العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

مواساة المبتلين في القرآن والسنة وآثار السلف

انضم
5 مارس 2023
المشاركات
247
الإقامة
قطر الدوحة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عمار الرشيدي
التخصص
فقه وأصول
الدولة
قطر
المدينة
الدوحة
المذهب الفقهي
الحنبلي










بسم الله الرحمن الرحيم

مجموع من موقع الألوكة



مقدمة



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أرسله الله تعالى شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، بلغ رسالة ربه فأوذي إيذاء شديدًا، فصبر صبرًا جميلًا، فكان حليفه نصرًا عزيزًا، فحمد ربه وشكر كثيرًا، أما بعد:



فإن المسلم يبتلى بأمراض ومصائب وأحزان، فيحتاج إلى ما يذكره ويصبره، وقد رأيت أن المسلمين عامة - ونحن الفلسطينيين خاصة - قد وقع علينا من الابتلاءات والمصائب والأحزان والمحن الشيء الكثير، من ذلك: الجوع والفقر، والحصار والقتل والدمار، والأَسْر والتعذيب والحرمان، والاعتداءات على الممتلكات والمقدسات، وغيرها مما لا يحصيه إلا الله، فأحببت أن أذكر كل مبتلى ببعض القصص لمن حسن إسلامه وذاق حلاوة الإيمان، ممن ابتلي فصبر، وتأدب مع ربه وشكر، وهذه القصص فيها عبر وعظات لكل مريض ومحزون، ومهموم ومكروب ومغموم، لهم فيها تسلية وتثبيت وتذكير، سائلًا المولى سبحانه تفريج الكرب، وجلاء الحزن، وذهاب الهم والغم، والشفاء من كل داء لكل محزون.

تذكر يا مبتلى: يا من أصابه هم وحزن وغم، إلى كل مريض ومبتلى في نفسه أو في أهله أو في ماله، يا فاقد عزيزٍ وصديق...، تذكر قول الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]، وقوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهًا)؛ [سنن أبي داود، وصححه الألباني، وقوله: فواهًا؛ أي: ما أحسنَ فعله!]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وَصَبٍ ولا هم ولا حزنٍ (حزنٍ) ولا أذًى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه)؛ [صحيح البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة)؛ [صحيح البخاري]، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)؛ [متفق عليه].

فلا تحزن على ما أصابك؛ فإنما يبتلي الله من يحب، والله تعالى ما ابتلاك إلا لأنه أراد الخير لك في دنياك وآخرتك، فيغفر به ذنبك، أو يرفع قدرك؛ فصبرٌ جميلٌ، والله المستعان.

ارْضَ بحكم الله:

اعلم أيها المبتلى والمحزون: أن من عقيدة المسلم الراسخة الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره؛ فرضاك بقضاء الله وقدره دليل على الإيمان؛ ذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: قال إبراهيم بن داود: (قال بعض الحكماء: إن لله عبادًا يستقبلون المصائب بالبِشْرِ)، قال: (فقال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم)، ثم قال: قال وهب بن منبه: (وجدت في زبور داود: يقول الله تعالى: (يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممرًّا على الصراط؟ الذين يرضَوْن بحكمي، وألسنتهم رطبة من ذكري).

ورحم الله ابن نصر الدين الدمشقي القائل:



سبحان من يبتلي أناسًا

أحَبَّهم، والبلا عطاءُ

فاصبر لبلوى وكن رضيًّا

فإن هذا هو الدواءُ

سلِّمْ إلى الله ما قضاه

ويفعل الله ما يشاءُ





ولله در القائل:



الصبرُ مثل اسمه مرٌّ مذاقتُه ♦♦♦ لكِنْ عواقبُه أحلى مِن العسلِ.

فضائل الصبر في القرآن الكريم.



1- الله جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم؛ وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم:



قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [سورة البقرة: 155- 157].







قال السعدي رحمه الله في تفسيره عند هذه الآيات: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، فالصابرون، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره[1]. ﴿ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾ أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها, فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد، علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم، الذي هو أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك، الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجعًا إليه، من أقوى أسباب الصبر.







﴿ أُولَئِكَ ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ثناء وتنويه بحالهم ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله؛ اهـ.







ونقل ابن كثير رحمه الله عن عمر رضي الله عنه أنه قال:" نعم العدلان، ونعمت العلاوة ".







وقوله:" نعم العدلان" يقصد: الصلاة، والرحمة في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ وقوله:" ونعمت العلاوة" يقصد: الهدى في قوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾، والعدلان: وهو ما يوضع على جانبي البعير، يعدل كل منهما الآخر، والعلاوة: هي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل[2]، وكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا؛ اهـ؛ (تفسير ابن كثير:1/ 285).







وقال بعض السلف وقد عُزِّي على مصيبة نالته، فقال:" مالي لا أصبر، وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها[3]"؛ (عدة الصابرين ص 85).







فالمسلم من استسلم لقضاء الله، وصبر واحتسب ورضي، والمصاب هو من حُرِم الثواب الذي وعد به الملك الوهَّاب في الآية السابقة.







وقد جعل الله عز وجل كلمات الاسترجاع وهي قول المصاب: ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ ملجأً وملاذًا لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن، إذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة فإن قوله: ﴿ إِنَّا لِلّهِ ﴾ إقرار بالعبودية والملك واعتراف العبد لله بما أصابه منه فالملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وعلى العبد أن يعلم أنه مملوك وليس للمملوك في نفسه شيء، وقوله: ﴿ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فله الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى، وفيه كذلك رجاء ما عند الله من الثواب.







ولقد وعد الله تعالى كل من نزلت به مصيبة فصبر، وحمد الله، واسترجع، أن يخلف عليه في الدنيا خير مما أُخذ منه، مع ما ينتظره في الآخرة من الأجر العظيم والفضل الكبير، فمن بركة الاسترجاع العاجلة: ما رواه الإمام مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" ما من مُسلم تُصيبهُ مُصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأَخْلِف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها " قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثُم إني قُلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم".







أما ثمرة الاسترجاع في الآخرة، فإن الله تعالى يبني له بيتًا في الجنة ألا وهو بيت الحمد: فقد أخرج الترمذي من حديث أبي سنان قال: دفنت ابني سنانًا وأبو طلحة الخولاني جالس عند شفير القبر، فلما فرغت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده[4]؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".



فسبحان من ينعم بالبلاء.







فليعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه في ذلك بيت الحمد الذي يبني له في الجنة على حمده واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوت محبوبه، أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟







فيا من نزلت به مصيبة لفقد حبيب لا تنسى أن تقول: ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾، فهي بلسم الجروح والآلام والأحزان.







قال سعيد بن جبير رحمه الله: "لم يُعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب عليه السلام لما قال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ [يوسف: ٨٤].







قال الأصمعي رحمه الله: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدناها، فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام. قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسحًا[5]، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعتها، فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها، فقال: يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل! قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل، فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم[6]، ودفعت إليه كبشًا، فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها! فلما فرغنا، خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئًا؟







قلت: نعم، قالت: اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرينَ * الَّذينَ إِذا أَصابَتهُم مُصيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعونَ * أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رَبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ المُهتَدونَ ﴾ [البقرة:155-157].







قالت: آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا! قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها، وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلًا "تقول ذلك ثلاثًا"، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني؛ (عيون الحكايات لابن الجوزي).







وهذا الموقف تعجز عنه الكلمات في كرم الضيافة، والصبر، والرضا، والاحتساب.







2- الصبر من الخصال الحميدة التي يتحلى بها الأنبياء والصالحين:



قال تعالى: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الأنبياء: 86،85].







وقال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات:99-102]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [سورة ص:44،41]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الأحقاف:35]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق:39]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ [طه:130]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم:60]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [غافر:55]، وقال تعالى:﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [غافر:77]، وقال تعالى:﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر:7]، وقال تعالى:﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ [الطور:49،48]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴾ [المعارج:5-7]، وقال تعالى:﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ *لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [القلم:48-50]، وقال تعالى:﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان:24]، وقال تعالى لنبيه صالح عليه السلام: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ﴾ [القمر:27]، وقال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران:17،16]، وقال تعالى:﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:35].







وقال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [الأعراف:78].







3- بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين:



قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:" بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين". ثم تلا قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (سورة السجدة: 24)، (مدارج السالكين: 2/ 153، وعدة الصابرين ص 84).







قال سفيان بن عيينة رحمه الله في الآية السابقة: "لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسًا"، وقال زهير بن نعيم الباني رحمه الله: "إن هذا الأمر - أي الإمامة في الدين - لا يتم إلا بشيئين: الصبر واليقين، فإن كان يقينًا ولم يكن معه صبر لم يتم، فإن كان صبرًا ولم يكن معه يقين لم يتم".







وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "مثل اليقين والصبر كمثل فدادين(مزارعين) يحفران الأرض، فإذا جلس واحد جلس الآخر"؛ (صفة الصفوة:4/ 7).







4- الصابرون أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا:



قال تعالى: ﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ...إلى قوله:... أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:35]، وقال تعالى:﴿ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود:11].









5- الناس في خسران إلا أهل الصبر والإيمان:



قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [سورة العصر].







أقسم الله تبارك وتعالى، في كتابه، بالعصر، الذي هو الزمان، وذلك لأن الزمان تقع فيه أعمال الإنسان، من خير وشر، وطاعة ومعصية، ولأن الزمان تقع فيه تصرفات الأحوال، وتبدلاتها، من ليل ونهار، وإظلام وإسفار، وحر وبرد، وغنى وفقر، وأمن وخوف، فتدل هذه التصاريف، على وجود الله تبارك وتعالى، وسعة علمه، وعظيم قدرته، وأنه المعبود الحق، الذي لا معبود يستحق العبادة سواه.







وما دام الله عز وجل قد أقسم بالعصر فلابد أن يكون المقسم عليه شريفًا، والآيات ذكرت أن كل إنسان في خسارة، إلا من استثناه الله عز وجل، فاختاره واصطفاه، وجعله من أهل الفلاح.







قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾، والخسارة هنا تكون خسارة تامة كلية، وذلك إذا كفر الإنسان، فلم يدخل في دين الله، الذي هو دين الإسلام، فيكون قد عاش ليزداد إثمًا، وتكون عاقبته النار، ﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾، وتكون الخسارة خسارة ناقصة جزئية، وذلك إذا خالف طريقة أهل الاستقامة على طاعة الله، والاستقامة على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع دخوله في الإسلام، فيكون قد فاته من الخير بمقدار بعده عن هذه الاستقامة. ثم استثنى الله عز وجل من الخاسرين، من جمع صفات الخير، فقال عز وجل: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾، فهؤلاء هم الذين نجوا من الخسارة، وربحوا رضا الله عز وجل، ودخول جنته، التي أعدها لأوليائه. فهم أهل الإيمان بالله، الذين سلمت قلوبهم من كل شبهة، تعارض خبر الله عز وجل، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وسلمت قلوبهم من كل شهوة، تخالف أمر الله عز وجل، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وهم أهل العمل بما يدعو إليه الإيمان، فعملوا الصالحات، من أعمال القلوب، والجوارح، على اختلاف أنواعها، وألوانها. فعمرت قلوبهم بالتوكل على الله، والرجاء فيه، والخوف منه، والرغبة فيما عنده، والرهبة منه، والمحبة والإجلال له، والخشوع والإخبات، وعمرت جوارحهم بالصلاة، والزكاة، والصيام، والصدقات، والكلمات الطيبات، والسعي في الحاجات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس وبقية المخلوقات. وهم أهل التواصي بالحق والصبر.







قال الإمام الشافعي رحمه الله عن سورة العصر: "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم، وفي رواية: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، (انظر: تفسير الإمام الشافعي:3/ 1461)، (مجموع الفتاوى:28/ 152)، (تفسير ابن كثير:1/ 203).







6- الصبر سبيل للفوز بمحبة الله تعالى:



لو لم يكن في الصبر من فضيلة إلا الفوز بمحبة الله تعالي لكفى.







قال تعالى: ﴿ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:146]، ومحبة الله لعبده هي أعظم مكسب يحصل للعبد، فإن العبد إذا كان محبوبًا لله، أقبل عليه الخير من كل جهة، واندفع عنه الشر والأذى، وتحققت له سعادة الدنيا والآخرة.







قال ابن ناصر الدين الدمشقي -رحمه الله -:



سبحان من ابتلى أُناسا

أحبهم والبلا عطاءُ

فاصبر لبلوي وكن راضيًا

فإن هذا هو الدواءُ

سلِّم إلى الله ما قضاه

ويفعل الله ما يشاءُ



(برد الأكباد عند فقد الأولاد ص12)







7- الصبر سبيل للفوز بمعية الله تعالى:



قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].







قال تعالى: ﴿ َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153].







قال تعالى: ﴿ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:66].







قال بعض السلف: "ذهب الصابرون بخيري الدنيا والآخرة، لأنهم نالوا من الله معية الله"؛ (عدة الصابرين ص 134).







وقال أبو علي الدقاق رحمه الله: " فاز الصابرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من الله معيَّته، فإن الله مع الصابرين"؛ (مدارج السالكين: 2/ 166).







وهذه المعية تسمى بالمعية الخاصة وهي تتضمن الحفظ والكلأ والرعاية والتأييد والحماية، وتكون لأولياء الله وأحبائه، وهذه المعية غير المعية العامة لكل الخلق - وهي معية العلم والإحاطة - وهي المقصودة بقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد:4].







8- علق الله تعالى الفلاح والنجاح على الصبر والتقوى:



فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، فالمصابرة والمرابطة على طاعة الله طريق الفلاح في الدنيا والآخرة.







9- أهل الصبر هم أهل العزائم الكُمَّل، وأصحاب التجارة التي لا تبور:



قال تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [سورة الشورى: 43].







قال تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ [آل عمران:186].







قال لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان:17].







أي: مما يعزم من الأمور التي إنما يعزم على أجلها وأشرفها، وقد قيل: الصبر مُرٌّ، لا يتجرعه إلا حُرٌّ".







قال تعالى: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف:128].







10- وعد الله الصابرين بأن يجازيهم بأَحسن ما كانوا يعملون:



قال تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96].







فهذا قسم من الله تعالى مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا؛ (انظر تفسير ابن كثير، وتفسير السعدي عند هذه الآية).







قال أبو يعلى الموصلي:



إني رأيت وفي الأيام تجربة

للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقل من جدَّ في أمر يحاوله

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

(انظر الصبر الجميل لسليم الهلالي ص 15)







11- الصبر خير معين على مصائب ومتاعب الحياة الدنيا:



فالله تعالى أرشدنا في كتابه الكريم إذا ضاقت بنا الحياة وحاصرتنا الهموم أن نستعين بالصبر والصلاة، فالصبر والصلاة كليهما خير ما يستعين به المؤمن على مجابهة ما يتعرض له كل يوم من فتن، ومحن، وبلاء، وهما خير سلاح يدرأ به المسلم عن نفسه ما يصيبها من همٍّ، أو غمٍّ، أو حزن لخير فاته، أو سوء أصابه. فقال تعالى:﴿ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ ]البقرة:45]، وقال تعالى: ﴿ َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153]؛ يقول ابن القيم-رحمه الله-: "فمن لا صبر له لا عون له".







12- وعد الله تعالى الصابرين بحسن العِوض عما فات، والإخلاف عما فُقد:



فإن الله لا يضيع عنده أجر عامل، ولا مثوبة محسن، كيف وقد وعد وعدًا مؤكدًا أنه لا يضيع أجر المحسنين. وهذا يشمل الدنيا والآخرة جميعًا، فهو في الدنيا يُعِّوضهم ويُخلف عليهم خيرًا مما حُرِموا، ويُمَكِّن لهم بعد أن غُلِبوا، وهو في الآخرة يُؤتيهم أجورهم بغير حساب؛ يقول تعالى واعدًا المهاجرين في سبيله بحسن العوض عما حُرموا من الوطن والعشيرة: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل:42،41].







وقد عرفنا في قصة نبي الله أيوب - عليه السلام - كيف صبر على ما أصابه من ضُرٍّ في نفسه وأهله، فانتهي به الصبر إلى أجمل العواقب، وكشف الله عنه ضُره، ووهب له أهله ومثلهم معهم، رحمة من عنده وذكرى للعابدين وعبرة لأولي الألباب. وهذا يؤكد لنا أن الصبر المُرّ لا يُجتنى من ورائه إلا أحلى الثمرات في الدنيا قبل الآخرة. ومن هنا جاء خطاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في سورة هود إذ يقول: ﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [هود:115]، فثمرة الصبر لا تضيع في الأولى ولا في الآخرة.







ويتحدث القرآن على لسان يوسف حين كشف لإخوته عن نفسه، فقالوا: ﴿ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90].







ويعقب القرآن على موقف يوسف بعد أن استدعاه الملك واستخلصه لنفسه، وقال له في اعتزاز وتكريم ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ ﴾ [يوسف:54]، يُعَقِّب القرآن فيقول: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ [يوسف:57،56].







وقد نبهت الآية الأخيرة إلى أن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ إنما يُراد به - أولًا وبالذات - أجر الدنيا وجزاء العاجلة، أما أجر الآخرة وثوابها فقد أفادته الآية الثانية: ﴿ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾.







ومن الوقائع الثابتة التي تدل على أن الله يُعَوِّض الصابرين خيرًا مما فقدوا ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة – رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 156]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها، قالَتْ: فَلَمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قُلتُ: أيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ؟ أوَّلُ بَيْتٍ هاجَرَ إلى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ إنِّي قُلتُها، فأخْلَفَ اللَّهُ لي رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم".







13- كرَّم اللهُ الصبرَ وشرَّفه وذلك بإضافته لنفسه سبحانه:



قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ﴾ [النحل:127]، فأضاف الله تعالى الصبر إلى نفسه بعد الأمر به، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر:7]، وإن كان كل شيء في الوجود لا يقوم إلا به سبحانه، وكل عمل صالح لا يكون إلا له، ولكن التخصيص دليل التكريم والتشريف.







14- وعد الله تعالى أهل الصبر والتقوى بحسن العاقبة:



يحكي القرآن الكريم على لسان موسى ناصحًا قومه، بعد أن هددهم من التنقيل والتعذيب والتنكيل: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف:128].







ويخاطب الله تعالى خاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد أن قص عليه قصة نوح - عليه السلام - مع قومه وابنه وما انتهى إليه أمرهم، ثم يعقب على القصة بقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [هود:49]، وقصص الرسل مع أقوامهم التي حفل بها القرآن، تؤكد هذا القانون الإلهي: أن العاقبة لأهل الصبر والتقوى.







15- خصال الخير لا يلقاها إلا الصابرون:



نقل القرآن الكريم في قصة قارون قول الذين أوتوا العلم للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون، فقال تعالى:



﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ [القصص: 80]، وعندما أمر الله تعالى العبد أن يدفع بالتي هي أحسن، فإذا فعل ذلك صار الذي بينه وبينه عداوة كأنه ولي حميم، ثم قال تعالى بعدها مبينًا فضل الصبر: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 35].







16- الصابرون لهم البشرىمن الله تعالى:



قال تعالى:﴿ ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155].







وقال تعالى:﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [الحج: 34، 35].







ذكر القرآن أن من أوصاف المخبتين الخشوع والتواضع والطمأنينة والسكينة، وجعل الله الصبر من أجمل حلاهم، وأبرز مزاياهم.







17- الصابرون يوفيهم الله أجورهم بأفضل منها في الدنيا والآخرة:



• فالله تعالى وعد الصابرين بالجزاء الحسن والفضل العظيم في الدنيا، كما وعد المهاجرين في سبيله بحسن العوض عما حرموا من الوطن والعشيرة، فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل:42،41].







• وكما رأينا في قصة نبي الله أيوب - عليه السلام - كيف صبر على ما أصابه من ضُرٍّ في نفسه وأهله، فانتهى به الصبر إلى أجمل العواقب؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 84،83].







• وأيضًا في قصة يوسف - عليه السلام - حين كشف لإخوته عن نفسه، فقالوا: ﴿ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90].







