العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ ابن تميم الظاهري حفظه الله:


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فهذه تعليقة على مسألة مهمة للأصحاب والأحباب في فهم كيفية نقل كتب المذاهب الأربعة لفقه أهل الظاهر، بنيتها من خلال عملي في كتب أهل المذاهب الفقهية حين استخرجت أقوال أهل الظاهر المتقدمين والمتأخرين، قد نقلتها من مقدمة كتابي ( موسوعة فقه داود الظاهري ).

أما كتب الأصول فيأتي إن شاء الله الكلام عنها وذلك لأني انتظر الحصول على كتاب منها، واستخراج ما فيه، فعل له طريقة تخالف من انتهيت من كتبهم، فلا يصح الكلام عنها بمجموعها، وربما يخالف هذا الكتاب تلك الكتب، فرأيت تأخير الكلام عنها لحين الانتهاء من هذا الكتاب. وأما كتب التفسير، فيأتي الكلام عليها إن شاء الله لاحقاً، وكذلك كتب أحكام القرآن، فإنها ضمن هذه المجموعة ؛ لأني لم أفرغ بعد من كتاب مهم منها، وهو البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي الظاهري.

وكذلك الأمر بالنسبة لكتب شروح الحديث، فإن لها وقفة طويلة، خاصة ما نقل الحافظ العراقي في طرح التثريب، أو ما نقله النووي في شرح مسلم، أو فيما نقله ابن العربي.

وستجدني أقول أثناء الكلام على كتب المذاهب: ( فيها تغيير ) أو ( تبديل ) والتغيير هذا لا أقصد منه التلاعب منهم، فلا والله لا أظن بأحد منهم هذا الظن رغم مخالفتهم في الأصل والفرع.

لكن المراد: أن التساهل أحياناً في نقل مذهب الخصم قد يجعلك تنقله بالاختصار، أو في غير موضوعه فتسيء إلى القول نفسه دون أن تشعر.

وأعطيكم مثالاً على هذا النقل الناقص السيئ والذي فيه تغيير للحكم والمسألة: فينقل بعض الفقهاء من جميع المذاهب أن داود وأصحابه يقولون عن أمر الله تعالى من أراد القيام إلى الصلاة أن يتوضأ، فعلقوا الحكم بالقيام، فكل قائم عليه أن يتوضأ.

وهذا النقل باطل عن أهل الظاهر، والمسألة أخرجت من موضعها، ووضعت في موضع آخر، فقول داود والأصحاب: أن الأمر بغسل اليدين عند القيام من النوم معلق بالقيام منه، فكل قيام من نوم: يجب غسل اليدين منه.

فوضعها بعض كتب الفروع المذهبية تحت مسألة متى يجب الوضوء، فحين شرحوا أن المراد بالآية السابقة: أن كل من لم يكن على وضوء، فإذا أراد الصلاة فليتوضأ، أدخلوا قول الظاهرية هنا في تلك المسألة تحت هذه المسألة ! فجعلوا قولهم في ( القيام من النوم ) مفصولاً عن النوم، وجعلوا القيام هو تفسير للآية ( قمتم إلى الصلاة ).

وقد ذكرت مرة في شرح قاعدة الأخذ بالظاهر: أن الظاهر من هذه الآية مجموع مع ظاهر الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ثبت عنه أنه صلى أكثر من فرض واحد بوضوء واحد، وأنه لم يتوضأ إلا عند الحدث: صح أن المراد هنا من قام إلى الصلاة وهو غير متوضئ، وليس كل قائم عليه الوضوء، وهذا الذي ذكرته هو عمدة قول متقدمي أهل الظاهر لا غيره، ولا أعلم عن قول المعاصرين اليوم، فالله أعلم به.

فهذه المسائل ونحوها تنقل، ويغيّر فيها دون قصد، ولكن لقصور معرفة الناقل لمذهب أهل الظاهر، لذلك يقع منهم هذا الخطأ والخلط.

وهذه المسألة وما كان مثلها ذكرتها في كتابي ( موسوعة فقه الإمام داود الظاهري ) والتي عملت فيها سنوات، وستكون بالاشتراك بيني وبين شيخنا ووالدنا الأستاذ الدكتور محمد رواس قلعه الخبير في الموسوعة الفقهية.

