007
- المشاركات
- 9,285
- الجنس
- ذكر
- الكنية
- أبو أسامة
- التخصص
- فقـــه
- الدولة
- السعودية
- المدينة
- مكة المكرمة
- المذهب الفقهي
- الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
قصتي مع شيخي وأستاذي الفقيه صاحب السُّموِّ الأمير الدكتور عبدالرحمن بن سعود الكبير

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فترجع بي الذاكرة إلى ما يزيد على واحد وثلاثين عاماً، وتحديداً في أعتاب العام الجامعي (1416/1417هـ)، حين خَطَوْت خطواتي الأولى في رحاب كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وهناك في المدارات الأولى لمرحلة البكالوريوس، شُرُفت بالجلوس بين يدي عَلَمٍ شامخ، وطودٍ شاهق من أعلام الفقه والمربِّين، صاحب السُّموِّ الأمير الدكتور عبدالرحمن بن سعود الكبير -حفظ الله مُهجتَه، وأدام بهجتَه-، الذي تولى تدريسنا مادة الفقه في المستويات الثلاثة الأولى.
وحين تلقَّيت نبأ تدريسه للوهلة الأولى نابني شيءٌ من الذهول: أميرٌ من أصحاب السُّموِّ يتولى التدريس الأكاديمي في قاعات الشريعة! غير أن الدهشة سرعان ما استحالت إجلالاً حين شهدتُ طلعته؛ فإذا بين عينيه هيبة وسناء، وفي نظراته سدادُ حِدةٍ تذكِّر بنظرات الصقر الكاسر، وملامح تجول في الذهن بهيبة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية -رحمه الله-، تشهدها في نبرة صوته، ومشيه، وثبات خطوه، ولا جَرَم؛ فالنسب عريقٌ، والفرع يصل إلى أصلٍ مكين، فجدُّهم الإمام المؤسِّس محمَّد بن سعود -رحمه الله-، صاحب الذكر المعطر، والنهضة المباركة، الذي تتشرف هذه الجامعة العريقة بحمل اسمه المنيف.
وليس هذا السَّمْت والإجلال للعلم بغريبٍ على هذه السلالة الكريمة؛ فقد قامت هذه الدولة المباركة منذ عهد تأسيسها الأوَّل على يدي الإمام محمَّد بن سعود -رحمه الله- حين تآزر مع أهل العلم، فوضع يده في يد الإمام المجدِّد محمَّد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، لتتأسَّس هذه البلاد المباركة على الفقه والعمل.
وعلى هذا المنهج القويم مضى الأحفاد بسيرة الأجداد؛ فانتهض الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ليحقِّق هذا الكيان المشهود، ومن بعده اقتفى نهجه الأبناء وتوالى الأحفاد؛ فجمعوا بين حزم القيادة وإجلال الشريعة، وما كان جلوس سموِّه أستاذاً يلقِّن الفقه، ويغرس الانضباط، إِلَّا امتداداً عريقاً، وثمرةً مباركة لهذه الشجرة الأصيلة؛ التي اتخذت من العلم والعدل عماداً لنهضة الوطن.
