العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

الاجتهاد في عصر التشريع

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛ فهذا بحثٌ أحببت ألا يبقى محبوساً في ملفاتي الخاصة؛ وقد كتبته من مدة تربو على اثني عشر عاماً؛ وكان أحد أبحاثي الصفيَّة؛ فلعلَّني أستفيد قبل أن أفيد.
علماً بأنه مُناقَش من قِبَل المشرف عليه؛ وكانت مدة مناقشته لي فيه قرابة الساعتين والنصف.
وعنوانه:

[font=mcs taybah s_u normal.]الاجتهاد في عصر التشريع[/font]
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- ([1]).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) [النساء:1].
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب:70-71]([2]).
أما بعـــد([3]): -
فإن شمس الدُّنيا لم تشرق على أفضل من ذلك العصر؛ ألا وهو عصر التشريع والتنزيل، الذي كان ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين.
وما أحسن قول عبد الله بن مسعود t وأجمله، في وصف ذلك الرعيل الذي نشأ مع التشريع، وشهد وقائع التنزيل، حيث قال: (( من كان منكم مُستناً فليسنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد r، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتَّبعوهم في آثارهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ))([4]).
وقال أيضاً t: (( إن الله نَظَرَ في قلوبِ العبادِ، فوجدَ قلبَ محمدٍ r خَيْـرَ قلوبِ العبادِ، فاصطفاهُ لنفسِهِ، فابتعثه برسالتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ، فوجدَ قلوبَ أصحابه خَيْرَ قلوبِ العبادِ، فجعلهم وزراء نبيِّه، يُقاتلونَ على دينِهِ، فما رأَى المسلمونَ حَسَناً، فهو عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوْا سَيِّئاً فهو عِنْدَ اللهِ سيِّئٌ ))([5]).

([1]) الطريقة الصحيحة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم -، هكذا: (صلى الله عليه وآله وسلَّم ) فكلمة (آله) لا بُدَّ منها؛ وإنما تركت فترة من الزمن عندما كان بنو أُميَّة يتتبعون العَلَويين ثم هجرها الكثير تقليداً "[يُنظر: اختيارات ابن قدامة الفقهية، في أشهر المسائل الخلافية(1/5)].

([2]) هذه الخطبة تُسمَّى عند العلماء بـ" خطبة الحاجة "، وتشرع بين يدي كل خطبة، سواءً كانت خطبة جمعة أو عيداً أو نكاح أو درس أو محاضرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية [FONT=SC_AMEEN]~ٍٍِِ[/FONT]: ( ولهذا استحبَّت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية، وكان عليه شيوخ زماننا…)، [يُنظر: فتاوى ابن تيمية(18/287)]. قال العلاَّمة الألباني – غفر الله له ورحمه -: ( ولي رسالة خاصة جمعت فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها…، فنحثُّ المحبين لسنة النبي r والراغبين في إحيائها أن يلتزموا هذه الخطبة )، [السلسلة الصحيحة(1/28) هامش(1)].

([3]) أوَّل من قال: (أما بعد) داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب، قاله: أبو موسى الأشعري t والشعبي، قال الحافظ ابن حجر [FONT=SC_AMEEN]~ٍٍِِ[/FONT] في الفتح(6/556): (أخرجه ابن أبي حاتم، وذكر عن ابن جرير بإسنادٍ صحيح عن الشعبي مثله)، [يُنظر: تفسير ابن جرير الطبري(10/565)، وتفسير ابن كثير(7/59)، والجامع لأحكام القرآن(15/162)، وزاد المسير(7/111-112)].

([4]) أخرجه بنحوه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله"، وأخرجه بلفظ مقارب أبو نعيم في "الحلية"(1/305) من قول ابن عمر [FONT=SC_AMEEN]{[/FONT] .

