كريم بن محمد بن لحسن
:: مطـًـلع ::
- انضم
- 15 أغسطس 2016
- المشاركات
- 124
- الإقامة
- مكناس - المغرب
- الجنس
- ذكر
- الكنية
- امصنصف
- التخصص
- الدراسات الإسلامية
- الدولة
- المغرب
- المدينة
- مكناس
- المذهب الفقهي
- مالكي
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد في هذه الورقات لم نقصد استقصاء المصنفات الأصولية وإنما نعرض منها فقط تلك التي طبعت وحتى هته الأخيرة نقتصر فيها على تلك التي شكلت خارطة طريق علم أصول الفقه وتركت بصمتها في تاريخ هذا الفن المدون ونبدؤها باعتبار الأولية في التدوين
تمهيد
يُعدُّ علم أصول الفقه من أجلِّ العلوم الشرعية رتبةً وأعظمها فائدةً؛ إذ هو العلم الذي يُعنى بوضع القواعد والمنهج الذي يسير عليه المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهو بمثابة "منطق الفقه" الذي يعصم العقل عن الوقوع في الخطأ أثناء عملية الاستنباط. وقد مرَّ هذا العلم بمراحل تاريخية متلاحقة بدأت كملكة راسخة في نفوس الصحابة قبل أن تستحيل صنعة مدونة. في مرحلة ما قبل التدوين، كانت القواعد الأصولية موجودة كـ "سليقة" لدى الصحابة والتابعين، حيث كانت لغتهم العربية أصيلة ومعرفتهم بظروف التشريع قوية، وكان الاجتهاد في عهد النبوة يعتمد على الوحي بالدرجة الأولى، بينما كان الصحابة والتابعون يمارسون القواعد الأصولية بسليقتهم وملكتهم اللسانية القوية دون حاجة لتدوينها. وقد استخدم الصحابة طرقاً عُرِفت لاحقاً بالقياس والمصلحة والإجماع، مثلما فعل أبو بكر وعمر في قضايا الجنايات وحد شرب الخمر. إلا أن الحاجة لتدوين هذه المناهج لم تبرز إلا مع اتساع الفتوحات، واختلاط العرب بالأعاجم، وظهور الفرق والمذاهب، مما خشي معه على ضياع ملكة الاستنباط الصحيح.
الأولية في التدوين
بدأت حركة التدوين الرسمية والمستقلة لهذا العلم في مطلع القرن الثالث الهجري (204هـ) بصدور كتاب "الرسالة" للإمام محمد بن إدريس الشافعي. ويُعتبر الشافعي منشأ الكتابة الأصولية المنهجية التي استهدفت تقنين قواعد الاستنباط بصورة علمية منظمة، حيث استوعب في رسالته المباحث البيانية، وحجية السنة، والقياس، والإجماع، والناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص. ومع نهاية القرن الثالث، شهد العلم توسعاً بدخول اتجاهات جديدة، فظهر عام (290هـ) كتاب "الغنية في الأصول" لأبي صالح السجستاني.
ثم في القرن الرابع الهجري، برزت مدرسة الحنفية في التدوين، فصدر عام (325هـ) كتاب "الخمسين" (أصول الشاشي) لإسحاق بن إبراهيم الشاشي، والذي يعد من أوائل الكتب التي سعت لضبط أصول المذهب الحنفي. تلاه عام (340هـ) رسالة في الأصول (المدار في الأصول) لأبي الحسن الكرخي البغدادي، الذي وضع بذور الطريقة الحنفية القائمة على استخراج الأصول من الفروع. وفي عام (370هـ) ألف أبو بكر الجصاص كتاب "الفصول في الأصول"، الذي يعد نقلة نوعية في علم الأصول من حيث وضوح التبويب، وشموله لمباحث جديدة لم تكن في رسالة الشافعي، مثل معاني الحروف وشرائع من قبلنا. وفي نهاية القرن الرابع، عام (397هـ)، وضع أبو الحسن علي بن القصار "المقدمة في الأصول"، التي سعى فيها لتأصيل مذهب الإمام مالك متبعاً المنهج الأصولي.
مع بداية القرن الخامس الهجري، دخل علم الأصول مرحلة "إعادة التأسيس" على يد "القاضيين": قاضي السنة أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) صاحب كتاب "التقريب والإرشاد"، وقاضي المعتزلة عبد الجبار الهمداني (ت 415هـ) صاحب كتاب "العمد". لقد وسع هذان الإمامان العبارات، وأدخلا المباحث الكلامية والمنطقية في صلب العلم، مما أدى لظهور "طريقة المتكلمين" التي تعتمد النظر العقلي المجرد في تقرير القواعد بعيداً عن الفروع الفقهية. وفي نفس الحقبة، عام (403هـ)، ألف ابن حامد الوراق كتاب "تهذيب الأجوبة" ممثلاً مدرسة الحنابلة في الأصول.
في عام (428هـ)، كتب ابن شهاب العكبري الحنبلي "رسالة العكبري في أصول الفقه". ثم في عام (430هـ)، ألف أبو زيد الدبوسي كتابي "تأسيس النظر" و"تقويم الأدلة"، حيث تميز الأخير بتقسيم مبتكر للأدلة إلى ما يوجب العلم وما يوجب العمل. وفي عام (436هـ)، برز كتابان هامان: "المعتمد" لأبي الحسين البصري المعتزلي، الذي حاول فيه تخليص الأصول من "دقيق الكلام" الزائد، وكتاب "الذريعة إلى أصول الشريعة" للسيد المرتضى، وهو أول مصنف أصولي متكامل عند الشيعة الإمامية.
شهد منتصف القرن الخامس، عام (456هـ)، تأليف علي بن حزم الأندلسي لكتاب "الإحكام في أصول الأحكام" و"النبذة الكافية"، حيث أسس لمنهج الظاهرية الرافض للقياس والتعليل العقلي. وتلاه في عام (458هـ) القاضي أبو يعلى الفراء بكتاب "العدة في أصول الفقه"، وهو أول كتاب متكامل يصلنا في أصول الحنابلة، حيث استنبط القواعد من نصوص الإمام أحمد. وفي عام (460هـ)، ألف الشيخ الطوسي كتاب "عدة الأصول"، الذي يعد من أهم المراجع الأصولية عند الشيعة.
استمر العطاء المذهبي في عام (474هـ) بكتاب "إحكام الفصول في أحكام الأصول" لأبي الوليد الباجي المالكي، الذي التزم فيه بمنهج المتكلمين مع التمثيل بفروع مذهبه. وفي عام (476هـ)، وضع أبو إسحاق الشيرازي كتابيه "اللمع" و"التبصرة"، اللذين تميزا بتبسيط العلم وتسهيله للمبتدئين. ثم جاء عام (478هـ) بكتاب "البرهان في أصول الفقه" لإمام الحرمين الجويني، وهو كتاب وصفه العلماء بـ "الغريب الفريد" لعمقه الفلسفي وتأصيله لمنطقية القواعد.
في نهاية القرن الخامس، عام (482هـ)، ألف فخر الإسلام البزدوي كتاب "كنز الوصول" (أصول البزدوي)، الذي رتب فيه الأصول حسب الأدلة الشرعية ولقي قبولاً منقطع النظير عند الحنفية. وتلاه في عام (489هـ) أبو المظفر السمعاني بكتاب "قواطع الأدلة"، منتقداً توغل المتكلمين في الأصول وداعياً للعودة للمنهج الفقهي التطبيقي. وفي عام (490هـ)، وضع شمس الأئمة السرخسي كتابه "أصول السرخسي"، مؤصلاً للمذهب الحنفي ومنافحاً عنه. توجت هذه المرحلة في عام (505هـ) بمؤلفات أبي حامد الغزالي، خاصة كتاب "المستصفى من علم الأصول" وكتاب "المنخول"، حيث يعد "المستصفى" قمة التطور المنهجي، إذ قسم الأصول إلى أربعة "أقطاب" (الأحكام، الأدلة، طرق الاستثمار، والمجتهد) وقدم لها بمقدمة منطقية اعتبرها مقدمة لكل العلوم.