وأنا أستحضر هذه المعاني تحت هيبة الدَّرْس، لم يكن الذهول وحده هو ما يتملَّكني؛ بل كانت تعود بي الذاكرة إلى جذوري وتاريخ أسرتي، حين تذكَّرت جدَّ جدِّي الشاعر الحكيم «فرحة بن جراد -رحمه الله-(1230-1330هـ)» الذي عاصر بعين البصيرة بزوغ فجر عهد الملك عبدالعزيز -رحمهما الله- عند استعادته الرياض عام (1319هـ)، وهو يومئذٍ يتجاوز المئة عام من عمره في بلاد غامد؛ فرغم بعد الشُّقة في ذلك الزمان، إِلَّا أَنَّ فراسته العميقة، وحسَّه الصادق، وهو الذي حجَّ على قدميه سبع مراتٍ، وزار المسجد النبوي كذلك، وأدرك مخافة الطريق، وحاجة الناس للأمن في ظل حُكمٍ رشيد؛ فألهمته حِنكة السنين، ومعترك الحياة ليرسل أبياتاً ضمن قصيدة شعبية خلَّدت ذلك الحدث التاريخي:
وحين تلقَّيت نبأ تدريسه للوهلة الأولى نابني شيءٌ من الذهول: أميرٌ من أصحاب السُّموِّ يتولى التدريس الأكاديمي في قاعات الشريعة! غير أن الدهشة سرعان ما استحالت إجلالاً حين شهدتُ طلعته؛ فإذا بين عينيه هيبة وسناء، وفي نظراته سدادُ حِدةٍ تذكِّر بنظرات الصقر الكاسر، وملامح تجول في الذهن بهيبة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية -رحمه الله-، تشهدها في نبرة صوته، ومشيه، وثبات خطوه، ولا جَرَم؛ فالنسب عريقٌ، والفرع يصل إلى أصلٍ مكين، فجدُّهم الإمام المؤسِّس محمَّد بن سعود -رحمه الله-، صاحب الذكر المعطر، والنهضة المباركة، الذي تتشرف هذه الجامعة العريقة بحمل اسمه المنيف.
وليس هذا السَّمْت والإجلال للعلم بغريبٍ على هذه السلالة الكريمة؛ فقد قامت هذه الدولة المباركة منذ عهد تأسيسها الأوَّل على يدي الإمام محمَّد بن سعود -رحمه الله- حين تآزر مع أهل العلم، فوضع يده في يد الإمام المجدِّد محمَّد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، لتتأسَّس هذه البلاد المباركة على الفقه والعمل.
وعلى هذا المنهج القويم مضى الأحفاد بسيرة الأجداد؛ فانتهض الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ليحقِّق هذا الكيان المشهود، ومن بعده اقتفى نهجه الأبناء وتوالى الأحفاد؛ فجمعوا بين حزم القيادة وإجلال الشريعة، وما كان جلوس سموِّه أستاذاً يلقِّن الفقه، ويغرس الانضباط، إِلَّا امتداداً عريقاً، وثمرةً مباركة لهذه الشجرة الأصيلة؛ التي اتخذت من العلم والعدل عماداً لنهضة الوطن.
وأنا أستحضر هذه المعاني تحت هيبة الدَّرْس، لم يكن الذهول وحده هو ما يتملَّكني؛ بل كانت تعود بي الذاكرة إلى جذوري وتاريخ أسرتي، حين تذكَّرت جدَّ جدِّي الشاعر الحكيم «فرحة بن جراد -رحمه الله-(1230-1330هـ)» الذي عاصر بعين البصيرة بزوغ فجر عهد الملك عبدالعزيز -رحمهما الله- عند استعادته الرياض عام (1319هـ)، وهو يومئذٍ يتجاوز المئة عام من عمره في بلاد غامد؛ فرغم بعد الشُّقة في ذلك الزمان، إِلَّا أَنَّ فراسته العميقة، وحسَّه الصادق، وهو الذي حجَّ على قدميه سبع مراتٍ، وزار المسجد النبوي كذلك، وأدرك مخافة الطريق، وحاجة الناس للأمن في ظل حُكمٍ رشيد؛ فألهمته حِنكة السنين، ومعترك الحياة ليرسل أبياتاً ضمن قصيدة شعبية خلَّدت ذلك الحدث التاريخي:
يا رب عِزّ السعــــودي لين يملكنا *** عبدالعــزيز الذي ما ينكـــــره دينـه
دين السعودي لوجه الله يعجبنا *** الله يعِــــزّه ويجعـــل له معـــاوينه
فرحه يقـول يا إلهي عـــــــزّ رايتنا *** لِمَا جمعت النفوس لِمَا بتنوي لـه
دين السعودي لوجه الله يعجبنا *** الله يعِــــزّه ويجعـــل له معـــاوينه
فرحه يقـول يا إلهي عـــــــزّ رايتنا *** لِمَا جمعت النفوس لِمَا بتنوي لـه
لقد كانت تلك الأبيات استبصاراً مبكراً، وفأل خيرٍ بلمِّ الشمل؛ واليوم يتجلَّى الوفاء في أبهى صوره؛ إذ أجدني -وأنا حفيدُ حفيدِ ذلك الشاعر الذي دعا للمؤسِّس، واستبشر بملكه قبل نحو قرن- أعيش وزملائي أمن هذه الدولة ورخاءها، وأجلس متعلِّماً بين يدي حفيدٍ من أحفاد المؤسس الأوَّل، وهو أحد أعمدة العلم في كلية الشريعة بجامعة الإمام، فسبحان من جعل ذلك الرجاء الأوَّل حقيقةً قائمةً نرفل في خيراتها سعةً وعافية.
