العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

ثلاثُ قواعدَ جامعةٌ في أدب الخلاف وحفظ حُرمة أهل الإسلام

انضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
9,287
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
ثلاثُ قواعدَ جامعةٌ في أدب الخلاف وحفظ حُرمة أهل الإسلام
الحمد لله الذي أقام الدِّين بالعدل والإنصاف، وأمر بالاعتصام بحبله والبعد عن الحيف والإجحاف، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ المبعوث بالرَّحمة والهدى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، أَمَّا بعد:
فإن المقصد الشرعي الأسمى من وضع أئمة أهل الحديث لقواعد الجرح والتَّعديل هو حماية النَّصِّ النَّبويِّ الشَّريف من الدَّخيل والوهم، وصيانة الرِّواية أن يدخلها ما ليس منها، غير أَنَّ الملاحظ في واقعنا المعاصر هو انحراف الشَّواهد بالتَّنزيل؛ إِذْ عمد فريقٌ من المنتسبين للعلم إلى استجلاب أحكام تجريح الرُّواة ومصطلحات إعلال المرويَّات لنسخها قسراً على المسائل الاجتهاديَّة ومحاكمة ذوات العلماء وأهل الفضل.
وقد تقرَّر في الأصول أَنَّ الاجتهاد لا ينقض بمثله، وأَنَّ الخطأ المغفور للمجتهد المأجور لا يُبيح بحالٍ إهدار كرامته أو سلب ولايته الإيمانيَّة، ولعصمة طالب العلم من الانزلاق في هذه المهاوي، عليه الأخذ بثلاث قواعد جامعة، رُسِمَت معالمها عن أكابر أئمَّة الأُمَّة:

القاعدة الأولى: أخبر بالسُّنَّة ولا تخاصم.
عمدة هذه القاعدة ما ثبت عن إمامي دار الهجرة والسُّنَّة؛ حيث (قال الهيثم بن جميل( ): قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبدالله! الرَّجُل يكون عالماً بالسُّنَّة يُجادل عليها؟، قال: «لا. يُخبِر بالسُّنَّة، فإِنْ قُبِلَتْ منه وإِلَّا أَمْسَكَ»( ). وقال العبَّاس بن غالب الهمداني الورَّاق( ) قلت لأحمد بن حنبل -رحمه الله-: يا أبا عبدالله: أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السُّنَّة غيري، فيتكلَّم مبتدعٌ فيه أَرُدُّ عليه؟، فقال: «لا تَنْصِب نفسك لهذا، قال: أخبر بالسُّنَّة ولا تُخاصم». فأعدت عليه القول، فقال: «ما أراك إِلَّا مُخاصِماً»)( ).
وأصل هذه القاعدة مستمدٌ من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:59]، ومن قوله ﷺ: «أَنَا ‌زَعِيمٌ ‌بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» (رواه أبو داود).
وثمَّة فرقٌ جوهريٌّ بين إظهار الحقِّ وبين طلب الغلبة في الخصومة؛ فطالب العلم يبيِّن الرَّاجح بدليله، وليس مكلَّفاً بإخضاع النُّفوس، ولا بقطع حبال المحبَّة مع المخالف، وإذا التقى قول الإمامين مالك وأحمد على منع الخصومة عند بيان السُّنَّة؛ فَلِأَنَّ المخاصمة تُورث الضَّغائن، وتُخرج المناظرة من باب النَّصيحة للدِّين إلى باب الانتصار للنَّفس.

القاعدة الثَّانية: لم ‌يتعبَّد ‌الله ‌بتكفير أهل الإسلام.

قرَّر هذا المعنى العلَّامة القاضي محمَّد بن علي الشَّوكاني (ت:١٢٥٠هـ) -رحمه الله- بقوله: «ولم ‌يتعبَّدني ‌الله ‌بتكفير من صار في ظاهر أَمْرِه من أهل الإسلام»( ).
ويقوم هذا الأصل على قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى ‌إِلَيْكُمُ ‌السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:94]، وما ثبت في صحيح البخاري عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: «‌مَنْ ‌صَلَّى ‌صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ».
فأحكام الإسلام تجري على الظَّواهر، واليقين بعقد الإسلام لا يزول بالشَّكِّ أو بالتَّأويلات المحتملة، وتنزيل أحكام الرِّدَّة أو الخروج عن الملَّة على أهل التَّكليف الاجتهادي بغير ناقضٍ صريحٍ قطعيٍّ هو مسلكٌ خطيرٌ يُفكِّك أواصر الأُمَّة، والسلامة أصلٌ؛ فمن استقرَّ له عقد الإسلام بظاهر مجرَّد، حرُمت استباحة عِرْضِه أو إخراجه من الملَّة إِلَّا بيقينٍ يماثلُ يقينَ أصل ثُبوته.

القاعدة الثَّالثة: وجِّه النَّقد للآراء بالتَّمحيصِ، لا إلى ‌الأشخاص ‌بالتَّنقيصِ.