مع مطلع القرن السادس الهجري، شهد علم أصول الفقه حركة نشطة لترسيخ القواعد المذهبية وتطوير المناهج التعليمية. ففي عام (510هـ)، برز كتاب "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني، وهو مصنف حنبلي اعتمد فيه مؤلفه بشكل كبير على نصوص القاضي أبي الحسين البصري المعتزلي، ناقلاً إياها بدقة لتدعيم أصول المذهب الحنبلي. وتلاه في عام (513هـ) أبو الوفاء علي بن عقيل بكتابه "الواضح في أصول الفقه"، الذي يعد من أضخم الموسوعات الأصولية عند الحنابلة، حيث استوعب فيه مباحث العلم وفصلها تفصيلاً دقيقاً.
وفي عام (518هـ)، ألف ابن برهان البغدادي كتاب "الوصول إلى الأصول" (الأوسط)، وهو كتاب شاع ذكره بين الشافعية، وتميز بدقته في ضبط المصطلحات والتعاريف الأصولية، حتى اعتبره العلماء مرجعاً مهماً في معرفة الأحكام المستنبطة من مظانها. وبحلول عام (536هـ)، وضع الإمام المازري المالكي كتابه "إيضاح المحصول من برهان الأصول"، وهو شرح وتعليق على كتاب البرهان للجويني، مما يعكس اهتمام المالكية بالمناهج الأصولية العميقة.
شهدت هذه الحقبة أيضاً تطوراً في المدرسة الحنفية؛ ففي عام (537هـ)، وضع أبو حفص عمر النسفي شرحاً على "مدار الأصول" للكرخي. وفي عام (539هـ)، ألف علاء الدين السمرقندي كتابه الشهير "ميزان الأصول في نتائج العقول"، والذي يعد من أهم كتب الحنفية التي سلكت طريقة المتكلمين، حيث افتتحه بمقدمة عن مفهوم العلم وعقد أبواباً مفصلة للحكم الشرعي ودلالات الألفاظ، رابطاً المسائل الأصولية بالأصول العقدية الماتريدية. ثم في عام (543هـ)، أسهم ابن العربي المعافري بكتابه "المحصول في أصول الفقه" في إثراء المدرسة المالكية.
ومع نهاية القرن السادس، عام (552هـ)، ألف علاء الدين الأسمندي كتابه "بذل النظر في الأصول". وفي عام (595هـ)، وضع ابن رشد الحفيد كتابه "الضروري في أصول الفقه"، وهو مختصر بارع لكتاب "المستصفى" للغزالي، حاول فيه تقديم زبدة الفكر الأصولي بأسلوب منطقي ميسر.
جاء عام (606هـ) ليمثل ذروة "تحرير العلم" بوفاة الإمام فخر الدين الرازي، صاحب كتاب "المحصول في علم أصول الفقه" وكتاب "المعالم". لقد أحدث "المحصول" نقلة نوعية كبرى؛ إذ قام الرازي بجمع شتات المادة العلمية من الكتب الأربعة الكبار (العمد، المعتمد، البرهان، المستصفى)، وهذبها ونقحها وأضاف إليها من تحقيقاته وتدقيقاته العقلية ما جعل كتابه مداراً للعلماء من بعده. لقد تميز الرازي بقدرته الفائقة على الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، وأصبح كتابه أصلاً لمعظم المختصرات والشروح اللاحقة.
وفي عام (616هـ)، وضع علي بن إسماعيل الأبياري كتابه "التحقيق والبيان في شرح البرهان"، مستمراً في نهج المالكية في العناية بآراء إمام الحرمين. ثم في عام (620هـ)، ألف ابن قدامة المقدسي كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، وهو كتاب حنبلي بني في هيكله ومادته على كتاب "المستصفى" للغزالي، مما جعل المنهج الغزالي مستقراً في المدرسة الحنبلية.
توجت هذه المرحلة في عام (631هـ) بوفاة سيف الدين الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام"، وهو القطب الثاني في هذه الفترة إلى جانب الرازي. تميز الآمدي في كتابه بالولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل بدقة وهدوء، مستوعباً جهود المتكلمين السابقة في موسوعة تميزت بسهولة اللغة وحسن التقسيم. وبوفاة هذين الإمامين (الرازي والآمدي)، استقر علم الأصول مادةً ومنهجاً، ودخلت طريقة المتكلمين طور "النضوج والاستقرار".
تلى ذلك في عام (644هـ) كتاب "شرح المعالم" لابن التلمساني. ثم في عام (646هـ)، ألف ابن الحاجب كتابه "منتهى السول والأمل"، وهو مختصر لكتاب "الإحكام" للآمدي، وقد بلغ فيه ابن الحاجب الغاية في الاختصار والتعقيد، مما جعل كتابه لغزاً يحتاج إلى شروح كثيرة، ولكنه صار عمدة للمالكية والشافعية في دروسهم.
شهد منتصف القرن السابع الهجري وما تلاه حركة علمية دؤوبة ركزت على استخلاص زبدة التراث الأصولي الضخم الذي خلفه الرازي والآمدي. ففي عام (652هـ)، برزت جهود أسرة آل تيمية الحنبلية بكتاب "المسودة في أصول الفقه"، الذي ابتدأه الجد مجد الدين بن تيمية، وسار فيه على منهج المتكلمين في تقرير القواعد. وفي عام (653هـ)، ألف تاج الدين الأرموي كتاب "الحاصل من المحصول"، وهو من أوائل المختصرات التي سعت لتقريب مادة الرازي العلمية وتسهيلها. وتلاه في عام (657هـ) أبو محمد عبد الله البرزي الواسطي بكتاب "غرر المحصول في علم الأصول".
استمر الاهتمام بمدرسة الرازي، ففي عام (682هـ) ألف سراج الدين الأرموي كتاب "التحصيل من المحصول"، وهو المختصر الثاني الذي -إلى جانب الحاصل- شكل المادة الأساسية التي اعتمد عليها القاضي البيضاوي لاحقاً. وفي العام نفسه (682هـ)، أضاف شهاب الدين بن تيمية إضافاته على كتاب "المسودة". ثم في عام (683هـ)، ألف ناصر الدين ابن المنير الإسكندراني المالكي كتاب "الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول"، مؤكداً حضور المالكية في هذا الميدان.
جاء عام (684هـ) ليمثل محطة مالكية بارزة بوفاة شهاب الدين القرافي، صاحب "تنقيح الفصول" وكتاب "نفائس الأصول". ويعد "النفائس" من أضخم الشروح على "محصول" الرازي، حيث حفظ لنا القرافي فيه مادة علمية من كتب أصولية مفقودة، بينما أصبح مختصره "التنقيح" من أهم المتون التعليمية التي تدارسها المالكية. وفي عام (685هـ)، وضع القاضي البيضاوي كتابه الشهير "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، والذي لخص فيه زبدة الفكر الأصولي لمدرسة الرازي عبر مختصري الأرموي، ليصبح "المنهاج" واحداً من أهم ثلاثة متون سيطرت على المنهجية التعليمية لقرون.
تتابعت الشروح، ففي عام (688هـ) وضع شمس الدين محمد الأصبهاني كتاب "الكاشف على المحصول". وفي المدرسة الحنفية، شهد عام (691هـ) تأليف جلال الدين الخبازي لكتاب "المغني في أصول الفقه"، الذي اعتمد فيه على أصول البزدوي والسرخسي مع صياغة جديدة ميسرة.