([5]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم(3600)(6/84)، وإسناده حسن.
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
% منهج البحث:
المنهج الذي سرتُ عليه في دراسة هذه المسألة أُجمِله فيما يلي:
أوَّلاً: عند البحث في المسائل أُقدِّمُ القول المرجوح، ذاكراً أَشهرَ أدلَّته، مع وجهة استدلالهم بهذه الأدلَّة، ثمَّ أُعْقِبها بما ورَدَ عليها من مناقشة، ثمَّ أختمُ بالقول الرَّاجح، ذاكراً أشهرَ أدلَّته، ووجهتهم في استدلالهم بها، ثُمَّ أختمُ المسألةَ ببيان القولِ الرَّاجح، وسبب رجحانه.
ثانياً: اعتمدتُّ في بحث المسائل على المراجع الأصليَّة، وقد أستعين بالرجوع إلى بعض المصادر الحديثة.
ثالثاً: عَزَوْتُ آيات القرآن الكريم من المصحف الشَّريف، ذاكراً اسم السورة ورقم الآية.
رابعاً: بالنِّسبة للتَّعاريف اللُّغويَّة أو الألفاظ الغريبة، فقد بحثتها معتمداً في ذلك على المصادر الأصيلة في كُلِّ فنّ.
خامساً: خرَّجتُ الأحاديث مقتصراً على ما في الصَّحيحين أو أحدهما، وقد أُخَرِّجُ أحياناً لأصحاب السُّنن الأربعة، مع ذكر من أشار إلى تصحيحه.
هـذا...، وأسأل الله تعالى العَوْنَ والتَّوفيق،
وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم،،،
الباحث
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
الفصل الأول
تمهيد عن الاجتهاد في عصر التَّشريع

[font=mcs taybah s_u normal.]وفيــه أربعــة مباحـــث[/font]: -
& المبحث الأول: تعريف الاجتهــــاد .
& المبحث الثاني : حكم الاجتهـــــاد.
& المبحث الثالث : المراد من عصر التشريـع.
& المبحث الرابع : الأدلة الشرعية في هذا العصر.
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[font=mcs taybah s_u normal.]المبحث الأول[/font][font=mcs taybah s_u normal.][/font]
[font=mcs taybah s_u normal.] [/font]
[font=mcs taybah s_u normal.]تعريف الاجتهـــاد[/font][font=mcs taybah s_u normal.] [/font]
[font=mcs taybah s_u normal.] [/font]
[font=mcs taybah s_u normal.] [/font]


[font=mcs taybah s_u normal.]وفيــــــه[/font] : -
& تعريف الاجتهاد لغــةً.
& تعريف الاجتهاد اصطلاحًا.
& العلاقة بين المعنى اللُّغوي والاصطلاحي للاجتهاد .
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[FONT=MCS Taybah S_U normal.]تعريف الاجتهـاد[/FONT][FONT=MCS Taybah S_U normal.] لغــة[/FONT]

الاجتهاد، افتعالٌ من الجهد.
والجَهْد والجُهْد: الطَّاقة.
والجُهْد -بالضم- : الوسع والطَّاقة.
والجَهْد -بالفتح- : المَشَقَّة.
وقيل هما لغتان في الوسع والطَّاقة، فأمَّا المشقَّة فالفتح لا غير.
والاجتهاد والتجاهد: بذلُ الوسع والمجهود.
والاجتهاد بذلُ الوسع في طَلَبِ الأمر([1]).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref1([1]) يُنظر: لسان العرب (2/395-397).
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[FONT=MCS Taybah S_U normal.]تعريف الاجتهاد اصطلاحًا[/FONT]

عرَّف الأصوليُّون الاجتهاد بتعريفات كثيرة([1]).
وسلكوا في تعريفهم للاجتهاد مسلكان([2])، اقتصر في كل مسلك على أجمع تعريفٍ يناسب الاجتهاد، إذْ ليس في تعداد التعاريف كبيرة فائدة.
% المسلك الأول:
وهو الذي جرت عادة الأصوليِّين بتعريفه غالبًا، فنظروا إلى الاجتهاد باعتبار المعنى المصدري، الذي هو فعل المجتهد، وأجمع تعريف في هذا المسلك هو:
أن الاجتهاد: « بَذْلُ الفقيهِ ما في وُسْعِهِ لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعيٍّ عملـيٍّ من الأدلة التفصيلية » .