ولقد كان سموُّه رمزاً للانضباط الأكاديمي الذي لم أشهد له نظيراً؛ إذ يدخل القاعة مع إعلان الدقيقة الأولى للمحاضرة، ويغادرها متى انتهت بدقةٍ متناهية، فكان الانضباط عنده رسالة عميقة تبيِّن قيمة الوقت، واحترام شرف العلم الذي يحمله.
يجمع إلى ذلك بهاء الطلعة، وحسن المظهر، وترتيب الهندام، بارتداء العقال الذي لم نكن نعهد أحداً من مشايخنا يرتديه؛ فتميَّز بشخصيته مُتوَّجاً بما رزقه الله من الهيبة والوقار، وقد تجلَّى هذا السموُّ في استشعاره لعِظَم الأمانة وحفظ الوقت؛ إِذْ على مدى الفصول الدراسية الثلاثة، لم يُعهد عنه تأخرٌ ولا غياب.
وكان سموُّه صارماً في أسلوبه، حازماً في إدارته للمحاضرة، حرصاً منه على هيبة القاعة، ورعاية الوقت، يُضاف إلى ذلك شرف الأخذ والتَّلقِّي؛ إِذْ هو ممَّن نهلوا عن شيخنا الإمام العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-؛ وقد ظهر تأثُّره به؛ حيث أفاد من طريقته في حسن العرض، واستغلال أوقات المحاضرة، فكان يُقرِّر المسائل بعمقٍ وتؤدة، ويقتفي أثره في الاستدلال والتأصيل؛ وله به شَبَهٌ ظاهر.
ولشدَّة حزمه وانضباطه كانت له عبارةٌ شهيرةٌ يُجابه بها كلُّ من يقرع الباب متأخِّراً: «خلك برَّا!» عبارةٌ ثقيلةٌ تُقال بنبرة حازمة، ونظرة صقريَّة، تتراجع معها الأفئدة قبل الأقدام؛ حتى غدا من الأعراف المستقرَّة لدى طلاب الكلية أَنَّ من سبقه الدكتور إلى القاعة فليس له إِلَّا أن يرجع أدراجه قبل أن تمسَّ يده مقبض الباب.
وفي الشقِّ الخاص بي من هذه التجربة، وبحكم جلوسي المتواصل في الصف الأول -بحمد الله وفضله- وأنا تحت مرمى بصره، فكنت أحمل لهذا الحزم مقام الشرف والتقدير، وأراه من حسن السياسة، وكمال الرعاية لمهابة العلم، وإن كان يتفاوت الطلاب في استيعاب مقاصده.
فهذا الحزم الذي يراه البعض شدةً، هو في حقيقته جوهر السياسة وعمق التربية في إدارة قاعات العلم، وأسٌّ متين لا يستغني عنه الأستاذ المربي؛ فبه تتهذَّب النفوس، وتنسكب الهيبة في أفئدة الطلاب، وتُصان أوقات المحاضرة من الهدر والشتات، وما كانت تلك الصرامة الظاهرة إلا دليلاً على إجلال سموِّه لرسالة العلم وحُرمة المجلس، وفهماً عميقاً لطبيعة النفس البشرية التي لا تستقيم ولا تُنتج إلا في ظل الانضباط والجدية.