ظهر تحول منهجي هام في عام (694هـ) بوفاة مظفر الدين بن الساعاتي، صاحب كتاب "بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام". لقد كان ابن الساعاتي أول من فتح باب "الطريقة الجامعة"، حيث جمع بين منهج الحنفية (المعتمد على الفروع) ومنهج المتكلمين (المعتمد على القواعد النظرية)، محاولاً الاستفادة من محاسن الطريقتين في مؤلف واحد.
مع مطلع القرن الثامن الهجري، وتحديداً في عام (701هـ)، ألف ركن الدين السمرقندي كتاب "جامع الأصول"، متبعاً نهج مدرسته في ربط القواعد بالاعتقاد. وفي عام (710هـ)، وضع أبو البركات النسفي متن "منار الأنوار" (المنار)، الذي يعد من أكثر الكتب الحنفية تداولاً وقبولاً، وعليه دارت معظم الشروح اللاحقة لضبط أصول المذهب. وتلاه الحسام السغناقي في عام (714هـ) بكتاب "الكافي" شرحاً على أصول البزدوي.
وفي عام (715هـ)، ألف صفي الدين الهندي كتاب "نهاية الوصول إلى دراية الأصول" وكتاب "الفائق"، مستوعباً فيها دقائق المسائل بأسلوب المتكلمين. وفي عام (716هـ)، برز نجم الدين الطوفي الحنبلي بكتابه "شرح مختصر الروضة"، وهو شرح حافل تضمن مناقشات عميقة وتحقيقات أصولية متميزة. وفي عام (728هـ)، اكتملت مسيرة "المسودة" بإضافات تقي الدين بن تيمية، الذي قدم رؤية نقدية لعديد من القواعد الأصولية السائدة.
توجت جهود الشرح الحنفي في عام (730هـ) بكتاب "كشف الأسرار" لعلاء الدين عبد العزيز البخاري، وهو الشرح العمدة لأصول البزدوي، ويتميز بعمقه في تحليل القواعد الحنفية ومقارنتها بآراء المتكلمين. وفي عام (739هـ)، ألف صفي الدين القطيعي البغدادي الحنبلي "قواعد الأصول ومعاقد الفصول". تلاه في عام (741هـ) محمد بن جزي الكلبي بكتاب "تقريب الوصول"، الذي سعى فيه لتبسيط العلم للمبتدئين.
شهد عام (747هـ) محطة أخرى في الطريقة الجامعة بكتاب "التوضيح لحل غوامض التنقيح" لصدر الشريعة المحبوبي، حيث جمع فيه بين أصول البزدوي والإحكام لابن الحاجب، مؤصلاً لمذهب الحنفية بأسلوب عقلي رصين. وفي عام (749هـ)، وضع شمس الدين الأصبهاني كتاب "بيان المختصر" شرحاً لمختصر ابن الحاجب.
شهد عام (756هـ) منعطفاً تاريخياً في حركة التدوين؛ إذ برزت في هذا العام ثلاثة من أهم المصنفات التي شكلت عصب الدراسة الأصولية لقرون. فقد وضع عضد الدين الإيجي شرحه الشهير على "مختصر المنتهى" لابن الحاجب، وهو الشرح الذي فاق الشروح "السبعة السيارة" شهرةً وإتقاناً. وفي الوقت نفسه، كان تاج الدين السبكي يضع اللمسات الأخيرة على كتابه "جمع الجوامع"، الذي أصبح المتن الثالث الذي يكتمل به عقد "المتون التعليمية الكبرى" إلى جانب المنهاج والمختصر. كما ألف السبكي (الأب والابن) كتاب "الإبهاج" شرحاً لمنهاج البيضاوي، ووضع تاج الدين كتاب "رفع الحاجب" شرحاً لمختصر ابن الحاجب.
تلى ذلك في عام (763هـ) تأليف شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي لكتاب "أصول الفقه"، وهو مصنف حنبلي سار فيه على نمط مختصر ابن الحاجب، جامعاً فيه قواعد المذهب بأسلوب المتكلمين. وفي عام (771هـ)، وضع الشريف التلمساني كتابه "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول"، وهو عمل رائد في فن "تخريج الفروع على الأصول" سعى فيه لربط القواعد الكلية بتطبيقاتها الفقهية الواقعية.
جاء عام (772هـ) بمؤلفات تعليمية هامة، حيث برز جمال الدين الإسنوي بكتابه "نهاية السول"، وهو شرح لمنهاج البيضاوي تميز بدقته ومنهجيته، حتى أصبح عمدةً في تدريس المتن. وفي العام نفسه، وضع يحيى بن موسى الرهوني كتاب "تحفة المسؤول" شرحاً لمختصر ابن الحاجب، مؤكداً استمرار العناية المالكية بهذا المختصر. وفي عام (786هـ)، ألف محمد البابرتي "الردود والنقود" شرحاً لمختصر ابن الحاجب، ممثلاً الحضور الحنفي في شرح هذا المتن العابر للمذاهب.
شهد عام (790هـ) وفاة الإمام الشاطبي صاحب كتاب "الموافقات في أصول الأحكام"، وهو الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية من خلال إبراز "المقاصد الشرعية" وجعلها ركيزة أساسية لعملية الاستنباط والاجتهاد. وتلاه في عام (793هـ) السعد التفتازاني بحاشيته الشهيرة "التلويح على التوضيح"، التي جمع فيها بين أصول الحنفية ومنهج المتكلمين بأسلوب عقلي رصين. ثم جاء عام (794هـ) بوفاة بدر الدين الزركشي صاحب "البحر المحيط"، وهو أضخم موسوعة أصولية استقصائية جمعت شتات الأقوال والمذاهب من مئات الكتب (كثيراً منها مفقود اليوم)، واعتبره العلماء مرجعاً لا يستغنى عنه في معرفة الخلاف العالي.
مع مطلع القرن التاسع الهجري، عام (803هـ)، لخص ابن اللحام البعلي "روضة الناظر" في كتابه "المختصر في أصول الفقه"، مسهلاً مادة المدرسة الحنبلية. وفي عام (826هـ)، ألف ولي الدين أبو زرعة العراقي "الغيث الهامع" شرحاً لجمع الجوامع، مستمداً مادتها من شرح الزركشي مع صياغة تعليمية محكمة. وتبع ذلك في عام (831هـ) وضع شمس الدين البرماوي لكتاب "الفوائد السنية" شرحاً للألفية. وفي عام (834هـ)، ألف شمس الدين الفناري "فصول البدائع في أصول الشرائع"، وهو من الكتب الحنفية الجامعة التي استغرق تأليفها ثلاثين سنة.
جاء عام (861هـ) بكتاب "التحرير" لكمال الدين بن الهمام، الذي بلغ فيه غاية الاختصار حتى قيل إنه "يفتح المعميات"، ولكنه صار عمدةً للحنفية والشافعية. وتلاه في عام (864هـ) جلال الدين المحلي بشرحه الشهير على "جمع الجوامع" (البدر الطالع)، وهو الشرح الذي أصبح المتن الرسمي للتدريس في الأزهر لقرون طويلة. وفي عام (871هـ)، وضع شمس الدين المارديني "الأنجم الزاهرات" على حل ألفاظ الورقات.