لخَّص العلَّامة الشَّيخ محمَّد البشير الإبراهيميُّ (ت:١٣٨٥هـ) -رحمه الله- الضَّابط النَّظريَّ للمحاكمة العلميَّة بقوله: «فإذا لزم النَّقدُ، فلا يكون الباعثُ عليه الحِقْدُ، وليكن موجَّهاً إلى الآراء بالتَّمحيصِ، لا إلى ‌الأشخاص ‌بالتَّنقيصِ»( ).
وأصل ذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:152]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:8].
وعلى ذلك فالنَّقد الشَّرعيُّ نَقْدٌ ينصبُّ على القول والمقالَة، لا على القائل وشخصه، والخلط بين نقد الفكرة وبين شتم الذَّات هو عجزٌ علميٌّ؛ إِذْ إِنَّ إبطال الدَّليل يستدعي مقارعة الحُجَّة بالحُجَّة وَفْقَ القواعد المقرَّرة في علم أصول الفقه، بينما تجريح الأشخاص وتنقُّصهم لغوٌ يذهب ببهاء العلم، ويحرم صاحبه من بركته.
وتأسيساً على ما سبق فإِنَّه ينبغي لطالب العلم تجنُّب المزالِق في زمن تشوَّشت فيه المفاهيم، واختلطت فيه أهداف الجرح والتَّعديل بنوازع الأهواء، ومن أراد السَّلامة وأداء الواجب فعليه أن يسلك المسار الآمن، وهذه أربعة دلائل كفيلةٌ بتحقيق العدل ورحمة الخلق:
1- التَّمييز بين مقام الرِّواية ومقام الاجتهاد؛ فتجريح الرُّواة بابه حفظ السُّنَّة، ونقل الحديث وهو مقام ضرورة، أما الاختلاف في المسائل الاجتهاديَّة؛ فبابها السَّعَة والدَّوران بين الأجر والأجرين.
2- اعتماد منهج التَّفصيل والتَّبيُّن؛ فلا يُقبل إسقاط عِلْم إمامٍ أو شيخٍ أو شطب عطائه بمسألة اجتهاديَّةٍ أخطأ فيها، بل يُغمر خطؤه المرجوح في بحر صوابه المشهود.
3- تقديم حسن الظَّنِّ وقبول الأعذار؛ وحمل أقوال أهل العلم على أفضل المحامل، وإعمال قواعد الاعتذار قبل اللُّجوء إلى التَّخطئة والأخذ بالشِّدَّة.
4- الانشغال بالتَّحصيل وإشاعة القول السَّديد؛ بترك تتبُّع الهفوات وإشغال الأوقات بما ينفع الأُمَّة من المسائل المستقرَّة والتَّأصيل العلميِّ النَّافع.


وأخيراً فإِنَّ الدِّين يسرٌ، والأُمَّة مُتعبَّدةٌ بالعدل والإنصاف، وصيانة حُرمات العلماء والدُّعاة ليست حماية لأشخاصهم فقط، بل هي صيانةٌ للشَّريعة التي يحملونها، وللآثار التي يُبلِّغونها.

وختاماً فإذا استمسك طالب العلم بأدب الإمامين مالك وأحمد في ترك المخاصمة، وبوَرَع القاضي الشَّوكانيِّ في التَّوقِّي من إسقاط أهل الإسلام، وبحِكْمَة الشَّيخ الإبراهيميِّ في محاكمة الأفكار دون تجريح أصحابها؛ فقد أَمِنَ الانزلاق في مهاوي الانحراف، وكان من الأدلَّاء على خير هذا الدِّين، بالحكمة والموعظة الحسنة.
والله الموفِّق والهادي إلى سواء السَّبيل.


([1]) هو: الهيثم بن جميل، أبو سهل البغدادي ثم الأنطاكي، كان ثقةً، صاحب سُنَّةٍ؛ من أصحاب الحديث. مات سنة (213هـ). يُنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (7/490)، ترتيب المدارك (1/276)، ذكره في الرُّواة عن مالك، تذكرة الحُفَّاظ (1/363)، ميزان الاعتدال (4/320)، سير أعلام النُّبلاء (10/396)، تهذيب التَّهذيب (11/90).
([2]) رسالة السِّجزيِّ (ت:444هـ) إلى أهل زبيد في الرَّدِّ على من أنكر الحرف والصَّوت، (ص:365). وذكره ابن عبدالبَرِّ (ت:٤٦٣هـ) بدون إسنادٍ في جامع بيان العلم وفضله (2/936)، برقم (1784)، ولفظه: (قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبدالله، الرَّجُل يكون عالماً بالسُّنَّة أَيُجادل عنها؟، قال: «لا، ولكن يُخبر ‌بالسُّنَّة، فإِنْ قُبِلَتْ منه وإِلَّا سَكَتْ»)، كما ذكر مثله القاضي عياض (ت:٥٤٤هـ) في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (2/39).
([3]) هو: العبَّاس بن غالب الورَّاق، وكان شيخاً ثقةً لا بأس به، وثَّقه أبو زرعة، وأبو داود، مات ببغداد سنة (233هـ). يُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (12/136)، طبقات الحنابلة (1/236)، المنهج الأحمد (1/433).
([4]) رسالة السِّجزيِّ إلى أهل زبيد في الرَّدِّ على من أنكر الحرف والصَّوت، (ص:365-366). وذكر ابن أبي يعلى قول الإمام أحمد في طبقات الحنابلة (1/236)، والعليمي في المنهج الأحمد (1/433).
([5]) البدر الطَّالع بمحاسن من بعد القرن السَّابع (2/37).
([6]) آثار الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي (3/67).​
 
أعلى