لقد كان هذا المنهج الحاسم حائطَ صدٍّ أمام الفوضى، والسبب الأساس في إيجاد بيئة علمية هادئة تُصغى فيها الأفهام، وتتفتح بها أزهار الفوائد، وتتحقَّق معها ثمرة الشرح واستيعاب المتون؛ وإنها لعمري لمنقبةٌ جليلةٌ لشيخنا، وفنٌّ أصيل من فنون القيادة والتربية قلَّ من يفطن إلى كنهه أو يحسن السير في تطبيقه؛ فليس المراد بالشدَّة إعنات الطلاب، وإِنَّما رسم حدٍّ فاصل بين الجديَّة والعبث، ليتربَّى طالب العلم على استشعار قيمة الوقت، وليعلم أَنَّ الوقوف بين يدي العلماء والأخذ عنهم ليس بالأمر المتروك للهوى أو الصدفة.
وما أحوج قاعاتنا اليوم إلى تمثُّل هذه المبادئ الشريفة التي أرسى دعائمها شيخنا الهزبر، وهو رأسٌ من ذوي الهيئات، وأميرٌ لم تمنعه الشواغل، ولم تصرفه دواعي المكانة، كما لم يتَّخذ من مقام السُّموِّ ومحتد الشرف مسوِّغاً لضعف الالتزام، أو ذريعةً للتساهل في حق العلم، بل ضرب أروع الأثر في الانضباط التام بسلك التدريس، والوفاء الدقيق بمواعيد القاعة؛ لتظل المخرجات قائمة على الحصانة والالتزام، وتقدير العلم وأهله.
مضت الأيام بي حتى كان ذلك اليوم من الفصل الثالث الدراسي -وكان يوماً مشهوداً- حين تأخرتُ بضع دقائق في الوضوء، وجئتُ أُسارع الخطى، علِّي أسبق إلى القاعة، غير أن الأستاذ الهزبر كان قد سبقني إليها كعادته، وقفتُ خلف الباب المغلق، والتردد يعصف بي في ومضاتٍ سريعة: أتدخل يا «عبدالحميد» فتسمع المقولة الفصل: «خلك برا!!»، أم ترجع وتصون حياءك أمام زملائك؟، تنازعتني المشاعر بين هيبة الموقف وحرمانه، وبين أَمَلٍ يخالج النفس بأن يشفع لي عنده سَبْقُ اجتهادي، وملازمتي للصف الأوَّل طيلة الفصول الدراسية التي مضت، والعذر عند كرام الناس مقبول.
استعنتُ بالله، وفتحتُ الباب بوجل، وقلبي يكاد ينخلع من نبضاته، فرأيتُ يده المعتادة ترتفع، وسبابته تدور على طريقته الرسمية الممهِّدة لمقولته الشهيرة: «خلك برا؟»، سكنت جوارحي في تلك اللحظة ...، وإذا به يتوقَّف هُنيهةً، لينقلب حزم الأستاذ إلى حنان الأب!، ويشير لي براحة يده بكل لُطفٍ جميل: «تفضَّل!!».
فسُرِّي عنِّي، وأكرمني أكرمه الله، وكانت تلك اللحظة درساً أعمق من الفقه الذي كُنَّا ندرسه؛ درساً في حِذْق المربي، وفقه العالِم الذي يمزج بين الحزم والسَّعة، ويُنزِل المواقف منازلها، خرجتُ يومها بمكرمةٍ لا أنساها ما حييت، ولا ينقضي منها عجبي.
واليوم وبعد مرور أكثر من 31 عاماً، عادت هذه الذكرى إلى الخاطر كَبَرْدِ الصَّبا، وكوِرْدِ الماء البارد على الظمأ؛ فرأيت تدوينها تخليداً لطيفها العاطر، وحفظاً لجميل أثرها الآسر.
فشكر الله لشيخنا الشريف حسن صنيعه، وجزاه عنَّا وعن العلم وأهله خير الجزاء، ومتَّعه بالصحة والعافية، وختم لنا وله بخير، وجمعنا وإياه ووالدينا ومشايخنا في جوار نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، في جناتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، والحمد لله رب العالمين.