قال التنوخي رحمه الله: أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي بِالْبَصْرَةِ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع عَن البرقي، قَالَ: رَأَيْت امْرَأَة بالبادية، وَقد جَاءَ الْبرد فَذهب بزرع كَانَ لَهَا، فجَاء النَّاس يعزونها، فَرفعت طرفها إِلَى السَّمَاء، وَقَالَت: اللَّهُمَّ أَنْت المأمول لأحسن الْخلف، وبيدك التعويض عَمَّا تلف، فافعل بِنَا مَا أَنْت أَهله، فَإِن أرزاقنا عَلَيْك، وآمالنا مصروفة إِلَيْك. قَالَ: فَلم أَبْرَح، حَتَّى جَاءَ رجل من الأجلاء، فَحدث بِمَا كَانَ، فوهب لَهَا خمس مائَة دِينَار؛ (الفرج بعد الشدة للتنوخي:1/ 181).







وهذه من بركات الصبر العاجلة، أما في الآخرة فيوفيهم أجورهم بأفضل الجزاء، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ [آل عمران:185]، كما جاء في قصة يوسف عليه السلام حين استدعاه الملك واستخلصه لنفسه، وقال له: ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ ﴾ [يوسف:54]، ثم قال رب العالمين بعد أن مُكِّن ليوسف: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ [يوسف:57،56].







ففي قوله تعالى: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، إنما يراد به الجزاء في الدنيا، إما أجر الآخرة، فقد دلت عليه الآية الثانية: ﴿ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ بل سيوفي الله الصابرين أجرهم يوم القيامة بغير حساب.







18- الصابرون يضاعف لهم الأجر والثواب:



قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [القصص:54].







19-ومن فضل الصبر أن الله تعالى قرنه بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها:



فقرنه بالصلاة، كقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45].







وقال تعالى:﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [هود:114، 115].







وقرنه بالأعمال الصالحة، كقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: 11].







وجعله قرين التقوى، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90].







وقال تعالى:﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران:120].







وقال تعالى:﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ [آل عمران:186].







وجعله قرين الشكر، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [إبراهيم: 5].







وجعله قرين الحق، كقوله تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 3].







وجعله قرين الرحمة، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17].







وجعله قرين اليقين، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].







وجعله قرين الصدق، كقوله تعالى: ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ ﴾ [الأحزاب: 35].







وجعله قرين التوكل، كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل:42] [العنكبوت:59].







وجعله قرين الجهاد، كقوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد:31].







وقال تعالى:﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل:110].







وجعله قرين التسبيح والاستغفار، كقوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [غافر:55]، وقال تعالى:﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ [الطور:48].







وجعله سببَ محبته ومعيته وعونه ونصره وحسن جزائه، ويكفيه بعض ذلك شرفًا وفضلًا.







20- الله تعالى وعد الصابرين بالنصر والظفر:



وهي كلمته التي سبقت لهم، وقد نالوها بالصبر؛ قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف:137].











21- الله تعالى جعل الصبر والتقوى جُنَّة عظيمة من كيد العدو ومكره:



قال تعالى: ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران:120].







فالمؤمنون الصابرون في مأمن رباني، وحصن إلهي من كيد الأعداء ومكرهم.







22- الصابرين أثنى الله عليهم وزكاهم؛ ووصفهم: بالصدق والتقوى:



قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة:177].







وكذلك أثنى الله تعالى على نبيه أيوب عليه السلام؛ لأنه كان صابرًا، فقال تعالى:﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص:44]، فلما صبر على البلاء أثنى الله عليه، وقال: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ ﴾، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتُلي، فإنه بئس العبد.







23- أخبر الله تعالى أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها أهل الصبر والشكر:



فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [إبراهيم: 5]، وقال تعالى في لقمان: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [لقمان: 31]، وقال تعالى في قصة سبأ: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ 32 إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى: 32، 33]، فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن آيات الله تعالى إنما يَنتفع بها أهل الصبر والشكر.







24- أخبر الله تعالى أن الصبر خير لأهله، ومن أصدق من الله قيلًا:



قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النساء:25]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ [النحل:126]، فتأمل هذا التأكيد بالقسم المدلول عليه بالواو ثم باللام بعده، ثم باللام التي في الجواب.







وقد مر بنا الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أم سلمة – رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مُسلم تُصيبهُ مُصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأَخْلِف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها " قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثُم إني قُلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ".







25- الله تعالى علَّق النصر والمدد على الصبر والتقوى:



قال تعالى: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: ١٢٥].







ففي الآية علق الله تعالى النصر والمدد على الصبر والتقوى، والنبي يؤكد على هذا فيقول: "واعلم أن النصر مع الصبر"؛ (رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- وهو في صحيح الجامع:6806)، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:66،65].







26- أهل الصبر والمرحمة هم أصحاب الميمنة:



قال تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ *أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد:18،17].







وهذا أيضًا فيه تزكية لأهل الصبر؛ لأنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة، والناس بالنسبة للصبر والمرحمة ينقسمون إلى أربعة أقسام: الأول وهو خير الأقسام: من جمع بين الصبر والمرحمة، والثاني: من لا صبر له ولا رحمة فيه وهو أشرُّهم، والثالث: من له صبر ولا رحمة عنده، والرابع: من عنده رحمة ولكن لا صبر له، فمن جمع بين الصبر والمرحمة؛ فهو من أصحاب الميمنة.









27- الصابرون يوفيهم الله أجورهم يوم القيامة بغير حساب:



قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠]، قال الأوزاعي رحمه الله: "ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا"؛ (تفسير ابن كثير:7/ 90).







وقال سليمان بن القاسم رحمه الله: "كل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال: كالماء المنهمر؛ (عدة الصابرين ص85).







فكل طاعة لها أجر معلوم، وثواب مقدور، إلا الصبر فإنه يغرف لأهله غرفًا، فلا تنظر إلى سوء الحال، ولكن تأمل جميل المآل.







قال ابن جزي رحمه الله في كتابه التسهيل: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعًا، وذلك لعظمة موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾.







وقال السعدي رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، وهذا عام في جميع أنواع الصبر، الصبر على أقدار اللّه المؤلمة فلا يتسخَّطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها، والصبر على طاعته حتى يؤديها، فوعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند اللّه، وأنه معين على كل الأمور؛ اهـ.







28- الصبر سبيل للفوز والنجاة في الآخرة:



قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [المؤمنون:109-111].







29- الملائكة تسلم على الصابرين في الجنة جزاء صبرهم:



قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٢ – ٢٤].







قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "صبروا عما أُمروا به، وصبروا عما نُهوا عنه".







30- الصابرون ليس لهم جزاء إلا الجنة:



قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت: 59،58]، وقال تعالى:﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران:15-17]، وقال تعالى:﴿ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان:12]، وقال تعالى:﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا *خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:76،75].







يقول أبو طالب المكي رحمه الله: "اعلم أن الصبر سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار؛ لأنه جاء في الخبر: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات"؛ ا هـ.







فيحتاج المؤمن إلى الصبر على المكاره ليدخل الجنة، وإلى صبر عن الشهوات لينجو من النار".







31- الصابرون يسكنون الغرف في أعلى درجات الجنة:



قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٥٨، ٥٩].



فاعلم أن الصبر هو الدواء الناجع لكل بلية، وهو الترياق النافع لكل رزية، وهو السلاح الماضي الذي لا ينبو ولا يثلم، وهو الجنة الحصينة التي لا تهدم، ويكفي أن صاحبه يظفر بمعية الله، ولو لم يكن في الصبر من فضيلة إلا الفوز بمحبة الله لكفي بها فضيلة، فقد قال تعالى:﴿ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٦].







وجعل الله تعالى الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، وعلق الله تعالي الفلاح على الصبر والتقوى، وجعل الصبر كله خير، وجعل لأهل الصبر البشرى في الدنيا والآخرة، ووعدهم بمضاعفة الأجر، وأخبرهم أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار من نصيب الصابرين.





[1] قال القرطبي- رحمه الله -: والمصيبة: هي كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه.



[2] قال سعيد بن المسيب كما عند" البخاري تعليقًا: 3/ 137": والعلاوة: ما يُح

مل فوق العدلين على البعير.



[3] يقصد الآية السابقة.



[4] ثمرة فؤاده: قال ابن الأثير: يقال للولد الثمرة، وذلك لأن الثمرة هي ما تنتجه الشجرة، وكذلك الولد من الرجل ما ينتجه.



[5] المسح: الفراش.



[6] الذمام: الحرمة، وإنما تقصد حق ضيافة القوم.



.............



فضائل الصبر في السنة النبوية المباركة





1- أفضل ما يهب الله للإنسان نعمة الصبر:



فقد أخرج الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رُزقَ عبدٌ خيرًا له ولا أَوسعَ من الصبرِ"؛ (صحيح الجامع: 5626) (الصحيحة: 448).







يقول المناوي رحمه الله في "فيض القدير: 5/ 447" في شرحه لهذا الحديث:



"لأنه إكليلٌ للإيمان، وأوفر المؤمنين حظًّا من الصبر، أوفرهم حظًّا من القرب من الرب، والصبر رزق من الله لا يستبد العبد بكسبه، وما يضاف إلى كسب العبد هو التصبُّر، فإذا حمل على نفسه التصبر أمده الله بكمال الصبر، وفي الخبر "من يتصبر يصبره الله"، فإذا رزقه الصبر كان أوسع من كل نعمة واسعة؛ لأنه يُسهل بالصبر جميع الخيرات وترك المنكرات، وتحمُّل المكروهات المقدرات والرزق المشار إليه رزق الدين والإيمان"؛ اهـ.







2- من يتكلف الصبر يرزقه الله إياه، ويكون له سجية وطبع حيث لا يشق عليه:



وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر".







- وفي رواية: "ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر".







والتصبر هو تكلُّف الصبر، والمعنى: فإذا صبَّرت نفسك وألزمتَها ذلك، صار ذلك سجية لها لا يشق عليها.







وقال السندي رحمه الله في "حاشيته على النسائي: 5/ 96": "أي يتكلف في تحمل مشاق الصبر، وفي التصبُّر بباب التكلف إشارة إلى أن تكملة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتبار، وتحمل المشاق من الإنسان"؛ اهـ.