إلا أنني في هذا الكتاب لم أفصل في التصويب والتخطئة ؛ لأن هذا العمل موسوعي فقط، والعمل الموسوعي لا يشترط فيه تحقيق صحة القول، وإنما ترتيب المحكي والمنقول فقط، لكني أشرت بعدم الصحة في الهامش ومحل كلامي عنها في كتاب آخر في فقه داود الظاهري على طريقة الفقهاء، وهو كتاب ( الجامع لمذهب الإمام أبي سليمان داود بن الظاهري ) ففي هذا الكتاب التحرير والتحقيق، وهذا المحل هو اللائق بمثل هذه المسائل.

فهذه تعليقة تفيد الأحباب والأصحاب لمعرفة مناهج الفقهاء في نقل قول الظاهرية، وكيفية تصحيح الأقوال المنقولة، وما هي الكتب التي تعتمد، وما مدى دقة المذاهب الفقهية في النقل عنهم، وكذلك إشارة إلى أكثر الموافقات لأهل الظاهر من فقه السلف، فأسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.


 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
هذه نقول من رسالتي "الإلزام دراسة نظرية وتطبيقية من خلال إلزامات ابن حزم للفقهاء" تؤكد الخلل الواضح في النقل عن أهل الظاهر:
النقل الأول:
تنبيهان:
التنبيه الأول: ينسب بعض الباحثين إلى ابن حزم أنه يعتبر إجماع الصحابة([1])، وهذا ليس بدقيق؛ بل هو مذهب أهل الظاهر في الجملة، لا ابن حزم، فإنََّّ ابنَ حزم رحمه الله إنما يُثْبِتُ صورةً مِنْ صور إجماع الصحابة، وهو ما شاهدوه مِنْ فعل الرسولِ ﷺ، أو تُيُقِّنَ أنه عَرَفَه كُلُّ مَنْ غاب عنه عليه الصلاة والسلام، وما عدا هذه الصورة مِنْ إجماعات الصحابة فإنَّ ابنَ حزم رحمه الله لا يعتبرها، ولا يُصَحِّحُها، بل ألزمَ مخالفيه مِنْ أهل الظاهر – كما سيأتي في القسم التطبيقي – أنَّ الصحابة والتابعين لم يدّعوا أصلاً مثلَ هذا الإجماع، بل ذَهَبَ إلى أبعدَ مِنْ ذلك، وهو تَعَذُّر وقوعِ هذا الإجماع مِنْ الصحابة فضلا عن غيرهم.
التنبيه الثاني:
لابن حزم كتاب اسمه: "مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات" قصدَ فيه جمعَ المسائل التي تُيقِّن أنه لم يخالف فيها أحد مِنْ علماء الإسلام، حسب طريقته في تحصيل الإجماع، وظنَّ بعضَ مَنْ لم يستكمل كلام ابن حزم في سائر الموارد أنَّ هذا مِنْ ابن حزم يناقض ما قرَّره في كتابه الأصولي "الإحكام" مِنْ أنه لا معنى لطلب ما أجمع عليه أو اختلف فيه([2])، وقد دفعنا في هذا المبحث هذا الإشكال الوارد بكلام ابن حزم نفسه.
النقل الثاني:
تعليق الباحث على النصوص السابقة [في استدراكات الناس على أهل الظاهر]:
يظهر لي والله أعلم أنَّ المستدركين على أهل الظاهر لم يدركوا تفاصيل مذهب الظاهرية كما رسمه الإمام ابنُ حزم، وأَعْتَبِرُ بأنَّ أكثر ما يُحكى عنْ أهل الظاهر هي أشياء مجملة: مثل نفيهم القياس، وقولهم في مسألة البول في الماء الدائم، ودلالة قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف...﴾([3])، ولا تكاد تجد تفاصيل مذهب أهل الظاهر في كتاباتهم.