ولقد كان سموُّه رمزاً للانضباط الأكاديمي الذي لم أشهد له نظيراً؛ إذ يدخل القاعة مع إعلان الدقيقة الأولى للمحاضرة، ويغادرها متى انتهت بدقةٍ متناهية، فكان الانضباط عنده رسالة عميقة تبيِّن قيمة الوقت، واحترام شرف العلم الذي يحمله.
يجمع إلى ذلك بهاء الطلعة، وحسن المظهر، وترتيب الهندام، بارتداء العقال الذي لم نكن نعهد أحداً من مشايخنا يرتديه؛ فتميَّز بشخصيته مُتوَّجاً بما رزقه الله من الهيبة والوقار، وقد تجلَّى هذا السموُّ في استشعاره لعِظَم الأمانة وحفظ الوقت؛ إِذْ على مدى الفصول الدراسية الثلاثة، لم يُعهد عنه تأخرٌ ولا غياب.
وكان سموُّه صارماً في أسلوبه، حازماً في إدارته للمحاضرة، حرصاً منه على هيبة القاعة، ورعاية الوقت، يُضاف إلى ذلك شرف الأخذ والتَّلقِّي؛ إِذْ هو ممَّن نهلوا عن شيخنا الإمام العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-؛ وقد ظهر تأثُّره به؛ حيث أفاد من طريقته في حسن العرض، واستغلال أوقات المحاضرة، فكان يُقرِّر المسائل بعمقٍ وتؤدة، ويقتفي أثره في الاستدلال والتأصيل؛ وله به شَبَهٌ ظاهر.
ولشدَّة حزمه وانضباطه كانت له عبارةٌ شهيرةٌ يُجابه بها كلُّ من يقرع الباب متأخِّراً: «خلك برَّا!» عبارةٌ ثقيلةٌ تُقال بنبرة حازمة، ونظرة صقريَّة، تتراجع معها الأفئدة قبل الأقدام؛ حتى غدا من الأعراف المستقرَّة لدى طلاب الكلية أَنَّ من سبقه الدكتور إلى القاعة فليس له إِلَّا أن يرجع أدراجه قبل أن تمسَّ يده مقبض الباب.
وفي الشقِّ الخاص بي من هذه التجربة، وبحكم جلوسي المتواصل في الصف الأول -بحمد الله وفضله- وأنا تحت مرمى بصره، فكنت أحمل لهذا الحزم مقام الشرف والتقدير، وأراه من حسن السياسة، وكمال الرعاية لمهابة العلم، وإن كان يتفاوت الطلاب في استيعاب مقاصده.
فهذا الحزم الذي يراه البعض شدةً، هو في حقيقته جوهر السياسة وعمق التربية في إدارة قاعات العلم، وأسٌّ متين لا يستغني عنه الأستاذ المربي؛ فبه تتهذَّب النفوس، وتنسكب الهيبة في أفئدة الطلاب، وتُصان أوقات المحاضرة من الهدر والشتات، وما كانت تلك الصرامة الظاهرة إلا دليلاً على إجلال سموِّه لرسالة العلم وحُرمة المجلس، وفهماً عميقاً لطبيعة النفس البشرية التي لا تستقيم ولا تُنتج إلا في ظل الانضباط والجدية.
لقد كان هذا المنهج الحاسم حائطَ صدٍّ أمام الفوضى، والسبب الأساس في إيجاد بيئة علمية هادئة تُصغى فيها الأفهام، وتتفتح بها أزهار الفوائد، وتتحقَّق معها ثمرة الشرح واستيعاب المتون؛ وإنها لعمري لمنقبةٌ جليلةٌ لشيخنا، وفنٌّ أصيل من فنون القيادة والتربية قلَّ من يفطن إلى كنهه أو يحسن السير في تطبيقه؛ فليس المراد بالشدَّة إعنات الطلاب، وإِنَّما رسم حدٍّ فاصل بين الجديَّة والعبث، ليتربَّى طالب العلم على استشعار قيمة الوقت، وليعلم أَنَّ الوقوف بين يدي العلماء والأخذ عنهم ليس بالأمر المتروك للهوى أو الصدفة.