وقال المباركفوري رحمه الله في تحفة الأحوذي: 6/ 170": "أي يطلب توفيق الصبر من الله تعالي؛ لأنه قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ﴾ (النحل: 127)، أو يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه.







وقوله: "يصبره الله"، قال السندي: من التصبير؛ أي جعله صابرًا؛ اهـ.







وقال المباركفوري رحمه الله: أي يسهل عليه الصبر؛ اهـ.







وقال القاري رحمه الله: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات؛ ولذا قُدِّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ﴾ (البقرة: 45).







ومعنى كونه أوسع أنه تتَّسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد؛ اهـ؛ (تحفة الأحوذي: 6/ 170).







3- الصبر ضياء:



فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها".







قال النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: 3/ 103": "المراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب"؛ اهـ.







وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في "جامع العلوم والحكم: 2/ 24": وأما الصبر؛ فإنه ضياء، والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوعُ حرارة وإحراق؛ كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق؛ قال الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ (يونس: 5)، ومن هنا: وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ (الأنبياء: 48)، وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا؛ كما قال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ (المائدة: 44)، ولكن الغالب على شريعتهم الضياء؛ لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال، ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور؛ لما فيها من الحنيفية السمحة؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ (المائدة: 15)، وقال: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الأعراف: 157).







ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفها عما تهواه - كان ضياءً، فإن معنى الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قتل الصبر: وهو أن يحبس الرجل حتى يقتل"؛ اهـ.







وقيل: قوله: "ضياء" يعني في ظلمة القبر؛ لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا، وعن المعاصي فيها جازاه الله بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته.







4- السعيد من رزقه الله نعمة الصبر:



فقد أخرج أبو داود عن المقداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، ولمن ابتُلِيَ فصبر"؛ (صحيح الجامع 1637).







5- أفضل الإيمان: الصبر والسماحة:



فقد أخرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، من معك على هذا الأمر؟ قال: "حر وعبد"، قلت: ما الإسلام؟ قال: "طيب الكلام، وإطعام الطعام"، قلت: ما الإيمان؟ قال: "الصبر والسماحة[1]"، قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"، قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: " خلق حسن"، قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"، قلت: أي الهجرة أفضل؟ قال: " أن تهجر ما كره ربك"، فقلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عقر جواده[2]، وأهريق دمه[3]"، قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: "جوف الليل الآخر".







ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: "قيل: يا رسول الله! أي الإيمان أفضل؟، قال: "الصبر والسماحة"، قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانًا وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها، فإن النفس يراد منها شيئان: بذل ما أمرت به وإعطاؤه، فالحامل عليه السماحة وترك ما نهيت عنه والبعد منه فالحامل عليه الصبر".







6- من رُزق الصبر رزقه الله الرضا وراحة البال:



فقد أخرج البخاري معلقًا في كتاب التفسير عن علقمة رحمه الله أنه قال في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ (التغابن: 11)، قال: "هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله فيرضَى ويُسَلِّم".







وقد روى ابن أبي شيبة بإسناده عن ثابت البناني رحمه الله قال: إن صلة بن أشيم كان في غزاة هو وابن له، فقال لابنه: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك عند الله، فحمل فقاتل حتى قُتِل، ثم تقدم صلة فقُتِل، فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية؛ فقالت: مرحبًا إن كنتن جئتن لتهنيني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن؛ (تسلية أهل المصائب ص35).







فمن صبر على البلاء والمصيبة، انقلبت محنته منحةً عظيمة، واستحالت بليته عطية جسيمة، وصار ما كرهه محبوبًا، وللأجور العظيمة حائزًا مصيبًا، ولذلك جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما كما عند الإمام أحمد: "واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".







7- من رُزق الصبر؛ فقد رزقه الله الخير الكثير:



قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (النساء: 25)، وأخرج الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أنَّ رجلًا ضريرَ البَصرِ أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: ادعُ اللَّهَ أن يعافيَني قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئتَ دعوتُ، وإن شِئتَ صبرتَ فَهوَ خيرٌ لَكَ..."؛ (صحيح الترمذي: 3578) (صحيح الجامع: 1290).







الشاهد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن شِئتَ صبرتَ فَهوَ خيرٌ لَكَ".







وأخرجه ابن خزيمة والطبراني والحاكم في المستدرك عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه بلفظ: "أنَّ رجلًا ضريرًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبيَّ اللهِ ادعُ اللهَ أنْ يعافيَني. فقال: إنْ شئْتَ أخرْتُ ذلك فهوَ أفضلُ لآخرتِكَ، وإنْ شئْتَ دعوْتُ لكَ قال: لا بلْ ادعُ اللهَ لي، فأمرَهُ أنْ يتوضأَ وأنْ يصليَ ركعتينِ، وأنْ يدعوَ بهذا الدعاءِ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ، إنِّي أتوجَّهُ بكَ إلى ربِّي في حاجَتي هذه فتُقضى، وتُشفعُني فيه وتشفعُهُ فيّ، قال: فكان يقولُ هذا مرارًا، ثم قال بعدُ - أحسبُ أنَّ فيها: أنْ تُشفعَني فيه - قال: ففعلَ الرجلُ فبرأَ[4]".







وأخرج الإمام مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".







وفي رواية: "عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له".







فإن الله تعالى إنما خلق خلقه للابتلاء والامتحان، فيستخرج منهم عبودية السراء وهي الشكر، وعبودية الضراء وهي الصبر، وهذا لا يتم إلا بأن يقلب الله الأحوال على العبد، حتى يتبين صدق عبوديته لله تعالى، وإذا كان المرء مؤمنًا حقًّا، فإن كل أمره خير، فإنه إن كان في سراء شكر فكان خيرًا له، وإن كان في ضراء صبر فكان خيرًا له.







8- الصبر يكون على قدر البلاء:



وهذا من نعم الله على العبد أنه سبحانه يُنزل عليه الصبر بقدر احتسابه على البلاء.







فقد أخرج البزار بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء"؛ (الصحيحة 1664).







9- بالصبر ينال الإنسان مراده:



ليس هناك سلاح أجدى نفعًا من الصبر؛ إذ به تهون كل المصاعب، فهو طريق النجاح، وسُلم الفلاح في الدنيا والآخرة، وما تحلَّى به عابد إلا وصل، وما تمسك به أحد إلا ظفر، وتحقَّقت أغراضه، لولاه ما جنى الزارع ثماره، ولا نال طالب شهادة، ولا توصل باحث إلى مراده، فقوام النجاح وعماد الفلاح هو الصبر، وهو سبيل الارتقاء إلى الدرجات العُلى في الحياة وبعد الممات.







قال أحدهم:



الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته

لكن عواقبه أحلى من العسل

(مدارج السالكين: 2/ 158)





وقال آخر:



لا تحسب المجد تمرًا أنت آكلُه

لنْ تبلغَ المجدَ حتَّى تلعقَ الصَّبْرَ







وقال محمد بن يسير-رحمه الله-:



إن الأمور إذا انسدت مسالكها

فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا[5]

لا تيئَسن وإن طالت مطالبه

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

أخلق[6] بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

وقل من جدَّ في أمر يحاوله

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

(أدب الدنيا والدين ص 458)







10- النصر لا يكون إلا مع الصبر:



فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنتُ رديفَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: " يا غلَّامُ - أو يا بنيَّ - ألا أعلِّمكَ كلماتٍ ينفعكَ اللَّهُ بهنَّ؟ فقلتُ: بلى فقالَ: "احفظِ اللَّهَ يحفظكَ، احفظِ اللَّهَ تجدهُ أمامَكَ تعرَّف إليهِ في الرَّخاءِ يعرفُكَ في الشِّدَّةِ إذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّهِ قد جفَّ القلمُ بما هوَ كائنٌ فلو أنَّ الخلقَ كلَّهم جميعًا، أرادوا أن ينفعوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ لكَ لم يقدروا عليهِ، وإن أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ عليكَ لم يقدروا عليهِ، فاعمل للَّهِ بالشُّكرِ واليقينِ، واعلم أنَّ الصَّبرَ على ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ وأنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ وأنَّ معَ العسرِ يسرًا".







وقفة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ"؛ جاء في كتاب "الفوائد" لابن القيم رحمه الله ص269 ما نصه: "سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن فيشكر، أو يُبتلى فيصبر؟ فقال الشافعي: لا يُمَكَّن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة".







وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَأ الْمُرْسَلِينَ ﴾ (الأنعام: 34).







11- الصابر المحتسب له أجر شهيد:



فقد أخرج البخاري من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّهَا سَأَلَتْ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الطَّاعُونِ، فأخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أنَّه كانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ علَى مَن يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فليسَ مِن عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا[محتسبًا]، يَعْلَمُ أنَّه لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ له، إلَّا كانَ له مِثْلُ أجْرِ الشَّهِيدِ".







12- الصابر في زمن الفتن والشهوات له أجر خمسين شهيدًا من الصحابة:



فقد أخرج الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا"، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "مِنْكُمْ"؛ (صحيح الجامع: 2234).







وفي رواية أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: " قيل: يا رسولَ اللهِ أجرُ خمسين رجلًا منا أو منهم قال بل أجرُ خمسين منكم"؛ (صحيح الترغيب: 3172).







وفي رواية عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ أَخِي بَنِي مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ: "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "بَلْ مِنْكُمْ"؛ (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 494).







13- الصبر جزاؤه الجنة:



فقد أخرج البخاري ومسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما:



"ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّي أصرعُ وأتكشّف، فادع اللَّه لي. قال: "إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ اللَّه أن يعافيَك"، قالت: أَصْبر. فقالت: إني أتكشفُ فادعُ اللَّه ألا أتكشّف".







قال ابن حجر رحمه الله: "في هذا الحديث أن الصبر على البلاء يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه جواز ترك التداوي، وأن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنفع من العلاج بالعقاقير"؛ اهـ.







أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ"، وفي رواية: "حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ".