وفي نهاية القرن التاسع، عام (879هـ)، ألف زين الدين قاسم بن قطلوبغا "خلاصة الأفكار" شرحاً لمختصر المنار. كما وضع ابن أمير الحاج كتاب "التقرير والتحبير" شرحاً لـ "تحرير" ابن الهمام، وفيه تفصيل كبير للمسائل. وفي عام (883هـ)، وضع تقي الدين الجراعي شرحه على مختصر ابن اللحام. وبحلول عام (885هـ)، ألف علاء الدين المرداوي "تحرير المنقول" وشرحه "التحبير"، محققاً مذهب الحنابلة في الأصول. وفي العام نفسه، وضع ملا خسرو "مرآة الأصول"، وهو متن جامع جمع فيه زبدة أفكار المتقدمين والمتأخرين على طريقة الحنفية الجامعة.
استمر العطاء العلمي في عام (893هـ) بكتاب "الدرر اللوامع" لأحمد الكوراني، وفي عام (899هـ) بكتاب "رفع النقاب" للحسين الشوشاوي. ومع مطلع القرن العاشر، عام (909هـ)، ألف ابن المبرد "غاية السول" و"مجمع الأصول". وتلاه في عام (911هـ) وفاة جلال الدين السيوطي صاحب "الكوكب الساطع"، وهو نظم بارع لجمع الجوامع مع شرحه تميز بسهولة العبارة. وفي عام (926هـ)، وضع زكريا الأنصاري "لب الأصول" وشرحه "غاية الوصول"، وهو من المختصرات الشافعية التي لقيت قبولاً واسعاً.
استمراراً لحركة الشرح والتحشية التي سادت في القرون المتأخرة، شهد عام (935هـ) وضع رضي الدين الغزي لشرحه على «الدرر اللوامع». وفي عام (957هـ)، برز الإسهام العلمي في المدرسة الزيدية بكتاب «الكافل بنيل السول في علم الأصول» لمحمد بن يحيى بهران. وجاء عام (972هـ) بعملين جليلين أثرا في المدرسين الحنبلية والحنفية؛ وهما «شرح الكوكب المنير» (المختبر المبتكر) لابن النجار الفتوحي الذي يعد من أدق ما حرر في أصول الحنابلة، وكتاب «تيسير التحرير» لأمير بادشاه، وهو شرح وافٍ لمتن «التحرير» لابن الهمام.
تلى ذلك في عام (994هـ) تأليف أحمد بن قاسم العبادي لكتابه «الآيات البينات»، الذي يعد من أهم الحواشي على شرح المحلي لجمع الجوامع. ومع مطلع القرن الحادي عشر الهجري، وتحديداً في عام (1006هـ)، ألف أحمد بن محمد الزيلي شرحاً على متن «المنار». وفي عام (1014هـ)، وضع الملا علي القاري كتابه «توضيح المباني وتنقيح المعاني». وبحلول عام (1031هـ)، ألف زين الدين عبد الرؤوف المناوي كتاب «إحسان التقرير في شرح التحرير».
شهد منتصف القرن الحادي عشر عام (1039هـ) تأليف أحمد بن محمد لقمان لكتاب «الكاشف لذوي العقول». وفي عام (1041هـ)، وضع إبراهيم اللقاني كتاب «إتحاف المريد». ثم في عام (1051هـ)، ألف عبد الحليم بن لطف الله شرحه على متن «المنار». وجاء عام (1061هـ) بكتاب «الأنوار الهادية لذوي العقول» لأحمد بن يحيى حابس. وفي أواخر هذا القرن، توالت الحواشي على متن «مرآة الأصول» لملا خسرو، منها حاشية حامد بن مصطفى القونوي (1098هـ)، وحاشية سليمان الأزميري (1102هـ)، وحاشية مصطفى أفندي البسنوي (1110هـ).
في مطلع القرن الثاني عشر الهجري، عام (1113هـ)، ألف محمد الطيب الفاسي كتاب «مفتاح الوصول إلى علم الأصول». وتبعه في عام (1119هـ) ظهور كتاب «مسلم الثبوت» لمحب الله البهاري، وهو الكتاب الذي وصفه العلماء بأنه من أدق ما صنفه المتأخرون لجمعه بين طريقتي الحنفية والمتكلمين بعبارة مركزة. وفي عام (1130هـ)، وضع أحمد بن أبي سعيد الملاجيون كتابه «نور الأنوار في شرح المنار». ثم في عام (1165هـ)، ألف أحمد بن مصطفى الخادمي حاشيته الشهيرة على «مرآة الأصول».
جاء عام (1172هـ) بكتاب «بغية الآمل وإجابة السائل» للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني. وفي عام (1180هـ)، وضع عبد العلي اللكنوي شرحه الموسع «فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت»، الذي أصبح مرجعاً رئيساً في فك مغالق متن البهاري. وتلاه في عام (1189هـ) أحمد بن عبد الله البعلي بكتاب «الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير». وفي عام (1198هـ)، وضعت «حاشية البناني» على شرح المحلي لجمع الجوامع، والتي سادت في الأوساط العلمية لقرون. وختم القرن عام (1199هـ) بكتاب «فتح الأسرار في شرح المغني» لملا خسرو المتأخر.
مع بداية القرن الثالث عشر، عام (1233هـ)، ألف محمد اليعقوبي «فتح الباقي على منظومة المراقي». وفي عام (1235هـ)، وضع عبد الله بن إبراهيم الشنقيطي كتابه «نشر البنود على مراقي السعود»، وهو من أهم المراجع الشارحة للمدرسة المالكية في المغرب. وشهد عام (1250هـ) صدور كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» لمحمد بن علي الشوكاني، الذي مثّل حركة نقدية تدعو لنبذ التقليد والعودة للاجتهاد. وفي العام نفسه (1250هـ)، وضع حسن العطار حاشيته الشهيرة على شرح المحلي. وتلاه في عام (1252هـ) محمد أمين بن عابدين بحاشيته «نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار».
بدأت مرحلة "التبسيط الحديث" عام (1287هـ) بوفاة الشيخ محمد الخضري، صاحب كتاب «أصول الفقه»، وهو تهذيب وتيسير لمادة «المستصفى» للغزالي، استهدف به تقريب العلم لطلاب مدرسة القضاء الشرعي. وتلاه في عام (1304هـ) «سلم الوصول إلى علم الأصول» لمحمد أسعد عبه جي. وفي عام (1354هـ)، وضع محمد بخيت المطيعي كتابه «سلم الوصول لشرح نهاية السول». وفي عام (1359هـ)، ألف عبد الحميد بن باديس «مبادئ الأصول».
جاء عام (1375هـ) ليمثل منعطفاً في الكتابة الجامعية بصدور كتاب «علم أصول الفقه» للشيخ عبد الوهاب خلاف، الذي تميز بصياغة حديثة ميسرة. وشهد عام (1393هـ) اهتماماً كبيراً بالمقاصد مع الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وفي العام نفسه وضع محمد الأمين الشنقيطي «مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر» وكتاب «نثـر الورود شرح مراقي السعود». وتلاه عام (1394هـ) علال الفاسي بكتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، ومحمد أبو زهرة بكتابه «أصول الفقه».
استمر العطاء العلمي عام (1398هـ) بكتاب «أصول التشريع الإسلامي» لعلي حسب الله. وفي عام (1408هـ)، وضع يوسف حامد العالم كتابه «المقاصد العامة للشريعة الإسلامية». وتلاه في عام (1414هـ) أبو النور زهير بكتابه «أصول الفقه» الذي أخرج فيه العلم في ثوب جديد للطلاب. وبحلول عام (1435هـ)، برز كتابان هامان: «الوجيز في أصول الفقه» لعبد الكريم زيدان، و«المهذب في علم أصول الفقه المقارن» لعبد الكريم النملة في خمسة مجلدات. وفي عام (1436هـ)، ألف وهبة الزحيلي «أصول الفقه الإسلامي». وتلاه محمد أديب صالح عام (1438هـ) بكتاب «مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط».