% شرح التعريف، وبيان محترزاته([3])
لفظ « بذل » : جنسٌ في التعريف شاملٌ لكل بذل من أيِّ باذلٍ فقيهًا كان أو غيره، سواء في الأحكام أو في غيرها، وسواء كانت الأحكام شرعية أو لغوية أو عقلية أو غيرها.
*« الفقيه » : هو المتهيئ للفقه، الذي عنده ملكة الاستنباط، بمعنى: أن الفقيه هو المجتهد الذي يُنتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة.
فقولهم « بذلُ الفقيه » فيه إضافة البذل إلى الفقيه.
فخرج به: بذلُ غير الفقيه، كالنَّحْوِيّ والمتكلم الذي لا فقه عنده.
*« ما في وسعه » : الوسع معناه الجهد والطاقة.
ويُعرَفُ ذلك بالإحساس بالعجز عن زيادة البحث والنظر.
فخرج به: بذلُ المُقَصِّـر، فإنه لا يسمى اجتهادًا في الاصطلاح، إذْ الاجتهاد ينقسم إلى ناقص وتام.
فالناقص: هو النظر المطلق في تَعرُّف الحكم، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.
والتام: هو استفراغ القوَّة النظرية حتى يُحسَّ الناظرُ من نفسه العجزَ عن مزيد طلب.
ومثاله: مثال من ضاع منه دِرْهم في التراب، فقلَّبه برجله، فلم يجد شيئًا، فتركه وراح.
وآخر إذا جرى له ذلك، جاء بغربال، فغرب التراب حتى يجد الدرهم، أو يغلب على ظنه أنه ما عاد يلقاه.
فالأول: اجتهادٌ قاصر، والثاني: اجتهاد تام.
*« لتحصيل ظنٍّ » : اللام في كلمة « لتحصيل » تفيد معنى أنه حَصَّل تحصيلًا باذلًا فيه الوسع والطاقة.
« ظنٍّ » : والظنُّ معناه إدراك الطرف الراجح.
وأُتي بلفظ « ظن » لأمرين:
الأول: بيان أن الاجتهاد لا يفيد إلَّا حكمًا ظنيًّا.
الثاني: إخراج الأحكام القطعية، كإدراك ما عُلم من الدِّين بالضرورة من وجوب صلاة وزكاة وصوم وحج، فإن كل ذلك لا يجري فيه الاجتهاد.
*« بحكم شرعيّ » : خرج به ما ليس بحكم.
وفيه تقييد للحكم بكونه شرعيًا فخرج به ما كان حكمًا لُغويًّا، أو عقليًّا، أو حسيًّا، أو غير ذلك.
*« عملي » : معناه: أن الاجتهاد لا يجري إلَّا في الفروع دون الاعتقاديَّات.
*« من الأدلة التفصيلية » : أي: أن الفقيه يبذل جهده لاستنباط حكم شرعي فرعي من آية أو حديث.

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref1([1]) انظرها في: إرشاد الفحول: (3/832، 833)، نهاية السُّول: (4/525، 529)، تيسير التحرير: (4/179).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref2([2]) ينظر: الاجتهاد فيما لا نَصَّ فيه: (1/11-15)، والاجتهاد في الإسلام: ص(20-23)، كلاهما بالإحالة على: الأصول العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم: ص(563) بإحالته على مصباح الأصول: ص(434)، إتحاف ذوي البصائر للنَّملة: (8/10-12).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref3([3]) ينظر: المستصفى: (2/350)، فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت: (2/362)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/396)، التقرير والتحبير: (3/291، 292)، تيسير التحرير: (4/179)، نهاية السول: (4/525-529)، مناهج العقول: (3/260-262)، البحر المحيط: (8/227، 228)، شرح مختصر الروضة: (3/576)، شرح المنهاج للبيضاوي: (2/822)، تهذيب شرح الأسنوي: (3/242، 244)، أصول مذهب الإمام أحمد: ص(694، 695)، إتحاف ذوي البصائر: (8/10-12)، (1/71)، الاجتهاد فيما لا نص فيه: (1/11-15).
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
% المسلك الثاني:
وهو النظر إلى المعنى الاسمي للاجتهاد، الذي هو وصفٌ قائم بالمجتهد.
وعليه فالاجتهاد هو: « مَلكَة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية » .
واختار هؤلاء لفظ « مَلَكَة » لأمرين:
الأول: أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد سواء باشر عملية الاستنباط فعلًا أم لم يباشر.
الثاني: أن لفظ « ملكة » لا يتَجَزَّأ، إذْ لا يصح أن يقال: إن هذا صاحب ملكة كبيرة، وآخر متوسطة، وثالث صغيرة.
وإنما يقال: صاحب ملكة.
- التعريف المختار:
وعلى ما تَبيَّـن من المسلكين، يكون التعريف المختار للاجتهاد، هو ما عرَّف به أصحاب المسلك الأول.
وهو أن الاجتهاد: « بَذْلُ الفَقِيْهِ ما في وُسْعِهِ لتحصيل ظَنٍّ بحُكْمٍ شرعيٍّ عملـيٍّ من الأدلَّةِ التَّفْصِيْلِيَّة ».
وسَبَبُ اختياره أُمورٌ ثلاثة:
أولًا: أنه الذي درج عليه غالب الأصوليِّين، وهو ما جرت به عادتهم.
ثانيًا: لوضوح هذا التعريف، وقرب معانيه من الذِّهن، وهذا الذي ينبغي أن تكون عليه عامة التعاريف.
ثالثًا: أن أصحاب المسلك الثاني يَرِدُ على تعريفهم الاجتهاد "بالملكة" اختلافها مع الواقع([1]).
إذْ المجتهد لا يُعرف بالاجتهاد، ولا يكون مجتهدًا إلّا بعد تَمرُّسٍ ومِران، وبذل وسعه وطاقته في الحصول على الحكم، فهول فعلٌ كَسْبيّ.
ولا يصحّ أن يوصف بأنه صاحب ملكة إلَّا بعد مروره بهذه الأطوار؛ لأن ملكة الاجتهاد لا تكون وَهْبِيَّة.