وما أحوج قاعاتنا اليوم إلى تمثُّل هذه المبادئ الشريفة التي أرسى دعائمها شيخنا الهزبر، وهو رأسٌ من ذوي الهيئات، وأميرٌ لم تمنعه الشواغل، ولم تصرفه دواعي المكانة، كما لم يتَّخذ من مقام السُّموِّ ومحتد الشرف مسوِّغاً لضعف الالتزام، أو ذريعةً للتساهل في حق العلم، بل ضرب أروع الأثر في الانضباط التام بسلك التدريس، والوفاء الدقيق بمواعيد القاعة؛ لتظل المخرجات قائمة على الحصانة والالتزام، وتقدير العلم وأهله.
مضت الأيام بي حتى كان ذلك اليوم من الفصل الثالث الدراسي -وكان يوماً مشهوداً- حين تأخرتُ بضع دقائق في الوضوء، وجئتُ أُسارع الخطى، علِّي أسبق إلى القاعة، غير أن الأستاذ الهزبر كان قد سبقني إليها كعادته، وقفتُ خلف الباب المغلق، والتردد يعصف بي في ومضاتٍ سريعة: أتدخل يا «عبدالحميد» فتسمع المقولة الفصل: «خلك برا!!»، أم ترجع وتصون حياءك أمام زملائك؟، تنازعتني المشاعر بين هيبة الموقف وحرمانه، وبين أَمَلٍ يخالج النفس بأن يشفع لي عنده سَبْقُ اجتهادي، وملازمتي للصف الأوَّل طيلة الفصول الدراسية التي مضت، والعذر عند كرام الناس مقبول.
استعنتُ بالله، وفتحتُ الباب بوجل، وقلبي يكاد ينخلع من نبضاته، فرأيتُ يده المعتادة ترتفع، وسبابته تدور على طريقته الرسمية الممهِّدة لمقولته الشهيرة: «خلك برا؟»، سكنت جوارحي في تلك اللحظة ...، وإذا به يتوقَّف هُنيهةً، لينقلب حزم الأستاذ إلى حنان الأب!، ويشير لي براحة يده بكل لُطفٍ جميل: «تفضَّل!!».
فسُرِّي عنِّي، وأكرمني أكرمه الله، وكانت تلك اللحظة درساً أعمق من الفقه الذي كُنَّا ندرسه؛ درساً في حِذْق المربي، وفقه العالِم الذي يمزج بين الحزم والسَّعة، ويُنزِل المواقف منازلها، خرجتُ يومها بمكرمةٍ لا أنساها ما حييت، ولا ينقضي منها عجبي.
واليوم وبعد مرور أكثر من 31 عاماً، عادت هذه الذكرى إلى الخاطر كَبَرْدِ الصَّبا، وكوِرْدِ الماء البارد على الظمأ؛ فرأيت تدوينها تخليداً لطيفها العاطر، وحفظاً لجميل أثرها الآسر.
فشكر الله لشيخنا الشريف حسن صنيعه، وجزاه عنَّا وعن العلم وأهله خير الجزاء، ومتَّعه بالصحة والعافية، وختم لنا وله بخير، وجمعنا وإياه ووالدينا ومشايخنا في جوار نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، في جناتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه تلميذه البار
أ.د. عبدالحميد بن صالح الكرَّاني الغامدي
أستاذ الفقه بالجامعة السعودية الإلكترونية
المشرف العام على الشبكة الفقهية
مكة المكرمة شرَّفها الله
12 / 2 / 1448هـ
الأحد
أ.د. عبدالحميد بن صالح الكرَّاني الغامدي
أستاذ الفقه بالجامعة السعودية الإلكترونية
المشرف العام على الشبكة الفقهية
مكة المكرمة شرَّفها الله
12 / 2 / 1448هـ
الأحد