فلما تجاوزوا أصولَ أهل الظاهر، ظنوا أنَّ بعضَ ما أثبته أهلُ الظاهر هو مِن القياس، وسَبَقَ في ترجمة ابن حزم العلمية: كيف كان ابن حزم نَصِّيّاً محضا، وكيف استطاع أنْ يَنْظِمَ جميعَ أصوله في النص، وكيف كان مُطَّرِدا في استعمال النص، والنِّفَار مِن القياس، وكيف كان يُشَنِّعُ على مخالفيه أنهم لم يصيبوا الحق، ولم يَطَّرِدوا حتى في باطلهم، ولذلك فإنَّ قضية اعتبار الأصول، واطِّرَاد الأقوال: أمرٌ ظاهرٌ جداً عند ابن حزم، سواء في ما اعتبره، أو فيما شَنَّع فيه على مخالفيه، وكم نبَّه / وهو يستعمل الأدلة أنَّ طريقته هذه ليست هي القياس.
كما أنَّ للظاهرية أصولاً معروفة غير الأخذ بظاهر النص: مثل قولهم بالدليل، وهو ما تضطر إليه دلالة النص، أو القول بالاستصحاب، وغير ذلك مما سَطَّره الإمام ابن حزم في كتبه.
وكثيرٌ ممَنْ رامَ الاستدراك على أهل الظاهر، فإنه إنما قَصَدَ إلى بعض المنتسبين إلى أهل الظاهر، ممن أثبت أنواعا مِن القياس، كالقياس الجلي، أو اعتبار العلل المنصوصة، أو أنهم قصدوا إلى بعضَ الصور المتفق عليها، وليست هي محل جدل، ولا مَثار خلاف، مثل عدم اختصاص النص بصورة السبب، ليجعلوا مِنْ هذا الواقع، وهو اتفاق أهل الظاهر معهم في هذه الصورة اتفاقاً معهم في أصل القياس وصحته.
وفي المقابل تجدُ أنَّ مَنْ كان أعرف بمذهبهم كابن عبد البر وابن تيمية والذهبي وابن القيم والصنعاني والشوكاني: تجده أكثر إنصافا لهم.
هذا، ولم أجد بعد طول بحث وسؤال، مسألةً واحدة قال بها ابن حزم بالقياس، لا سيما وأنَّ مُدَوَّناته هي التي تمثِّل مدرسة أهل الظاهر أصولاً وفروعا حاضرةٌ بين أيدينا، على أنه قد يثْبِتُ بعضُ أهل الظاهر كما سبق مسائلَ مِن القياس إما مِن جهة إدراجه في النص، أو حتى على سبيل الخطأ، وقد أشار الإمام ابن حزم إلى هؤلاء فقال: " واختلف المُبْطِلون للقياس، فقالت طائفة منهم: إذا نَصَّ اللهُ تعالى على أنه جعل شيئا ما سببا لحكم ما، فحيث ما وُجِدَ ذلك السبب وُجِدَ ذلك الحكم، وقالوا: مثال ذلك قول رسول الله ﷺ إذ نهى عن الذبح بالسِّنِّ: « وأما السِّنَّ فإنه عظم »([4]). قالوا: فكل عظم لا يجوز الذبح به أصلا، قالوا: ومِنْ ذلك قول رسول الله ﷺ في السَّمْن تقع فيه الفأرة: « فإنْ كان مائعا فلا تقربوه »([5]) قالوا: فالميعان سببٌ أنْ لا يُقْرَب، فحيث ما وُجِدَ مائع حَلَّت فيه نجاسة فالواجب ألا يُقْرَب.
قال أبو محمد: وهذا ليس يقول به أبو سليمان /، ولا أحدٌ مِنْ أصحابنا، وإنما هو قولٌ لقومٍ لا يُعْتَدُّ بهم في جملتنا كالقاسانيوضربائه."([6])
قلتُ: وببراءة ابن حزم - وهو راسم مدرسة أهل الظاهر- مِنْ هؤلاء، وعدم اعتداده في جملتهم لِمُجَرَّد إثباتهم العِللَ المنصوصة، يُفَنَّد كل ما قيل مِنْ إثبات أهل الظاهر أنواعاً مِن القياس على هذا الوجه، ومَن عَرَفَ مذهب أهل الظاهر عن قُرْب، وعَرَفَ تَطَرُّفَهم في إنكار القياس والحكمة والتعليل، وركوبهم الآراء الشاذة حذراً مِن الوقوع في القياس، ورأى توسيعَهم دلالة العموم والاستصحاب، ونَظَرَ إلى الأصول التي قامت عليها مدرستهم: أدركَ وعورة هذه الدعوى، وهذا ليس دفاعا عن أهل الظاهر، أو حتى عن ابن حزم، بِقَدْر ما هو إنصافٌ بأنْ يُسَجَّل في صحيفتهم