([1]) ينظر: الاجتهاد فيما لا نص فيه: ص(12).
 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[FONT=MCS Taybah S_U normal.]العلاقة بين المعنى اللّغوي والاصطلاحي للاجتهاد[/FONT]([1])

بعد ذكر تعريف الاجتهاد في اللغة وفي الاصطلاح، نجد التوافق بين المعنيين الاصطلاحي واللُّغوي، كما هو ظاهرٌ من تعريفهما، ونقطة الالتقاء بينهما واضحة، وهي المبالغة في الاستعمالين.
وبالنظر نجد بين المعنيين عمومًا وخصوصًا مطلقًا.
- فأما الاستعمال اللغوي فهو العموم، وهو مطلق الكُلْفَة والمَشَقّة.
- وأمَّا الاستعمال الاصطلاحي للأصوليين، فهو مُختصٌّ ببذلٍ لاستنباط الحكم الشرعي.
وهذا هو الشأن في علاقة التعريف اللُّغوي بالتعريف الاصطلاحي غالبًا.

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref1([1]) ينظر: الاجتهاد في الإسلام: ص(33).
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[font=mcs taybah s_u normal.]المبحث الثاني: [/font][font=mcs taybah s_u normal.]حكــم الاجتهـــاد[/font]



[font=mcs taybah s_u normal.]وفيـــــه[/font]: -
& حكــم الاجتهــاد عمومــًا.
& حكــم الاجتهــاد تفصيــلاً.
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
[FONT=MCS Taybah S_U normal.]حكم الاجتهاد عمومًا[/FONT]

أما حكم الاجتهاد على سبيل العموم، فالقول بجواز الاجتهاد هو مذهبُ جماهير علماءِ المسلمين([1]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية([2]) [FONT=SC_AMEEN]~ٍٍِِ[/FONT] : « والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائزٌ في الجملة » ([3]).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أولًا: ما أخرجه الإمام البخاري([4]) [FONT=SC_AMEEN]~ٍٍِِ[/FONT] في صحيحه: أن رسول الله r قال: (( كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذِّئْبُ فذهب بابن إحْداهما، فقالت لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود u، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود [FONT=SC_AMEEN]^[/FONT]، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى )) ([5]).
« فاستنبط سليمان u لما رأى الأمر محتملًا فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد؛ لأنه لو كان داود u حكم بالنَّصِّ لما ساغ لسليمان u أن يحكم بخلافه… ، وَدَلَّت القصة على أن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإنْ كان وجود النصّ ممكنًا لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أجورهم، ولعصمتهم من الخطأ في ذلك إذْ لا يُقرَّن لعصمتهم على الباطل » ([6]).
« فهذا الحديث الصحيح، يدلّ دلالة واضحة على أنهما قضيا معًا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان أصاب في ذلك، إذْ لو كان قضَاءُ داود بوحيٍ لما جاز نقضه بحال، وقضاء سليمان واضحٌ أنه ليس بوحي؛ لأنه أوهم المرأتين أنه يَشُقَّه بالسكين، ليعرف أمَّه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقِّه لتشاركها أمه في المصيبة فعرف الحق بذلك » ([7]).
ثانيًا: قول الرسول r : (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر )) ([8]).
-وهذا الحديث صريح الدلالة في جواز الاجتهاد من المجتهد.
ثالثًا: أن النبي r أَذِنَ لأصحابه y بالاجتهاد، وكان يُقِرُّ لهم على الصواب من اجتهاداتهم([9]).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref1([1]) ينظر: الرسالة للشافعي: ص(487).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref2([2]) هو: أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرّاني الدمشقي، تقي الدي، أبو العباس، الإمام الفقيه المجتهد المحدِّث الحافظ المُفَسِّر الأصولي الزّاهد، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، ولد سنة 661هـ، وتوفي سنة 728هـ. [ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: (4/387)].