فكيف يدخل الإنسان منا الجنة بدون صبر على المكاره؟ وكيف يقي نفسه النار دون صبر عن الشهوات؟ وتجد في هذا الحَديثِ أن رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخبِرُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قدْ حَجَبَ النَّارَ وسَتَرَها بالشَّهَواتِ، فلا يُوصَلُ إلى النَّارِ إلَّا بتَعاطي الشَّهَواتِ؛ إذْ هي مَحجوبةٌ بها، فمَن هَتَكَ الحِجابَ وَصَلَ إلى المَحجوبِ ووَقَعَ فيه. وقدْ حَجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الجَنَّةَ بالمَكارِه، والمُرادُ بالمكارِهِ ما أُمِرَ المُكلَّفُ به؛ كمُجاهَدةِ النَّفْسِ في العِباداتِ، والصَّبرِ على مَشاقِّها، والمُحافَظةِ عليها، واجتِنابِ المَنهيَّاتِ، وكَظْمِ الغَيظِ، والعَفْوِ والحِلْمِ، والصَّدَقةِ، والإحسانِ إلى المُسيءِ، والصَّبرِ عن الشَّهَواتِ، ونَحوِ ذلك. وأُطلِقَ عليها مَكارِهُ؛ لِمَشَقَّتِها على العامِلِ، وصُعوبَتِها عليه. وفي هذا تَحذيرٌ مِن اتِّباعِ الشَّهَواتِ، وحَثٌّ على الصَّبرِ على المَكارِه؛ لِأنَّه الطَّريقُ إلى الجَنَّةِ. وفي الحديث: الأمرُ بالابتعادِ عن الشَّهواتِ؛ لأنَّها الطَّريقُ إلى النَّارِ، والصَّبرِ على المَكارهِ؛ لأنَّها الطَّريقُ إلى الجنَّةِ.







وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه [7] فصبر عوضته منهما الجنة ".







وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: رمدت عيني فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرمد، فقال: "يا زيد بن أرقم إن كان عينك لما بها [8] كيف تصنع؟ فقلت: أصبر وأحتسب، قال: "يا زيد بن أرقم إن كان عينك لما بها ثم صبرت واحتسبت دخلت الجنة".







وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: يقولُ اللَّهُ تَعالَى: "ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةُ".







وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن اللهِ عزَّ وجلَّ أنَّه ليس للِعَبْدِ المؤمِنِ عِندَ اللهِ سُبحانَه جَزاءٌ وثَوابٌ وأجرٌ، إذا قبَضَ ونزعَ رُوحَ صَفِيِّه، وهو الحبيبُ المُصافي؛ كالولدِ والأخِ وكلِّ مَن أحَبَّه الإنسانُ،" مِن أهلِ الدُّنيا ثمَّ احتسَبَه "، أي: صبَرَ على ذلك راجيًا الثَّوابَ مِن اللهِ سُبحانَه إلَّا الجنَّةُ" (انظر فتح الباري: 11/ 242).







وأخرج الترمذي عن أبي سنان قال: دفنت ابني سنانًا وأبو طلحة الخولاني جالس عند شفير القبر، فلما فرغت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده[9]؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".







فسبحان من ينعم بالبلاء.







فليعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة، أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه في ذلك بيت الحمد الذي يُبنى له في الجنة على حمده واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوت محبوبه، أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟







فنعم للصبر ولا للجزع:



وليعلم المبتلى أن الجزع لا يرد المصيبة ولا يرفعها، بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل لا بد أن يعلم المُبتلى أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضيق نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه وسر صديقه.







تنبيه: هذا الجزاء الذي وعد به الملك الوهاب في الأحاديث السابقة؛ يكون لمن صبر عند الصدمة الأولى.







فقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله سبحانه: ابن آدم! إن صبرتَ واحتسبتَ عند الصدمة الأولى؛ لم أرض لك ثوابًا دون الجنة"؛ (صحيح الجامع: 8243).







قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.







إذا أنت لم تسلُ اصطبارًا وحسبة

سلوت على الأيام مثل البهائم







وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".







جاء في شرح السنة: 5/ 148: "والصبر المحمود والمأجور عليه صاحبه هو ما كان عند الصدمة الأولى فور مفاجأة المصيبة وحموتها؛ لأنه إذا طالت الأيام وقع السلو، ونقص الأجر أو لم يؤجر، ودل على ذلك الحديث السابق؛ اهـ.







وصدق الشاعر حيث قال:



ما أحسن الصبر في موطنه

الصبر في كل موطن حسن

حسبك من حسنة عواقبه

عاقبة العبد ما لها ثمن





قال ابن القيم رحمه الله: كل أحدٍ لا بد أن يصبر على بعض ما يكره: إما اختيارًا وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يُحمد عليه ويذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر لم يرد عليه الجزع فائتًا ولم ينتزع عنه مكروهًا، وإن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه، فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود، فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره.







ويعلم المبتلى كذلك أن ما يعقبه الصبر والاحتساب، من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، وقد أخرج الترمذي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهلُ البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض"؛ (صحيح الجامع: 8177).







وفي رواية: "يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء".







فالجزع وإن بلغ غايته ونهايته، فآخر أمره إلى صبر الاضطرار، وهو غير محمود ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للقدر رغم أنفه والصبر والاحتساب عواقبه محمودة ومثاب عليه في الدنيا والآخرة.







وبعد، فهذه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل فيها سلوى لكل مبتلى صابر، ولعلها فيها كشف لكربته، فيحتسب مصيبته ويرضى بما قسمه الله له، فلعل له عند الله منزلة لا يبلغها بعمله. فما يزال الله يبتليه بحكمته بما يكره، ويصبره على ما يبتليه حتى يبلغه تلك المنزلة التي سبقت له من الله، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده؛ [قال أبو داود: زاد نُفيل: "ثم صبره على ذلك]، حتى يُبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى".







سؤال يبحث عن إجابة: هل المؤمن يثاب ويؤجر على المصيبة أم على الصبر عليها والرضا؟



اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:



القول الأول: أنه لا ثواب للمصاب إلا على الصبر، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (الزمر: 10)، ويجيب عن هذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله، فيقول: "إنه لا يؤجر على المصائب؛ لأن الأجر يكون من الكسب، والمصائب ليست من الكسب، بل الأجر على الرضا والصبر"؛ اهـ؛ أي: إن الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه، وقد قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ (سورة البقرة: 156، 157).







فما حصل من صلاة ورحمة وهداية، إنما هو بسبب استرجاعهم، وكذلك حديث أبي طلحة الخولاني رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".







وحكي الخطابي رحمه الله عن غيره: "إن المرء لا يؤجَر على المصيبة؛ لأنها ليست من صُنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره".







وكذلك قال القرطبي رحمه الله في المفهم: "إنه لابد من الصبر والاحتساب على المصيبة حتى يؤجر العبد، واستدل بقول الله تعالي: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ (سورة البقرة: 155، 156).







القول الثاني: إن المصاب يثاب على كل مصيبة تنزل به، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ (التوبة: 120).







وعند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم"، وقد تعقب ابن حجر رحمه الله القرطبي فقال: "الأحاديث صحيحة صريحة في حصول الأجر بمجرد حصول المصيبة، أما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليها زيادة على ثواب المصيبة".







وقال القرافي رحمه الله: "المصائب كفارات جزمًا، سواء اقترن بها الرضا أم لا، ولكن إذا اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قلَّ"؛ اهـ.







والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنبٍ يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك بالثواب بما يوازيه.







فالمصائب كفارات للذنوب، فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها".







أما الأجر والثواب فلا يكون إلا مع الصبر والرضا، فقد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة ـ يريد عينيه"، وعند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".







ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في" مجموع الفتاوى: 10/ 124":



المصائب التي تجري بلا اختيار العبد: كالمرض، وموت العزيز عليه، وأخذ اللصوص ماله، إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة، لكن المصيبة يكفر بها خطاياه، فإن الثواب إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما يتولد منها.





[1] السماحة: أي السخاوة بالزهد في الدنيا، والإحسان والكرم للفقراء، وقيل: الصبر على المفقود، والسماحة بالموجود.



[2] من عقر: بالبناء للمفعول (جواده) أي قتل فرسه.



[3] وأهريق دمه: بضم الهمزة وسكون الهاء، أي صب وسكب.



[4] فقد كان الصَّحابةُ- رِضْوانُ اللهِ عَليهم- كثيرًا ما يَطلُبون مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يَدعُوَ اللهَ لهم لقضاءِ حَوائجِهم؛ لأنَّهم يَعلَمون أنَّ دُعاءَه صلى الله عليه وسلم أَرْجَى في القَبولِ، وفي هذا الحَديثِ يَحكِي عثمانُ بنُ حُنيفٍ: أنَّ رجُلًا ضريرَ البَصرِ أتى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: ادْعُ اللهَ أن يُعافِيَني"، أي: تَوجَّهْ إلى اللهِ بالدُّعاءِ أن يُعافيَني ممَّا في بصَري مِن ضرَرٍ، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنْ شِئتَ دعَوتُ"، أي: إنْ أحبَبتَ أن أدعُوَ لك بالشِّفاءِ والعافيةِ، "وإنْ شئتَ صبَرتَ"، أي: رَضيتَ بما أنتَ فيه، "فهو خيرٌ لك" في الأجرِ والثَّوابِ بما صبَرتَ على البلاءِ، فقال الرَّجلُ: "فادعُه"، أي: إنَّ الرَّجلَ اختارَ دُعاءَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم له على كشف البلاء، فأمَره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتَوضَّأ، فيُحسِنَ وُضوءَه، ثم بعدَ فراغه من وُضوئِه يَدعو ويقول: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُك وأتوجَّهُ إليك بنَبيِّك"، أي: أتوسَّلُ إليك بدُعاءِ نبيِّك صلى الله عليه وسلم "محمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ"، أي: الَّذي بعَثْتَه بالرَّحمةِ، "إنِّي توجَّهتُ بك"، أي: توَجَّهتُ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم "إلى ربِّي في حاجَتي هذه"، أي: في الدُّعاءِ بشِفاءِ بصَري؛ "لِتُقْضى لي"، أي: لِتَستجيبَ الدُّعاءَ، "اللَّهمَّ فشَفِّعْه"، أي: إنَّه سأَل اللهَ أن يَقبَلَ شَفاعةَ دُعاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قَضاءِ حاجتِه، وهذا ليس فيه توسُّلٌ بذاتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا بجاهِه، وإنَّما كان تَوسُّلًا بدُعائه؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا للرَّجُلِ وأمَره أنْ يَدعُوَ هو الآخَرُ، ويسأَلَ اللهَ قَبولَ شَفاعتِه صلى الله عليه وسلم .وفي الحديثِ: فَضلُ الصَّبرِ على البَلاءِ، وأن الدعاء برَفْعِه ليس مَذمومًا.