وختاماً، تبرز في العصر المعاصر جهود رصينة مثل شروح مولود السريري على «الموافقات» و«المستصفى»، وشروح «الرسالة» لكل من مصطفى مخدوم، ومحمد بن عبد العزيز المبارك، وسعد بن ناصر الشتري، وكتاب «إتحاف العقول» لمحمد بن سعد بيومي.
تمهيد
يُعدُّ علم أصول الفقه من أجلِّ العلوم الشرعية رتبةً وأعظمها فائدةً؛ إذ هو العلم الذي يُعنى بوضع القواعد والمنهج الذي يسير عليه المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهو بمثابة "منطق الفقه" الذي يعصم العقل عن الوقوع في الخطأ أثناء عملية الاستنباط. وقد مرَّ هذا العلم بمراحل تاريخية متلاحقة بدأت كملكة راسخة في نفوس الصحابة قبل أن تستحيل صنعة مدونة. في مرحلة ما قبل التدوين، كانت القواعد الأصولية موجودة كـ "سليقة" لدى الصحابة والتابعين، حيث كانت لغتهم العربية أصيلة ومعرفتهم بظروف التشريع قوية، وكان الاجتهاد في عهد النبوة يعتمد على الوحي بالدرجة الأولى، بينما كان الصحابة والتابعون يمارسون القواعد الأصولية بسليقتهم وملكتهم اللسانية القوية دون حاجة لتدوينها. وقد استخدم الصحابة طرقاً عُرِفت لاحقاً بالقياس والمصلحة والإجماع، مثلما فعل أبو بكر وعمر في قضايا الجنايات وحد شرب الخمر. إلا أن الحاجة لتدوين هذه المناهج لم تبرز إلا مع اتساع الفتوحات، واختلاط العرب بالأعاجم، وظهور الفرق والمذاهب، مما خشي معه على ضياع ملكة الاستنباط الصحيح.
الأولية في التدوين
بدأت حركة التدوين الرسمية والمستقلة لهذا العلم في مطلع القرن الثالث الهجري (204هـ) بصدور كتاب "الرسالة" للإمام محمد بن إدريس الشافعي. ويُعتبر الشافعي منشأ الكتابة الأصولية المنهجية التي استهدفت تقنين قواعد الاستنباط بصورة علمية منظمة، حيث استوعب في رسالته المباحث البيانية، وحجية السنة، والقياس، والإجماع، والناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص. ومع نهاية القرن الثالث، شهد العلم توسعاً بدخول اتجاهات جديدة، فظهر عام (290هـ) كتاب "الغنية في الأصول" لأبي صالح السجستاني.
ثم في القرن الرابع الهجري، برزت مدرسة الحنفية في التدوين، فصدر عام (325هـ) كتاب "الخمسين" (أصول الشاشي) لإسحاق بن إبراهيم الشاشي، والذي يعد من أوائل الكتب التي سعت لضبط أصول المذهب الحنفي. تلاه عام (340هـ) رسالة في الأصول (المدار في الأصول) لأبي الحسن الكرخي البغدادي، الذي وضع بذور الطريقة الحنفية القائمة على استخراج الأصول من الفروع. وفي عام (370هـ) ألف أبو بكر الجصاص كتاب "الفصول في الأصول"، الذي يعد نقلة نوعية في علم الأصول من حيث وضوح التبويب، وشموله لمباحث جديدة لم تكن في رسالة الشافعي، مثل معاني الحروف وشرائع من قبلنا. وفي نهاية القرن الرابع، عام (397هـ)، وضع أبو الحسن علي بن القصار "المقدمة في الأصول"، التي سعى فيها لتأصيل مذهب الإمام مالك متبعاً المنهج الأصولي.
مع بداية القرن الخامس الهجري، دخل علم الأصول مرحلة "إعادة التأسيس" على يد "القاضيين": قاضي السنة أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) صاحب كتاب "التقريب والإرشاد"، وقاضي المعتزلة عبد الجبار الهمداني (ت 415هـ) صاحب كتاب "العمد". لقد وسع هذان الإمامان العبارات، وأدخلا المباحث الكلامية والمنطقية في صلب العلم، مما أدى لظهور "طريقة المتكلمين" التي تعتمد النظر العقلي المجرد في تقرير القواعد بعيداً عن الفروع الفقهية. وفي نفس الحقبة، عام (403هـ)، ألف ابن حامد الوراق كتاب "تهذيب الأجوبة" ممثلاً مدرسة الحنابلة في الأصول.
في عام (428هـ)، كتب ابن شهاب العكبري الحنبلي "رسالة العكبري في أصول الفقه". ثم في عام (430هـ)، ألف أبو زيد الدبوسي كتابي "تأسيس النظر" و"تقويم الأدلة"، حيث تميز الأخير بتقسيم مبتكر للأدلة إلى ما يوجب العلم وما يوجب العمل. وفي عام (436هـ)، برز كتابان هامان: "المعتمد" لأبي الحسين البصري المعتزلي، الذي حاول فيه تخليص الأصول من "دقيق الكلام" الزائد، وكتاب "الذريعة إلى أصول الشريعة" للسيد المرتضى، وهو أول مصنف أصولي متكامل عند الشيعة الإمامية.
شهد منتصف القرن الخامس، عام (456هـ)، تأليف علي بن حزم الأندلسي لكتاب "الإحكام في أصول الأحكام" و"النبذة الكافية"، حيث أسس لمنهج الظاهرية الرافض للقياس والتعليل العقلي. وتلاه في عام (458هـ) القاضي أبو يعلى الفراء بكتاب "العدة في أصول الفقه"، وهو أول كتاب متكامل يصلنا في أصول الحنابلة، حيث استنبط القواعد من نصوص الإمام أحمد. وفي عام (460هـ)، ألف الشيخ الطوسي كتاب "عدة الأصول"، الذي يعد من أهم المراجع الأصولية عند الشيعة.
استمر العطاء المذهبي في عام (474هـ) بكتاب "إحكام الفصول في أحكام الأصول" لأبي الوليد الباجي المالكي، الذي التزم فيه بمنهج المتكلمين مع التمثيل بفروع مذهبه. وفي عام (476هـ)، وضع أبو إسحاق الشيرازي كتابيه "اللمع" و"التبصرة"، اللذين تميزا بتبسيط العلم وتسهيله للمبتدئين. ثم جاء عام (478هـ) بكتاب "البرهان في أصول الفقه" لإمام الحرمين الجويني، وهو كتاب وصفه العلماء بـ "الغريب الفريد" لعمقه الفلسفي وتأصيله لمنطقية القواعد.
في نهاية القرن الخامس، عام (482هـ)، ألف فخر الإسلام البزدوي كتاب "كنز الوصول" (أصول البزدوي)، الذي رتب فيه الأصول حسب الأدلة الشرعية ولقي قبولاً منقطع النظير عند الحنفية. وتلاه في عام (489هـ) أبو المظفر السمعاني بكتاب "قواطع الأدلة"، منتقداً توغل المتكلمين في الأصول وداعياً للعودة للمنهج الفقهي التطبيقي. وفي عام (490هـ)، وضع شمس الأئمة السرخسي كتابه "أصول السرخسي"، مؤصلاً للمذهب الحنفي ومنافحاً عنه. توجت هذه المرحلة في عام (505هـ) بمؤلفات أبي حامد الغزالي، خاصة كتاب "المستصفى من علم الأصول" وكتاب "المنخول"، حيث يعد "المستصفى" قمة التطور المنهجي، إذ قسم الأصول إلى أربعة "أقطاب" (الأحكام، الأدلة، طرق الاستثمار، والمجتهد) وقدم لها بمقدمة منطقية اعتبرها مقدمة لكل العلوم.