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref3([3]) ينظر: فتاوى شيخ الإسلام: (20/203).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref4([4]) هو: الإمام الحافظ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، صاحب الجامع الصحيح، مناقبه كثيرة جدًّا، ولد في شوال سنة 194هـ، وتوفي يوم السبت لغرة شوال سنة 256هـ، عاش 62 سنة إلا (13) يومًا. [ينظر: التهذيب: (5/30)].

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref5([5]) في: كتاب الفرائض، باب إذا ادَّعت المرأة ابنًا، حديث رقم (6769).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref6([6]) ينظر: فتح الباري: (6/567) على شرحه للحديث نفسه مُـخَرَّج برقم (3427).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref7([7]) ينظر: أضواء البيان: (4/652).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref8([8]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (7352).

http://www.mmf-4.com/vb/t6039.html#_ftnref9([9]) ينظر: زاد المعاد: (3/347).
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

حكم الاجتهاد تفصيلاً

أما حكم الاجتهاد على سبيل التفصيل، فقد يكون في حقِّ المجتهد تارةً فرض عين، وتارةً فرض كفاية، وتارةً يكون مندوبًا، وتارةً يكون حرامًا[SUP]([1])[/SUP]، وبيانها كما يلي:

  • أولاً: كون الاجتهاد فرضُ عين:
وذلك في حالين:
الحال الأولى[SUP]([2])[/SUP]: اجتهاد المجتهد في حقِّ نفسه فيما نزل به من حادثة؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حقِّ نفسه، كما أنه لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حق غيره.
الحالُ الثانية: اجتهاد المجتهد في حقِّ غيره إذا تعين عليه الحكم فيه، بأنْ ضاق وقت الحادثة فإنه يجب على الفور؛ لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحجة، وهو ممنوع شرعًا[SUP]([3])[/SUP].

  • ثانيًا: كون الاجتهاد فرض كفاية:
وذلك عندما تنزل حادثة بأحد فاستفتى أحد العلماء، فإن الواجب يكون فرضًا عليهم جميعًا وأخَصُّهم بفرضه المخصوص بالسؤال عن الحادثة، فإن أجاب واحد منهم سقط الفرض عن جميعهم، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذِرُوا.

  • ثالثًا: كون الاجتهاد مندوبًا:
وذلك في حالين:
الحال الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحال الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل نزولها.

  • رابعًا: كون الاجتهاد مُحَرَّمًا:
وذلك في حالين:
الحال الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نَصٍّ أو إجماع.
الحال الثانية: أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه؛ لأن نظره لا يُوْصِلُه إلى الحق، فيفضي إلى الضلال والقول في دين الله بغير علم.


([1]) ينظر: تيسير التحرير: (4/179، 180)، التقرير والتحبير: (3/292)، تنقيح الفصول: ص(435)، إتحاف ذوي البصائر: (8/34، 35)، الاجتهاد: ص(66، 67)، أصول الفقه: ص(404)، معالم أصول الفقه: ص(486).

([2]) وهنا لطيفة: أن لفظ الحال يُذكَّر فيقال (حال)، ويُؤَنَّث فيقالة (حالة) بالتاء، وأن معناه قد يُذَكَّر، فيعود الضمير مُذَكَّرًا … ، وقد يُؤَنَّث معناه، فيعود الضمير عليه مُؤَنَّثًا… ، فإذا كان لفظ الحال مُذَكَّرًا فأنت في سعة من أنْ تَذَكِّر معناه أو تُؤَنِّثه، تقول: حالٌ حسن، وحالٌ حسنة.
وأما إذا كان لفظ الحال مُؤَنَّثاً فليس لك مُعَدَّى عن تأنيث الفعل الذي تسنده إليها. [ينظر: عدة السالك: (2/257، 258)].