[5] ما ارتتجا: انغلق. (ترتيب القاموس (2/ 299).



[6] أخلق: جدير به. (ترتيب القاموس (1/ 99).



[7] بحبيبتيه: يريد عينيه.



[8] لما بها: أي ذهبت.



[9] ثمرة فؤاده: قال ابن الأثير: يقال للولد الثمرة، وذلك لأن الثمرة هي ما تنتجه الشجرة، وكذلك الولد من الرجل ما ينتجه.

..........

قصص في صبر السلف

مع إمام الصابرين:



قال الله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ [الأحقاف: 35].







قال السعدي رحمه الله: [ثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وألا يزال داعيًا لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين، سادات الخلق، أولي العزائم والهمم العالية، الذين عظُم صبرهم، وتم يقينهم؛ فهم أحق الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم.







فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه؛ فصبر صبرًا لم يصبره نبي قبله، حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعًا بصده عن الدعوة إلى الله، وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل صادعًا بأمر الله، مقيمًا على جهاد أعداء الله، صابرًا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليمًا.







وقوله: ﴿ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ [الأحقاف: 35]؛ أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب؛ فإن هذا من جهلهم وحمقهم، فلا يستخِفُّنَّك بجهلهم، ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك؛ فإن كل ما هو آتٍ قريب]؛ [تفسير السعدي].







فنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يبتليه الله سبحانه وتعالى فيصبر كما صبر إخوانه من الرسل والأنبياء، ولو تتبعنا سيرته الشريفة لوجدناه قد لقي الكثير من المحن والشدائد والصعاب والأحزان، ما بين تعذيب قومه له ولأصحابه، وموت أحبابه، واستشهاد بعض أنصاره، والكثير الكثير؛ فعن عروة: أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحدٍ؟)، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبدياليل بن عبدكلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب [السيل]، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين [جبلان بمكة]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبدالله وحده لا يشرك به شيئًا)؛ [متفق عليه].







فصبر على ما لقي منهم، ورحمهم، وهو الرحمة المهداة.







المشركون يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم:



عن عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، وأبو جهلٍ وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعضٍ: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلانٍ فيضعه على ظهر محمدٍ إذا سجد، فانبعث أشقى القوم، فجاء به، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغير شيئًا، لو كان لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعضٍ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: (اللهم عليك بقريشٍ) ثلاث مراتٍ، فشق عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: (اللهم عليك بأبي جهلٍ، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلفٍ، وعقبة بن أبي معيطٍ)، وعد السابع فلم يحفظه، قال: (فوالذي نفسي بيده، لقد رأيت الذين عَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدرٍ)؛ [صحيح البخاري].







النبي صلى الله عليه وسلم طريد:



قد طرده المشركون من بلده حقدًا وحسدًا؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الحزورة [عند باب الحناطين في سوق مكة] فقال: (علمت أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)؛ [مسند أحمد، وصححه الألباني].







فصبر على ما أصابه وأصحابه وإخوانه؛ فكان النصر والعز والتمكين، ولقد ذاق شعبنا الفلسطيني ويلات الطرد والتشريد، فصبر جميل، والصبر يعقبه النصر، ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ [الإسراء: 51].







ابتلاء نبي الله أيوب عليه السلام:



فقد لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: (تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين)، فقال له صاحبه: (وما ذاك)؟ قال: (منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به)، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: (لا أدري ما تقولان، غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما؛ كراهية أن يذكر الله إلا في حق)، قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحي إلى أيوب أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 42]، فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: (أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ والله على ذلك ما رأيت أحدًا كان أشبه به منك إذ كان صحيحًا)، فقال: (فإني أنا هو)، وكان له أندران؛ [أي: بيدران، أندر للقمح، وأندر للشعير]، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق [الفضة] حتى فاض؛[صحيح ابن حبان، وصححه الألباني].







أبو طلحة الأنصاري وأم سليم:



عن أنسٍ رضي الله عنه قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفي الغلام، فهيأت أم سليمٍ الميت، وقالت لأهلها: لا يخبرن أحد منكم أبا طلحة بوفاة ابنه، فرجع إلى أهله ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه، قال: ما فعل الغلام؟ قالت: خير مما كان، فقربت إليهم عشاءهم، فتعشوا، وخرج القوم، وقامت المرأة إلى ما تقوم إليه المرأة، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلانٍ، استعاروا عاريةً فتمتعوا بها، فلما طلبت كأنهم كرهوا ذاك، قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله تبارك وتعالى، وإن الله قبضه، فاسترجع وحمد الله، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: (بارك الله لكما في ليلتكما)، فحملت بعبدالله، فولدته ليلًا، وكرهَتْ أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحملتُه غدوةً ومعي تمرات عجوةٍ، فوجدته يهنأ أباعر له [يعالج البعير من الجرب]، أو يَسِمها، فقلت: يا رسول الله، إن أم سليمٍ ولدت الليلة، فكرهت أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أمعك شيء؟)، قلت: تمرات عجوةٍ، فأخذ بعضهن فمضغهن، ثم جمع بزاقه، فأوجره إياه، فجعل يتلمظ [يدير لسانه في فيه ويحركه يتتبع أثر التمر]، فقال: (حِبُّ الأنصار: التمرُ)، قال: قلت: يا رسول الله، سمِّه، قال: (هو عبدالله)، فقال رجل من الأنصار: (فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن)؛ [مسند أحمد، وأصله في البخاري].







فانظري رحمك الله يا أخيتي المسلمة، كيف صبرت المرأة الصالحة على مصابها، وقد عوضها ربنا جل وعلا تسعة من حفظة القرآن، هذا في الدنيا، فكيف بالجزاء الأخروي؟!







امرأة من أهل الجنة تمشي على الأرض:



عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: قال لي ابن عباسٍ: (ألا أريك امرأةً من أهل الجنة؟!) قلت: (بلى)، قال: (هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرَع، وإني أتكشف، فادع الله لي)، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك)، فقالت: (أصبر، وإني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف)، (فدعا لها)؛ [متفق عليه].







امرأة تصبر على مرضها من أجل جنة عرضها السموات والأرض، ولا تريد أن ينظر الناس إلى عورتها، فتطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ألا تتكشف حال صرعها، فما بال نساء اليوم إلا ما رحم ربي تخرج من بيتها كاسية عارية متطيبة؟! نسأل الله الهداية.







قصة عجيبة:



عن عبدالله بن محمدٍ قال: (خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا، وكان رابطنا يومئذٍ عريش مصر)، قال: (فلما انتهيت إلى الساحل، فإذا أنا ببطيحةٍ، وفي البطيحة خيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه، وثقل سمعه وبصره، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه)، وهو يقول: (اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثيرٍ ممن خلقت تفضيلًا)، قال عبدالله: قلت: (والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنَّى له هذا الكلام، فهمٌ أم علم أم إلهام ألهم؟ فأتيت الرجل، فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول: (اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثيرٍ ممن خلقت تفضيلًا)، فأي نعمةٍ من نعم الله عليك تحمده عليها؟ وأي فضيلةٍ تفضل بها عليك تشكره عليها؟).







قال: (وما ترى ما صنع ربي؟! والله لو أرسل السماء علي نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربي إلا شكرًا؛ لما أنعم علي من لساني هذا، ولكن يا عبدالله إذ أتيتني لي إليك حاجة، قد تراني على أي حالةٍ أنا، أنا لست أقدر لنفسي على ضرٍّ ولا نفعٍ، ولقد كان معي بني لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضيني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيامٍ، فتحسسه لي رحمك الله)، فقلت: (والله ما مشى خلق في حاجة خلقٍ كان أعظم عند الله أجرًا ممن يمشي في حاجة مثلك، فمضيت في طلب الغلام، فما مضيت غير بعيدٍ حتى صرت بين كثبانٍ من الرمل، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه، فاسترجعت، وقلت: أنَّى لي وجه رقيق آتي به الرجل؟! فبينما أنا مقبل نحوه إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتيته سلمت عليه، فرد علي السلام فقال: (ألست بصاحبي؟)، قلت: (بلى)، قال: (ما فعلت في حاجتي؟)، فقلت: (أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟) قال: (بل أيوب النبي)، قلت: (هل علمت ما صنع به ربه؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟) قال: (بلى)، قلت: (فكيف وجده؟)، قال: (وجده صابرًا شاكرًا حامدًا)، قلت: (لم يرضَ منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبائه؟)، قال: (نعم)، قلت: (فكيف وجده ربه؟)، قال: (وجده صابرًا شاكرًا حامدًا)، قلت: (فلم يرضَ منه بذلك حتى صيره عرضًا لمارِّ الطريق، هل علمت؟) قال: (نعم)، قلت: (فكيف وجده ربه؟)، قال: (صابرًا شاكرًا حامدًا، أوجز رحمك الله)، قلت له: (إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل وقد افترسه سبع فأكل لحمه، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر)، فقال المبتلى: (الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقًا يعصيه فيعذبه بالنار)، ثم استرجع وشهق شهقةً فمات، فقلت: (إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي، رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع، وإن قعدت لم أقدر على ضرٍّ ولا نفعٍ)، فسجيته بشملةٍ كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكيًا، فبينما أنا قاعد إذ تهجم علي أربعة رجالٍ، فقالوا: (يا عبدالله، ما حالك؟ وما قصتك؟)، فقصصت عليهم قصتي وقصته، فقالوا لي: (اكشف لنا عن وجهه، فعسى أن نعرفه)، فكشفت عن وجهه، فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مرةً، ويديه أخرى، ويقولون: (بأبي عين طالما غضت عن محارم الله، وبأبي وجسمه طالما كنت ساجدًا والناس نيام)، فقلت: (من هذا يرحمكم الله؟)، فقالوا: (هذا أبو قلابة الجرمي، صاحب ابن عباسٍ، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم)، فغسلناه وكفناه بأثوابٍ كانت معنا، وصلينا عليه ودفناه، فانصرف القوم، وانصرفت إلى رباطي، فلما أن جن علي الليل وضعت رأسي، فرأيته فيما يرى النائم في روضةٍ من رياض الجنة وعليه حلتان من حلل الجنة، وهو يتلو الوحي: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24]، فقلت: (ألست بصاحبي؟)، قال: )بلى)، قلت: (أنَّى لك هذا؟)، قال: (إن لله درجاتٍ لا تنال إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، مع خشية الله عز وجل في السر والعلانية)؛ [ابن حبان/ الثقات].