مع مطلع القرن السادس الهجري، شهد علم أصول الفقه حركة نشطة لترسيخ القواعد المذهبية وتطوير المناهج التعليمية. ففي عام (510هـ)، برز كتاب "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني، وهو مصنف حنبلي اعتمد فيه مؤلفه بشكل كبير على نصوص القاضي أبي الحسين البصري المعتزلي، ناقلاً إياها بدقة لتدعيم أصول المذهب الحنبلي. وتلاه في عام (513هـ) أبو الوفاء علي بن عقيل بكتابه "الواضح في أصول الفقه"، الذي يعد من أضخم الموسوعات الأصولية عند الحنابلة، حيث استوعب فيه مباحث العلم وفصلها تفصيلاً دقيقاً.
وفي عام (518هـ)، ألف ابن برهان البغدادي كتاب "الوصول إلى الأصول" (الأوسط)، وهو كتاب شاع ذكره بين الشافعية، وتميز بدقته في ضبط المصطلحات والتعاريف الأصولية، حتى اعتبره العلماء مرجعاً مهماً في معرفة الأحكام المستنبطة من مظانها. وبحلول عام (536هـ)، وضع الإمام المازري المالكي كتابه "إيضاح المحصول من برهان الأصول"، وهو شرح وتعليق على كتاب البرهان للجويني، مما يعكس اهتمام المالكية بالمناهج الأصولية العميقة.
شهدت هذه الحقبة أيضاً تطوراً في المدرسة الحنفية؛ ففي عام (537هـ)، وضع أبو حفص عمر النسفي شرحاً على "مدار الأصول" للكرخي. وفي عام (539هـ)، ألف علاء الدين السمرقندي كتابه الشهير "ميزان الأصول في نتائج العقول"، والذي يعد من أهم كتب الحنفية التي سلكت طريقة المتكلمين، حيث افتتحه بمقدمة عن مفهوم العلم وعقد أبواباً مفصلة للحكم الشرعي ودلالات الألفاظ، رابطاً المسائل الأصولية بالأصول العقدية الماتريدية. ثم في عام (543هـ)، أسهم ابن العربي المعافري بكتابه "المحصول في أصول الفقه" في إثراء المدرسة المالكية.
ومع نهاية القرن السادس، عام (552هـ)، ألف علاء الدين الأسمندي كتابه "بذل النظر في الأصول". وفي عام (595هـ)، وضع ابن رشد الحفيد كتابه "الضروري في أصول الفقه"، وهو مختصر بارع لكتاب "المستصفى" للغزالي، حاول فيه تقديم زبدة الفكر الأصولي بأسلوب منطقي ميسر.
جاء عام (606هـ) ليمثل ذروة "تحرير العلم" بوفاة الإمام فخر الدين الرازي، صاحب كتاب "المحصول في علم أصول الفقه" وكتاب "المعالم". لقد أحدث "المحصول" نقلة نوعية كبرى؛ إذ قام الرازي بجمع شتات المادة العلمية من الكتب الأربعة الكبار (العمد، المعتمد، البرهان، المستصفى)، وهذبها ونقحها وأضاف إليها من تحقيقاته وتدقيقاته العقلية ما جعل كتابه مداراً للعلماء من بعده. لقد تميز الرازي بقدرته الفائقة على الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، وأصبح كتابه أصلاً لمعظم المختصرات والشروح اللاحقة.
وفي عام (616هـ)، وضع علي بن إسماعيل الأبياري كتابه "التحقيق والبيان في شرح البرهان"، مستمراً في نهج المالكية في العناية بآراء إمام الحرمين. ثم في عام (620هـ)، ألف ابن قدامة المقدسي كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، وهو كتاب حنبلي بني في هيكله ومادته على كتاب "المستصفى" للغزالي، مما جعل المنهج الغزالي مستقراً في المدرسة الحنبلية.
توجت هذه المرحلة في عام (631هـ) بوفاة سيف الدين الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام"، وهو القطب الثاني في هذه الفترة إلى جانب الرازي. تميز الآمدي في كتابه بالولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل بدقة وهدوء، مستوعباً جهود المتكلمين السابقة في موسوعة تميزت بسهولة اللغة وحسن التقسيم. وبوفاة هذين الإمامين (الرازي والآمدي)، استقر علم الأصول مادةً ومنهجاً، ودخلت طريقة المتكلمين طور "النضوج والاستقرار".
تلى ذلك في عام (644هـ) كتاب "شرح المعالم" لابن التلمساني. ثم في عام (646هـ)، ألف ابن الحاجب كتابه "منتهى السول والأمل"، وهو مختصر لكتاب "الإحكام" للآمدي، وقد بلغ فيه ابن الحاجب الغاية في الاختصار والتعقيد، مما جعل كتابه لغزاً يحتاج إلى شروح كثيرة، ولكنه صار عمدة للمالكية والشافعية في دروسهم.
شهد منتصف القرن السابع الهجري وما تلاه حركة علمية دؤوبة ركزت على استخلاص زبدة التراث الأصولي الضخم الذي خلفه الرازي والآمدي. ففي عام (652هـ)، برزت جهود أسرة آل تيمية الحنبلية بكتاب "المسودة في أصول الفقه"، الذي ابتدأه الجد مجد الدين بن تيمية، وسار فيه على منهج المتكلمين في تقرير القواعد. وفي عام (653هـ)، ألف تاج الدين الأرموي كتاب "الحاصل من المحصول"، وهو من أوائل المختصرات التي سعت لتقريب مادة الرازي العلمية وتسهيلها. وتلاه في عام (657هـ) أبو محمد عبد الله البرزي الواسطي بكتاب "غرر المحصول في علم الأصول".
استمر الاهتمام بمدرسة الرازي، ففي عام (682هـ) ألف سراج الدين الأرموي كتاب "التحصيل من المحصول"، وهو المختصر الثاني الذي -إلى جانب الحاصل- شكل المادة الأساسية التي اعتمد عليها القاضي البيضاوي لاحقاً. وفي العام نفسه (682هـ)، أضاف شهاب الدين بن تيمية إضافاته على كتاب "المسودة". ثم في عام (683هـ)، ألف ناصر الدين ابن المنير الإسكندراني المالكي كتاب "الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول"، مؤكداً حضور المالكية في هذا الميدان.
جاء عام (684هـ) ليمثل محطة مالكية بارزة بوفاة شهاب الدين القرافي، صاحب "تنقيح الفصول" وكتاب "نفائس الأصول". ويعد "النفائس" من أضخم الشروح على "محصول" الرازي، حيث حفظ لنا القرافي فيه مادة علمية من كتب أصولية مفقودة، بينما أصبح مختصره "التنقيح" من أهم المتون التعليمية التي تدارسها المالكية. وفي عام (685هـ)، وضع القاضي البيضاوي كتابه الشهير "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، والذي لخص فيه زبدة الفكر الأصولي لمدرسة الرازي عبر مختصري الأرموي، ليصبح "المنهاج" واحداً من أهم ثلاثة متون سيطرت على المنهجية التعليمية لقرون.
تتابعت الشروح، ففي عام (688هـ) وضع شمس الدين محمد الأصبهاني كتاب "الكاشف على المحصول". وفي المدرسة الحنفية، شهد عام (691هـ) تأليف جلال الدين الخبازي لكتاب "المغني في أصول الفقه"، الذي اعتمد فيه على أصول البزدوي والسرخسي مع صياغة جديدة ميسرة.
ظهر تحول منهجي هام في عام (694هـ) بوفاة مظفر الدين بن الساعاتي، صاحب كتاب "بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام". لقد كان ابن الساعاتي أول من فتح باب "الطريقة الجامعة"، حيث جمع بين منهج الحنفية (المعتمد على الفروع) ومنهج المتكلمين (المعتمد على القواعد النظرية)، محاولاً الاستفادة من محاسن الطريقتين في مؤلف واحد.