([3]) قال ابن قدامة ~ٍٍِِ : « فصلٌ، لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن قوت الحاجة » ا.هـ.
« وذلك؛ لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء فلم يكن بدّ من البيان ». [ينظر: روضة الناظر: (2/582) مع هامش (1)].



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

المبحث الثالث: المراد من عصر التشريع

وفيــــه : -

  • تعريف العصر لغـــة.
  • تعريف التشريع لغــة.
  • المراد من عصر التشريع.
  • الأدلة الشرعية في هذا العصر.

* * * * * *
 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

تعريف العصر لغة

العَصْـر: مُثَلَّثة، (العَصْـر - والعِصَـر - والعُصْـر).
وبضمَّتين: "العُصُر" : الدَّهر والحين.
قال الله تعالى:(والعصر * إن الإنسان لفي خسر)[العصر:1،2].
أقسم الله تعالى بالعصر.
والجمع: أَعْصُـرٌ وأعْصَارٌ وعُصُـرٌ وعُصُورٌ [SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: لسان العرب: (9/236)، والقاموس المحيط: (1/616)، باب الراء، فصل العين، مادة "العَصْـر".



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

تعريف التشريع لغة

التَّشْـريع: مصدر شرَّع، والشريعة في اللغة ذات إطلاقين:
*أحدهما: مورد الماء الذي يشرب الناس منه ويسقون غبلهم.
ولذا يقول العرب: « شرعت الدواب في الماء » أي: دخلت فشربت الماء.
*ثانيهما: الطريق الواضح، ومنه قول العرب: شرعت له طريقًا.
وفي هذا يقول الله تعالى:(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى:13].
واشْتُقَّ من ذلك الشِّـرْعَة في الدين والشَّـريْعَة.
قال تعالى : (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [المائدة:48].
وقال سبحانه:(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها)[الجاثية:18].


  • علاقة الشـَّريعة باللغة، على ضوء الإطلاقين اللغويين السابقين:
*أما علاقة الشريعة بالإطلاق اللُّغوي الأول:
فعلى أن الشريعة: ريٌّ للقلوب والأبدان.
كما تُرَوِّي الشريعة وهي موردُ الماءِ العطشانُ.
*وعلاقة الشريعة بالإطلاق اللُّغوي الثاني:
فعلى أنهى المسلك الموصلة لسالكيها إلى الجنة والفوز برضاء الله، ففيها حياة النفوس وَريُّ العقول [SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: لسان العرب: (7/86)، معجم مقاييس اللغة: (3/262)، باب الشين والراء وما يثلثهما، مادة "شرح"، القاموس المحيط: (2/983)، باب العين، فصل الشين، مادة "الشريعة"، خلاصة تاريخ التشريع: ص(11).



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

المراد من عصر التشريع

يقصد بعصر التشريع، هو ذلك العصر الذي عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبدأ ببعثته بنزول الوحي عليه في مكة وينتهي بوفاته بالمدينة النبوية، فعصر التشريع إذًا شاملٌ لعهديه المَكِّيْ والمدني.
والتشريع في حينه إما أن يكون وحيًا إلهيًا بالمعنى واللفظ، وذلك يتمثَّل في القرآن الكريم، الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
وإمَّا أن يكون وحيًا بالمعنى دون اللفظ، ويتمثَّل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لفظ الحديث من كلامه، وإن كان معناه وحيًا.
لقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) [النجم:3،4]، فالله وحده هو المُشرِّع، ورسوله هو المُبَيِّـن لشرعه، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[النحل:44]، فلا شرع إلَّا ما شرع الله سبحانه، أو ما شرع رسوله صلى الله عليه وسلم .
وبوفاته صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثته، وهو مُقَدَّرٌ بما يقرب من ثلاثٍ وعشرين سنة، نزل عليه القرآن خلالها مُنَجَّمًا، وهو المصدر الأول للتشريع، أما السنة فهي المصدر الثاني، ولا ثالث لهما في هذا العهد النبوي الزاهر الميمون[SUP]([1])[/SUP].



([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(34، 39).



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

الأدلة الشرعية في هذا العصر

إن من الخصائص المتميزة في عصر التشريع وِحْدَةُ التَّلَقِّي، إذ إن مصدر التلقي للأدلة الشرعية في هذا العصر: هو القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول الحقّ -تبارك وتعالى- : (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء)[الأعراف:3]، وقال سبحانه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:7]، ففي هاتين الآيتين إشارة واضحة إلى أن مصدر التشريع في هذا العصر هو القرآن والسنة ولا شيء سواهما.
كما أن مصدر تلقي التشريع هو الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مُبَلِّغ غيره عن الله، يقول الحق -تبارك وتعالى-: (ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة:67]، إذًا الشريعة معصومة وصاحبها معصوم فيما يبلغ عن ربه عز وجل [SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: خلاصة تاريخ التشريع: ص(21، 28).