رحم الله أبا قلابة، لا يد ولا رِجل، ولا سمع ولا بصر، ثم تأكل السباع ولده الذي كان يخدمه، فيصبر ويحمد الله على نعمه؛ فعوضه الله روضة من رياض الجنة، فيا لها من كرامة!







قصة عقيب العالم العابد:



عن الحسن: أن رجلًا كان يقال له: عقيب، كان يعبد الله تعالى على جبل، وكان في ذلك الزمان رجل يعذب الناس بالمثلات [العقوبة والتنكيل]، وكان جبارًا، فقال عقيب: (لو نزلت إلى هذا فأمرته بتقوى الله، كان أوجب علي).







فنزل من الجبل، فقال له: (يا هذا، اتق الله)!







فقال له الجبار: (يا كلب، مثلك يأمرني بتقوى الله؟! لأعذبنك عذابًا لم يعذب به أحد من العالمين!)، قال: فأمر به أن يسلخ من قدمه إلى رأسه وهو حي! فسلخ، فلما بلغ بطنه أنَّ أنَّةً، فأوحى الله إليه: (عقيب، اصبر أخرجك من دار الحزن إلى دار الفرح، ومن دار الضيق إلى دار السعة).







فلما بلغ السلخ إلى وجهه، صاحَ، فأوحى الله إليه: (عقيب، أبكيت أهل سمائي وأهل أرضي، وأذهلت ملائكتي عن تسبيحي، لئن صحت الثالثة، لأصبن عليهم العذاب صبًّا)، فصبر حتى سلخ وجهه؛ مخافة أن يأخذ قومه العذاب؛ [ابن أبي الدنيا/ الصبر].







يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيسلخ كسلخ الشاة، ومع ذلك فهو صابر محتسب.







صبر أم عقيل على موت ولدها:



ذكر أبو الفرج بن الجوزي في عيون الحكايات: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدناها، فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: (ما أنتم؟)، قلنا: (قوم ضالون عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم)، فقالت: (يا هؤلاء، ولُّوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل)، ففعلنا، فألقت لنا مسحًا، فقالت: (اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني)، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعتها، فقالت: (أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني)، فوقف الراكب عليها، فقال: (يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل)، قالت: (ويحك! مات ابني؟)، قال: (نعم)، قالت: (وما سبب موته؟)، قال: (ازدحمت عليه الإبل، فرمت به في البئر)، فقالت: (انزل فاقضِ ذمام القوم)، ودفعت إليه كبشًا، فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا، خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: (يا هؤلاء، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئًا؟)، قلت: (نعم)، قالت: (اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها)، قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157]، قالت: (آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا؟)، قلت: (آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا!)، قالت: (السلام عليكم)، ثم صفَّت قدميها، وصلت ركعات، ثم قالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلًا)، تقول ذلك ثلاثًا، (اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني)؛ [اليافعي/ مرآة الجنان].







صبر واحتساب ودعاء، أين نحن من هذه المرأة؟!







صبر مطرف رحمه الله:



عن ثابت قال: مات عبدالله بن مطرف، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا، فقالوا: (يموت عبدالله وتخرج في مثل هذه مدهنًا؟) قال: (أفأستكين لها [هل أخضع للمصيبة؟] وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها خصالًا، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟! قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 156، 157]، فأستكين لها بعد ذلك؟! فوالله لو أن الدنيا وما فيها لي وأخذها الله مني ووعدني عليها شربة ماء غدًا، ما رأيتها لتلك الشربة أهلًا، فكيف بالصلوات والهدى والرحمة؟!) [ابن الجوزي/ صفة الصفوة؛ ابن عساكر/ تاريخ دمشق].







الربيع وفتنة المرأة:



ذكر ابن الجوزي عن سعدان قال: (أمر قوم امرأةً ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم رحمه الله تعالى، فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم)، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها، فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: (كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملَك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير؟)، فصرخت صرخة فسقطت مغشيًّا عليها، (فوالله، لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق)؛ [ابن الجوزي/ صفة الصفوة].







وهكذا يحاول فساق كل زمان فتنة المؤمنين والمؤمنات عن دينهم؛ فالصبر الصبر عباد الله، فما اتقى اللهَ عبدٌ إلا جعل له بعد كل ضيق وعسر فرَجًا ويسرًا.







لا تحزن واحمد الله:



عن عطاء بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرض العبد، بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظرا ما يقول لعواده؟ فإن هو إذ جاؤوه حمد الله، وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله عز وجل وهو أعلم، فيقول: لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمِه، وأن أُكفِّرَ عنه سيئاته)؛ [صحيح الترغيب].







فاحمَدِ الله وأَثْنِ عليه خيرًا، يغفر لك ويدخلك الجنة.







عروة بن الزبير والوليد بن عبدالملك:



إليكم قصة عروة بن الزبير رحمه الله، أحد علماء وعباد التابعين؛ فقد طلب منه الخليفة الوليد بن عبدالملك زيارته في دمشق مقر الخلافة الأموية، فأخذ عروة معه أحب أبنائه السبعة إليه، فلما كان في الطريق إلى الشام، أصيب في الطريق بمرض الآكلة في رِجله [وهي ما يسمى في عصرنا الغرغرينا]، حتى قرر الأطباء بتر رجله من الساق،فلما اجتمع الأطباء عليه، قالوا: (اشرب كأسًا من الخمر؛ حتى تفقد شعورك)، فأبى عروة، وقال: (كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابه؟)، قالوا: (فكيف نفعل بك إذًا؟)، قال: (دعوني أصلي، فإذا أنا قمت للصلاة، فشأنكم وما تريدون)، فقام يصلي، فلما سجد، كشفوا عن ساقه، وأعملوا مشارطهم في اللحم حتى وصلوا العظم، ثم أخذوا المنشار فنشروا العظم حتى بتروا ساقه، وفصلوها عن جسده، وهو ساجد لا يحرك ساكنًا، ثم أحضروا الزيت المغلي وسكبوه على ساقه؛ ليوقف نزيف الدم، فلم يحتمل حرارة الزيت؛ فأغمي عليه.







وفي هذه الأثناء، أتى الخبر من خارج القصر أن ابن عروة كان يشاهد خيول الخليفة، فرفسه أحد الخيول فقضى عليه ومات.







فلما أفاق عروة اقترب إليه الخليفة وقال: (أحسن الله عزاءك في رجلك)، فقال عروة: (اللهم لك الحمد، وإنا لله وإنا إليه راجعون)، قال الخليفة: (وأحسن الله عزاءك في ابنك)، فقال عروة: (اللهم لك الحمد، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أعطاني سبعة وأخذ واحدًا، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحدًا، إن ابتلى فطالما عافى، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة)، ثم قدموا له طستًا فيه ساقه وقدمه المبتورة، فأخذ يقلبها ويقول: (إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصيةٍ قط، وأنا أعلم).







ومضت الأيام، وكان الخليفة الوليد يجلس في مجلسه، فدخل عليه شيخ طاعن في السن، مهشم الوجه، أعمى البصر، فسأله عن قصته، فقال الشيخ: (إني بتُّ ذات ليلةٍ في وادٍ، وليس في ذلك الوادي أغنى مني، ولا أكثر مني مالًا وحلالًا وعيالًا، فأتانا السيل بالليل، فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفلًا صغيرًا وبعيرًا واحدًا، فهرب البعير، فأردت اللحاق به، فلم أبتعد كثيرًا حتى سمعت خلفي صراخ الطفل، فالتفت فإذا برأس الطفل في فم الذئب، فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك؛ فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لألحق بالبعير، فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر)، قال: (وما تقول يا شيخ بعد هذا؟)، فقال الشيخ: أقول: (الحمد لله الذي ترك لي قلبًا عامرًا، ولسانًا ذاكرًا).







فقال الوليد لما سمع قصته: (انطلقوا به إلى عروة؛ ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً)،[ابن عساكر/ تاريخ دمشق، ابن سعد/ الطبقات الكبرى].







لله در سارة ما أصبرها!







عن وهب بن منبه قال: سأله بعض أهل الطرار فقال: (يا أبا عبدالله، هل سمعت ببلاء أو عذاب أشد مما نحن فيه؟)، قال: (أنتم لو نظرتم إلى ما أنتم فيه وإلى ما خلا، لكأن ما أنتم فيه مثل الدخان عند النار!)، ثم قال: (أتي بامرأة من بني إسرائيل، يقال لها: سارة، وسبعة بنين لها، إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنازير، فدعا أكبرهم، فقرب إليه لحم الخنزير فقال: (كُلْ)، فقال: (ما كنت لآكل شيئًا حرمه الله علي أبدًا!)، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، وقطعه عضوًا عضوًا حتى قتله، ثم دعا بالذي يليه فقال: (كل)، فقال: (ما كنت لآكل شيئًا حرمه الله علي)، فأمر بقِدر من نحاس، فملئت زفتًا، ثم أغليت، حتى إذا غلت ألقاه فيها، ثم دعا بالذي يليه، فقال: (كل)، فقال: (أنت أذل وأقل وأهون على الله من أن آكل شيئًا حرمه الله علي)، فضحك الملك، ثم قال: (أتدرون ما أراد بشتمه إياي؟ أراد أن يغضبني فأعجل في قتله، وليخطئنه ذلك)، فأمر به فحز جلد عنقه، ثم أمر به أن يسلخ جلد رأسه ووجهه، فسلخ سلخًا.