مع مطلع القرن الثامن الهجري، وتحديداً في عام (701هـ)، ألف ركن الدين السمرقندي كتاب "جامع الأصول"، متبعاً نهج مدرسته في ربط القواعد بالاعتقاد. وفي عام (710هـ)، وضع أبو البركات النسفي متن "منار الأنوار" (المنار)، الذي يعد من أكثر الكتب الحنفية تداولاً وقبولاً، وعليه دارت معظم الشروح اللاحقة لضبط أصول المذهب. وتلاه الحسام السغناقي في عام (714هـ) بكتاب "الكافي" شرحاً على أصول البزدوي.
وفي عام (715هـ)، ألف صفي الدين الهندي كتاب "نهاية الوصول إلى دراية الأصول" وكتاب "الفائق"، مستوعباً فيها دقائق المسائل بأسلوب المتكلمين. وفي عام (716هـ)، برز نجم الدين الطوفي الحنبلي بكتابه "شرح مختصر الروضة"، وهو شرح حافل تضمن مناقشات عميقة وتحقيقات أصولية متميزة. وفي عام (728هـ)، اكتملت مسيرة "المسودة" بإضافات تقي الدين بن تيمية، الذي قدم رؤية نقدية لعديد من القواعد الأصولية السائدة.
توجت جهود الشرح الحنفي في عام (730هـ) بكتاب "كشف الأسرار" لعلاء الدين عبد العزيز البخاري، وهو الشرح العمدة لأصول البزدوي، ويتميز بعمقه في تحليل القواعد الحنفية ومقارنتها بآراء المتكلمين. وفي عام (739هـ)، ألف صفي الدين القطيعي البغدادي الحنبلي "قواعد الأصول ومعاقد الفصول". تلاه في عام (741هـ) محمد بن جزي الكلبي بكتاب "تقريب الوصول"، الذي سعى فيه لتبسيط العلم للمبتدئين.
شهد عام (747هـ) محطة أخرى في الطريقة الجامعة بكتاب "التوضيح لحل غوامض التنقيح" لصدر الشريعة المحبوبي، حيث جمع فيه بين أصول البزدوي والإحكام لابن الحاجب، مؤصلاً لمذهب الحنفية بأسلوب عقلي رصين. وفي عام (749هـ)، وضع شمس الدين الأصبهاني كتاب "بيان المختصر" شرحاً لمختصر ابن الحاجب.
شهد عام (756هـ) منعطفاً تاريخياً في حركة التدوين؛ إذ برزت في هذا العام ثلاثة من أهم المصنفات التي شكلت عصب الدراسة الأصولية لقرون. فقد وضع عضد الدين الإيجي شرحه الشهير على "مختصر المنتهى" لابن الحاجب، وهو الشرح الذي فاق الشروح "السبعة السيارة" شهرةً وإتقاناً. وفي الوقت نفسه، كان تاج الدين السبكي يضع اللمسات الأخيرة على كتابه "جمع الجوامع"، الذي أصبح المتن الثالث الذي يكتمل به عقد "المتون التعليمية الكبرى" إلى جانب المنهاج والمختصر. كما ألف السبكي (الأب والابن) كتاب "الإبهاج" شرحاً لمنهاج البيضاوي، ووضع تاج الدين كتاب "رفع الحاجب" شرحاً لمختصر ابن الحاجب.
تلى ذلك في عام (763هـ) تأليف شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي لكتاب "أصول الفقه"، وهو مصنف حنبلي سار فيه على نمط مختصر ابن الحاجب، جامعاً فيه قواعد المذهب بأسلوب المتكلمين. وفي عام (771هـ)، وضع الشريف التلمساني كتابه "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول"، وهو عمل رائد في فن "تخريج الفروع على الأصول" سعى فيه لربط القواعد الكلية بتطبيقاتها الفقهية الواقعية.
جاء عام (772هـ) بمؤلفات تعليمية هامة، حيث برز جمال الدين الإسنوي بكتابه "نهاية السول"، وهو شرح لمنهاج البيضاوي تميز بدقته ومنهجيته، حتى أصبح عمدةً في تدريس المتن. وفي العام نفسه، وضع يحيى بن موسى الرهوني كتاب "تحفة المسؤول" شرحاً لمختصر ابن الحاجب، مؤكداً استمرار العناية المالكية بهذا المختصر. وفي عام (786هـ)، ألف محمد البابرتي "الردود والنقود" شرحاً لمختصر ابن الحاجب، ممثلاً الحضور الحنفي في شرح هذا المتن العابر للمذاهب.
شهد عام (790هـ) وفاة الإمام الشاطبي صاحب كتاب "الموافقات في أصول الأحكام"، وهو الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية من خلال إبراز "المقاصد الشرعية" وجعلها ركيزة أساسية لعملية الاستنباط والاجتهاد. وتلاه في عام (793هـ) السعد التفتازاني بحاشيته الشهيرة "التلويح على التوضيح"، التي جمع فيها بين أصول الحنفية ومنهج المتكلمين بأسلوب عقلي رصين. ثم جاء عام (794هـ) بوفاة بدر الدين الزركشي صاحب "البحر المحيط"، وهو أضخم موسوعة أصولية استقصائية جمعت شتات الأقوال والمذاهب من مئات الكتب (كثيراً منها مفقود اليوم)، واعتبره العلماء مرجعاً لا يستغنى عنه في معرفة الخلاف العالي.
مع مطلع القرن التاسع الهجري، عام (803هـ)، لخص ابن اللحام البعلي "روضة الناظر" في كتابه "المختصر في أصول الفقه"، مسهلاً مادة المدرسة الحنبلية. وفي عام (826هـ)، ألف ولي الدين أبو زرعة العراقي "الغيث الهامع" شرحاً لجمع الجوامع، مستمداً مادتها من شرح الزركشي مع صياغة تعليمية محكمة. وتبع ذلك في عام (831هـ) وضع شمس الدين البرماوي لكتاب "الفوائد السنية" شرحاً للألفية. وفي عام (834هـ)، ألف شمس الدين الفناري "فصول البدائع في أصول الشرائع"، وهو من الكتب الحنفية الجامعة التي استغرق تأليفها ثلاثين سنة.
جاء عام (861هـ) بكتاب "التحرير" لكمال الدين بن الهمام، الذي بلغ فيه غاية الاختصار حتى قيل إنه "يفتح المعميات"، ولكنه صار عمدةً للحنفية والشافعية. وتلاه في عام (864هـ) جلال الدين المحلي بشرحه الشهير على "جمع الجوامع" (البدر الطالع)، وهو الشرح الذي أصبح المتن الرسمي للتدريس في الأزهر لقرون طويلة. وفي عام (871هـ)، وضع شمس الدين المارديني "الأنجم الزاهرات" على حل ألفاظ الورقات.
وفي نهاية القرن التاسع، عام (879هـ)، ألف زين الدين قاسم بن قطلوبغا "خلاصة الأفكار" شرحاً لمختصر المنار. كما وضع ابن أمير الحاج كتاب "التقرير والتحبير" شرحاً لـ "تحرير" ابن الهمام، وفيه تفصيل كبير للمسائل. وفي عام (883هـ)، وضع تقي الدين الجراعي شرحه على مختصر ابن اللحام. وبحلول عام (885هـ)، ألف علاء الدين المرداوي "تحرير المنقول" وشرحه "التحبير"، محققاً مذهب الحنابلة في الأصول. وفي العام نفسه، وضع ملا خسرو "مرآة الأصول"، وهو متن جامع جمع فيه زبدة أفكار المتقدمين والمتأخرين على طريقة الحنفية الجامعة.