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

  • وأوّل مصادر التشريع في هذا العصر: القرآن الكريم:
الذي هو كلام الله المنزّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المُتَعَبَّد بتلاوته وأحكامه المكتوب في المصاحف بدءًا من سورة الفاتحة ونهاية بسورة الناس المنقول إلينا نقلًا متواترًا.
وكان آية دالَّة على صدق رسالته، نزل به جبريل عليه السلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم بلسانٍ عربي: (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) [الشعراء:192-195]، فالقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجّة الله البالغة في ذلك العصر، وفي كل عَصْـرٍ ومِصْـر، بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته امتثالًا لأمر ربه:(ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة:67].

وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة المجتهدين المصباح الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمانٍ ومكان، وهذا هو سرّ خلود الشريعة، وشمول قواعدها الكليّة ومقاصدها العامّة لما يحدث في الناس من أقضيات.
وإنما فصَّل القرآن ما لابدّ فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل، كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يُبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغيَّـر بتغَيُّـر الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرئم[SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(40-45)، خلاصة تاريخ التشريع: ص(28).



 
التعديل الأخير:

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

  • وأما المصدر الآخر من مصادر التشريع في هذا العصر: فهي السُّنـّة النبويَّة:
وهي التي أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ أو سيرةٍ فيما يبلغ عن ربه من غير أمر خاص به صلى الله عليه وسلم .
والسُّنّة تلي مرتبتها كتاب الله، فقد أخبر سبحانه وتعالى عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم بقوله:(وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) [النجم:3،4]
، وأمر باتباعه وطاعته:(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:7]، (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [النساء:59].
وحَذَّرنا من مخالفته:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور:63]، ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب:36]، وجعل ذلك من أصول الإيمان: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء:65]، وفرض على المؤمنين إطاعته؛ لأنها من طاعة الله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء:80].
وهذه النصوص تقطع دابر الشك في وجوب الأخذ بالسُّنّة في الأدلة الشرعية، واعتبارها في المقام الثاني بعد القرآن، لمكانتها في نفس المؤمن وتَثَبُّت المسلمين في نقلها بصورة لم يُعْهد لها نظير في تاريخ الأديان، بُذلت فيها جهود مُضْنِيَة لنقض ما نُسِبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا، وتمييز الصحيح من غيره[SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(87-89).



 

د. عبدالحميد بن صالح الكراني

:: المشرف العام ::
طاقم الإدارة
إنضم
23 أكتوبر 2007
المشاركات
8,117
الجنس
ذكر
الكنية
أبو أسامة
التخصص
فقـــه
الدولة
السعودية
المدينة
مكة المكرمة
المذهب الفقهي
الدراسة: الحنبلي، الاشتغال: الفقه المقارن
رد: الاجتهاد في عصر التشريع

ومما تجدر الإشارة إليه:
أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا العصر، أو إذنه لصحابته في الاجتهاد، أو إقراره لهم على اجتهادهم، كان من باب النظر في التطبيق بالجزئيات، ولا يعتبر هذا مصدرًا من مصادر التشريع.
حيث كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم عند الحاجة، وتأخر نزول الوحي، فلا يلبث الوحي أن ينزل فيُقِرُّه على اجتهاده، أو يُبيِّـن له وجه الخطأ فيه فيكون المصدر في المآل هو الوحي.
وكان اجتهاد الصحابة بحضرته إقرارًا منه لهم.
وكذلك كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث لا يتمكنون من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إما أن يُقِرّهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ما رأوا، وإما أن يُبَيِّـن لهم الخطأ، فيرجع التشريع إلى السنة ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم.
فالحكم راجع في الحوادث حينئذٍ إلى الوحي من الكتاب والسنة وبذلك يتضح أن الاجتهاد ليس من مصادر التشريع في هذا العصر ويكون مصدر التشريع في عهده النبوّة قاصرًا على الكتاب والسنة لا غير[SUP]([1])[/SUP].


([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(10).



 
أعلى