هذا الاطِّراد النادر والصعب، وكيف استطاعوا أن ينظموا الوقائع والأحداث في منهجهم النَّصِّي مِنْ غير إكراه على القياس، حتى إنَّ الإمامَ الشاطبيَّ رحمه الله، وهو الذي تقوم مدرسته على معنىً مناوئ لأهل الظاهِر، وهو اعتبار المعاني والعلل والمقاصد، لمَّا ذكر شُمول النصوصِ للأحكام: اعتبرَ بالظاهرية، الذين هم أقربُ الطوائفِ مِنْ إعواز المسائل النازِلة؛ لإنكارهم القياس، ولم يثبت عنهم مع ذلك أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة مِنْ المسائل.([7])
على أنَّه لا يستطاع أنْ يتجاوز ما قد يقع مِن أهل الظاهر مِن غلطٍ وتناقضٍ في جملة مِن المسائل، بيد أنه لا يَصِحُّ بحال أنْ َتحمِلَ هذه الغلطات، دعوى تناقضهم وإثباتهم القياس عملا، كما أنه لا يمكن في المقابل أنْ يُدَّعى على أهل القياس أنهم لا يعملون القياس مِنْ أجل تركهم القياس في جملة مِن المسائل كما قرَّره عليهم ابن حزم.
وفَرْقٌ ظاهرٌ بين أنْ يقال:
إنَّ ابن حزم أثبت القياسَ في مسألة أو حتى في جملة مِن المسائل المعدودة، فهذا أمر ممكن، ويجوز أنْ يقع ، ولا أستبعد وقوعَه مِنْ ابن حزم قليلا؛ لأنَّ إنكار المعاني أمرٌ عسيرٌجدا، فابن حزم وإن التزم إنكاره، وأجاد في الاطِّراد بتمسكه بهذا الأصل، حتى إنه أركبنفسه الأقوال الشاذة، كل ذلك نفرة مِنْ القول بالقياس، إلا أنه غير مستعبد أن يقع منهالخطأ المرة والمرتين، وإن كان لم يقع لي حتى الآن موضعٌ استطيعُ أنْ أجزم بوقوعه فيه.
ففرقٌ بين ما سبق، وبين أن يقال: إنَّ ابن حزم رحمه الله كان ينكر القياس قولاً، ثم يذهب ويثبته عملاً، فالثاني هو الذي ننكره، ونَجزِمُ بخطئه.
وقد أشار ابنُ العربي وهو المُنَافِرُ لابن حزم إلى صعوبة الاستدراك على أهلِ الظاهر، فقد قال ما نقلنا عنه أولاً أنَّ ابنَ حزم لا يبالي عنْ داود ولا عن سواه، وأنه بذلك يكونُ ضاربا معه في حديدٍ بارد، وقال أيضاً في َمْعرِضِ التحذيرِ منهم: "وقد كان جاءني بعضُ الأصحاب بجزء لابن حزم سمَّاه "نُكت الإسلام"، فَجَرَّدتُ عليه "نواهي"، وجاءني برسالة "الدُّرَّة" في الاعتقاد، فنقضتُها برسالة "الغُرَّة"، والأمر أفحش مِنْ أنْ يُنْقَض، وأفسد مِنْ أنْ يُفسد؛ إذ ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون: لا قول إلا ما قال الله، ولا نتَّبع إلا رسول الله، فإنَّ الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا الاهتداء بهدي بشر، ولا بالانقياد إلى أحد."([8])
ومع كُلِّ ما سبق، إلا أنَّ ابن حزم رحمه الله أبى إلا أنْ يتطوَّع بذكر بعض إلزامات القياسيين على أهل الظاهر، ثم أتى عليها مفنِّدا([9])، وكأنه رحمه الله سَمِعَ شيئا مِنْ ذلك، أو خَشِيَ أنْ يقال بأنَّ أهل الظاهر أثبتوا ما هو مِن القياس وقد قيل فاستبق الزمانَ والدعوى.
-----------------------------------------------------------------------
1- حجية الإجماع لعدنان السرميني (ص46، 316).
2- ينظر تعليق محقق كتاب ابن حزم "مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات (ص23).