استمر العطاء العلمي في عام (893هـ) بكتاب "الدرر اللوامع" لأحمد الكوراني، وفي عام (899هـ) بكتاب "رفع النقاب" للحسين الشوشاوي. ومع مطلع القرن العاشر، عام (909هـ)، ألف ابن المبرد "غاية السول" و"مجمع الأصول". وتلاه في عام (911هـ) وفاة جلال الدين السيوطي صاحب "الكوكب الساطع"، وهو نظم بارع لجمع الجوامع مع شرحه تميز بسهولة العبارة. وفي عام (926هـ)، وضع زكريا الأنصاري "لب الأصول" وشرحه "غاية الوصول"، وهو من المختصرات الشافعية التي لقيت قبولاً واسعاً.
استمراراً لحركة الشرح والتحشية التي سادت في القرون المتأخرة، شهد عام (935هـ) وضع رضي الدين الغزي لشرحه على «الدرر اللوامع». وفي عام (957هـ)، برز الإسهام العلمي في المدرسة الزيدية بكتاب «الكافل بنيل السول في علم الأصول» لمحمد بن يحيى بهران. وجاء عام (972هـ) بعملين جليلين أثرا في المدرسين الحنبلية والحنفية؛ وهما «شرح الكوكب المنير» (المختبر المبتكر) لابن النجار الفتوحي الذي يعد من أدق ما حرر في أصول الحنابلة، وكتاب «تيسير التحرير» لأمير بادشاه، وهو شرح وافٍ لمتن «التحرير» لابن الهمام.
تلى ذلك في عام (994هـ) تأليف أحمد بن قاسم العبادي لكتابه «الآيات البينات»، الذي يعد من أهم الحواشي على شرح المحلي لجمع الجوامع. ومع مطلع القرن الحادي عشر الهجري، وتحديداً في عام (1006هـ)، ألف أحمد بن محمد الزيلي شرحاً على متن «المنار». وفي عام (1014هـ)، وضع الملا علي القاري كتابه «توضيح المباني وتنقيح المعاني». وبحلول عام (1031هـ)، ألف زين الدين عبد الرؤوف المناوي كتاب «إحسان التقرير في شرح التحرير».
شهد منتصف القرن الحادي عشر عام (1039هـ) تأليف أحمد بن محمد لقمان لكتاب «الكاشف لذوي العقول». وفي عام (1041هـ)، وضع إبراهيم اللقاني كتاب «إتحاف المريد». ثم في عام (1051هـ)، ألف عبد الحليم بن لطف الله شرحه على متن «المنار». وجاء عام (1061هـ) بكتاب «الأنوار الهادية لذوي العقول» لأحمد بن يحيى حابس. وفي أواخر هذا القرن، توالت الحواشي على متن «مرآة الأصول» لملا خسرو، منها حاشية حامد بن مصطفى القونوي (1098هـ)، وحاشية سليمان الأزميري (1102هـ)، وحاشية مصطفى أفندي البسنوي (1110هـ).
في مطلع القرن الثاني عشر الهجري، عام (1113هـ)، ألف محمد الطيب الفاسي كتاب «مفتاح الوصول إلى علم الأصول». وتبعه في عام (1119هـ) ظهور كتاب «مسلم الثبوت» لمحب الله البهاري، وهو الكتاب الذي وصفه العلماء بأنه من أدق ما صنفه المتأخرون لجمعه بين طريقتي الحنفية والمتكلمين بعبارة مركزة. وفي عام (1130هـ)، وضع أحمد بن أبي سعيد الملاجيون كتابه «نور الأنوار في شرح المنار». ثم في عام (1165هـ)، ألف أحمد بن مصطفى الخادمي حاشيته الشهيرة على «مرآة الأصول».
جاء عام (1172هـ) بكتاب «بغية الآمل وإجابة السائل» للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني. وفي عام (1180هـ)، وضع عبد العلي اللكنوي شرحه الموسع «فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت»، الذي أصبح مرجعاً رئيساً في فك مغالق متن البهاري. وتلاه في عام (1189هـ) أحمد بن عبد الله البعلي بكتاب «الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير». وفي عام (1198هـ)، وضعت «حاشية البناني» على شرح المحلي لجمع الجوامع، والتي سادت في الأوساط العلمية لقرون. وختم القرن عام (1199هـ) بكتاب «فتح الأسرار في شرح المغني» لملا خسرو المتأخر.
مع بداية القرن الثالث عشر، عام (1233هـ)، ألف محمد اليعقوبي «فتح الباقي على منظومة المراقي». وفي عام (1235هـ)، وضع عبد الله بن إبراهيم الشنقيطي كتابه «نشر البنود على مراقي السعود»، وهو من أهم المراجع الشارحة للمدرسة المالكية في المغرب. وشهد عام (1250هـ) صدور كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» لمحمد بن علي الشوكاني، الذي مثّل حركة نقدية تدعو لنبذ التقليد والعودة للاجتهاد. وفي العام نفسه (1250هـ)، وضع حسن العطار حاشيته الشهيرة على شرح المحلي. وتلاه في عام (1252هـ) محمد أمين بن عابدين بحاشيته «نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار».
بدأت مرحلة "التبسيط الحديث" عام (1287هـ) بوفاة الشيخ محمد الخضري، صاحب كتاب «أصول الفقه»، وهو تهذيب وتيسير لمادة «المستصفى» للغزالي، استهدف به تقريب العلم لطلاب مدرسة القضاء الشرعي. وتلاه في عام (1304هـ) «سلم الوصول إلى علم الأصول» لمحمد أسعد عبه جي. وفي عام (1354هـ)، وضع محمد بخيت المطيعي كتابه «سلم الوصول لشرح نهاية السول». وفي عام (1359هـ)، ألف عبد الحميد بن باديس «مبادئ الأصول».
جاء عام (1375هـ) ليمثل منعطفاً في الكتابة الجامعية بصدور كتاب «علم أصول الفقه» للشيخ عبد الوهاب خلاف، الذي تميز بصياغة حديثة ميسرة. وشهد عام (1393هـ) اهتماماً كبيراً بالمقاصد مع الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وفي العام نفسه وضع محمد الأمين الشنقيطي «مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر» وكتاب «نثـر الورود شرح مراقي السعود». وتلاه عام (1394هـ) علال الفاسي بكتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، ومحمد أبو زهرة بكتابه «أصول الفقه».
استمر العطاء العلمي عام (1398هـ) بكتاب «أصول التشريع الإسلامي» لعلي حسب الله. وفي عام (1408هـ)، وضع يوسف حامد العالم كتابه «المقاصد العامة للشريعة الإسلامية». وتلاه في عام (1414هـ) أبو النور زهير بكتابه «أصول الفقه» الذي أخرج فيه العلم في ثوب جديد للطلاب. وبحلول عام (1435هـ)، برز كتابان هامان: «الوجيز في أصول الفقه» لعبد الكريم زيدان، و«المهذب في علم أصول الفقه المقارن» لعبد الكريم النملة في خمسة مجلدات. وفي عام (1436هـ)، ألف وهبة الزحيلي «أصول الفقه الإسلامي». وتلاه محمد أديب صالح عام (1438هـ) بكتاب «مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط».
وختاماً، تبرز في العصر المعاصر جهود رصينة مثل شروح مولود السريري على «الموافقات» و«المستصفى»، وشروح «الرسالة» لكل من مصطفى مخدوم، ومحمد بن عبد العزيز المبارك، وسعد بن ناصر الشتري، وكتاب «إتحاف العقول» لمحمد بن سعد بيومي.