فلم يزل يقتل كل واحد منهم بلون من العذاب غير قتل أخيه، حتى بقي أصغرهم، فالتفت إليه وإلى أمه، فقال لها: (لقد أويت لك مما رأيت، فانطلقي بابنك هذا فاخلي به، وأريديه على أن يأكل لقمة واحدة، فيعيش لك)، قالت: (نعم)، فخلت به، فقالت: (أي بني، اعلم أنه كان لي على كل رجلٍ من إخوتك حق، ولي عليك حقان؛ وذلك أني أرضعت كل رجلٍ منهم حولين حولين، فمات أبوك وأنت حبل، فنفست بك، فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أحوال، فلي عليك حقان، فأسألك بالله وحقي عليك، لما صبرت ولم تأكل شيئًا مما حرم الله عليك، ولا ألفين إخوتك يوم القيامة ولست معهم)، فقال: (الحمد لله الذي أسمعني هذا منك؛ فإنما كنت أخاف أن تريديني على أن آكل ما حرم الله علي)، ثم جاءت به إلى الملك فقالت: (ها هو ذا قد أردته وعزمت عليه)، فأمره الملك أن يأكل، فقال: (ما كنت لآكل شيئًا حرمه الله تعالى علي)، فقتله وألحقه بإخوته، وقال لأمهم: (إني لأجدني أربى لك مما رأيت اليوم، ويحك! فكلي لقمة، ثم أصنع بك ما شئت، وأعطيك ما أحببت تعيشي به)، فقالت: (أجمع ثكل ولدي ومعصية الله، فلو حييت بعدهم ما أردت ذلك، وما كنت لآكل شيئًا مما حرمه الله علي أبدًا)، فقتلها وألحقها ببنيها؛ [ابن أبي الدنيا/ الصبر].







تجود بنفسها وبأولادها السبعة في سبيل الدين، أي محنة وأي صبر؟! إنه صبر من هم أشد الناس بعد الأنبياء دينًا وتقوى.







الشافعي يعزي مبتلى:



ذكر أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا، حتى امتنع من الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام الشافعي رحمه الله، فكتب إليه، ومما كتب إليه:



إني مُعزِّيك لا أني على ثقةٍ

من الحياة، ولكن سنَّة الدينِ

فما المُعزَّى بباقٍ بعد ميِّته

ولا المُعزِّي ولو عاشا إلى حينِ





امرأة وفقيه:



عن القاسم بن محمد قال: هلكت امرأة لي، وأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: (إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة، وكان بها معجبًا، فماتت، فوجد - حزن - عليها وَجْدًا شديدًا، حتى خلا في بيت، وأغلق على نفسه، واحتجب عن الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به، فجاءته، فقالت: (إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزيني إلا أن أشافهه بها)، فذهب الناس، ولزمت الباب، فأخبر، فأذن لها؟ فقالت: (أستفتيك في أمر)، قال: (وما هو؟)، قالت: (إني استعرت من جارة لي حليًّا، فكنت ألبسه وأعيره زمانًا، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟)، قال: (نعم والله)، قالت: (إنه قد مكث عندي زمانًا؟)، فقال: (ذلك أحق لردك إياه)، فقالت له: (يرحمك الله، أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟)، فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها)؛ [موطأ مالك].







اصبر على الفقر:



رأى رجل الحسن بن حبيب في النوم بعدما مات، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: (غفر لي بصبري على الفقر في الدنيا)؛ [ابن أبي الدنيا/ الصبر].







أيها الفقراء، هنيئًا للصابرين منكم؛ فبصبركم يغفر الله لكم، ومن يغفر الله له يدخله الجنة.







اجعل الدعاء سلاحك:



قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، أضاف العباد إليه، ورد عليهم بنفسه، لم يقل: فقل لهم: إني قريب، ولم يقل: أسمع الدعاء، إنما: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)؛ [صحيح البخاري].







فادعُ الله كثيرًا ولا تيأسن؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وانتظر الفرج.







قصة:



عن أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا معلق، وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره، وكان له نسك وورع، فخرج مرة فلقيه لص متقنع في السلاح، فقال: (ضع متاعك؛ فإني قاتلك)، قال: (شأنك بالمال)، قال: (لست أريد إلا دمك)، قال: (فذرني أصلِّ)، قال: (صلِّ ما بدا لك)، فتوضأ ثم صلى، فكان من دعائه: (يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالًا لما يريد، أسألك بعزتك التي لا ترام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني)، قالها ثلاثًا، فإذا هو بفارس بيده حربة رافعها بين أذني فرسه، فطعن اللص فقتله، ثم أقبل على التاجر، فقال: (من أنت فقد أغاثني الله بك؟)، قال: (إني ملك من أهل السماء الرابعة، لما دعوت، سمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت ثانيًا، فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت ثالثًا، فقيل: دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله)، ثم قال: (أبشر واعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، مكروبًا كان أو غير مكروب)؛ [ابن حجر/ الإصابة].







الدعاء سلاح المؤمن؛ فالجندي الذي لا يحمل سلاحه، كيف يدافع عن نفسه؟ والمسلم الذي لا يدعو الله، كيف ينجو ويزول همه وحزنه؟!







استغفر الله:



قال ابن صبيح: (شكا رجل إلى الحسن الجدوبة)، فقال له: (استغفر الله)، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: (استغفر الله)، وقال له آخر: (ادعُ الله أن يرزقني ولدًا)، فقال له: (استغفر الله)، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: (استغفر الله)، فقلنا له في ذلك؟ فقال: (ما قلت من عندي شيئًا؛ إن الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: 10 - 13].







فيا صاحب الهم والحزن والمرض، يا من اشتهى المال والزواج والولد والوظيفة، يا باغي الخير أيًّا كان، أكثِرْ من الاستغفار، فسترى العجب العجاب.







قل هذا الدعاء:



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا)، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: (بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها)؛ [مسند أحمد، وصححه الألباني].







وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر [نزل به هم أو غم]، يقول: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث)؛ [سنن الترمذي، وحسنه الألباني].







الصلاة الصلاة:



عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه [إذا نزل به مهم، أو أصابه غم]، أمرٌ، صلَّى؛ [سنن أبي داود، وحسنه الألباني]، وعن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل - قال مسعر: أراه من خزاعة -: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا بلال، أقم الصلاة أرحنا بها)؛ [سنن أبي داود، وصححه الألباني].







وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]: (وأما قوله: ﴿ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]؛ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45].







ثم ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه نُعِيَ إليه أخوه وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]) [تفسير ابن كثير].







استعينوا بالصبر والصلاة عباد الله، يرحمكم الله، ويفرج همكم وغمكم، ويبدل حزنكم فرحًا، وضيقكم فرجًا، وفقركم غنًى، وذُلَّكم عزًّا.







إليك البشرى:



عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها)، قالت: (فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛[صحيح مسلم].







قال بعض المكيين: رأيت سعيد بن سالم القداح في النوم فقلت: (من أفضل من في هذه المقبرة؟!)، فقال: (صاحب هذا القبر)، قلت: (بم فضلكم؟)، قال: (إنه ابتُلِي فصبر)؛ [ابن عساكر/ تاريخ دمشق].







إنا لله وإنا إليه راجعون، يخلف الله قائلها خيرًا مما فقد؛ فلا تنسوا ذلك عند المصيبة، صبرنا الله وإياكم.







﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ [الرعد: 24].







أيها الفقراء، المعدمون، الضعفاء، الملائكة تسلم عليكم بصبركم في الدنيا؛ عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء والمهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيُّوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل بابٍ: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24]؛ [مسند أحمد، وصححه الألباني].







نصيحة:



عن أبي بردة بن أبي موسى رضي الله عنه قال: وجع أبو موسى وجعًا شديدًا، فغشي عليه ورأسه في حجر امرأةٍ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة [التي ترفع صوتها بالنياحة والندب]، والحالقة [التي تحلق رأسها عند المصيبة]، والشاقة [التي تشق ثوبها])؛ [صحيح مسلم].







وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)؛ [صحيح مسلم].







فاحذروا من النياحة، والندب، والصراخ، وشق الثوب، وضرب الخد؛فإنها من سنة الجاهلية، ولا ترد قضاء الله وقدره، الصبر والدعاء خير لك.







فائدة:



سأل رجل الإمام الشافعي رحمه الله فقال: (يا أبا عبدالله، أيهما أفضل للرجل، أن يمكن فيشكر الله عز وجل، أو يبتلى بالشر فيصبر؟).







فقال الشافعي: (لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة)؛ [ابن القيم/ الفوائد].



وأخيرًا:



قد اجتمع علينا الكثير من المصائب؛ خوف، وجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، قتل وسجن وتشريد، حصار وتعذيب، دمار وتخريب، تخلَّف عنا القريب والبعيد، فما علينا إلا الصبر والدعاء، فرج الله عنا، وأخلف علينا خيرًا، وأعاننا، إنه نعم المولى ونعم النصير.

وقد كان محمد بن شبرمة رحمه الله إذا نزل به بلاء يقول: (سحابة صيف ثم تنقشع)؛ [عدة الصابرين].





فالفرج قريب...قريب...فعليكم بالصبر، والله الموفق.



الصبر في الشعر العربي

سَـهِـرَت أَعـيِـنٌ وَنـامَـت عُـيـونُ



فــي أُمــورٍ تَــكـونُ أَو لا تَــكـونُ



فَــادْرَإِ الـهَـمَّ مـا اِستَــطَـعـتَ عَـنِ الـنَـفـسِ



فَـحِـمْــلانُــكَ الـهُــمــومَ جُــنــونُ



إِنَّ رَبّــاً كَــفَــاكَ بِـالأَمـسِ مـا كـانَ



سَـيَكـفِــيـكَ فـي غَـدٍ مـا يَـكُــونُ





وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.







 
أعلى