3- سورة الإسراء: 23

4- أخرجه البخاري (رقم5503)، ومسلم (رقم1968) مِنْ حديث رافع بن خديج t.

5- سبق تخريجه.

6- الإحكام (8/1110).

7- الموافقات (4/189).

8- العواصم مِن القواصم (ص250).

9- ينظر مثلا: الإحكام (7/931، 932، 945، 946).
 
التعديل الأخير:

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
يتبع...

يتبع...

فأبدأ أولاً بمسألة الإشارة إلى موافقات السلف لقول أهل الظاهر، ثم نشرع في بيان الكلام على كتب المذاهب بحسب الترتيب الزماني للمذاهب، فأقول وبالله تعالى التوفيق.

* * *

النبذة الأولى: موافقات الظاهرية للسلف الصالح.

قد طلب مني بعض الأحباب وهو أبو محمد المصري الظاهري أن أشير إلى هذه الموافقات بحسب عملي في فقه داود خاصة، وفي فقه أهل الظاهر عامة، وأقد استجبت له في ذلك، وسأبين ذلك على سبيل الاختصار ؛ لأني ذكرت له أنني لم أقيد أرقام هذه المخالفات، وإنما سأذكر ذلك على سبيل الإجمال، فإن أحصيتها بينت ذلك في مقدمة كتابي الذي فرغت منه ( موسوعة فقه داود ) إن شاء الله تعالى.

فالذي نقوله في هذا المقام: إن أكثر موافقات الصحابة لأهل الظاهر عامة، أو لداود خاصة في مسائل الفقه فهي موافقات سأذكرها بحسب الكثرة، وهؤلاء دائماً يكون قول داود موافقاً لقولهم في أصل المسألة.

وهذه الموافقات مع: علي بن أبي طالب، ثم ابن عباس، ثم عمر بن الخطاب، ثم أبي بكر الصديق، ثم عثمان بن عفان، ثم عبد الله بن الزبير، ثم أبي هريرة، ثم ابن مسعود، ثم يأتي أصحاب الموافقات القليلة، وهم كثرة.

أما من بعدهم من التابعين وغيرهم فأكثر الموافقات فهي مع: ابن سرين، ثم الزهري، ثم الحسن البصري، ثم عطاء، ثم ابن المسيب، ثم ابن جبير، ثم مجاهد، ثم عمر بن عبد العزيز.

أما من فقهاء الأمصار، فأكثر الموافقات فهي مع: الأوزاعي، ثم الليث بن سعد، ومن بعدهما أبو ثور، ثم أحمد، ثم الشافعي، ثم مالك، ثم النعمان، ثم الطبري، ثم المزني.

فهذا ما يحضرني في هذه الموافقات، وإن شاء الله أحصي ذلك في مقدمة الموسوعة عن داود، وأبين بالأرقام كل ذلك، ولعله يتغير عن هنا قليلاً، أو كثيراً، لأن الاعتماد هنا على العمل والذاكرة، ولعلي أخطأت، أو زدت، أو أنقصت، فالإحاطة بكل هذه الأقوال ومدى الموافقة أمر يعسر بلا تقييد عدد.

النبذة الثانية: قول أهل الظاهر في كتب المذاهب الأربعة:

قبل الشروع في بيان ذلك أحببت الكلام عن أمور، وهي:

الأمر الأول: حكاية عدم الاعتداد بخلاف الظاهرية عند بعض الشافعيين.

فهذا القول الحادث لا معنى له أصولياً، ولا فقهياً، إذ من قال بهذه البدعة مقلد شافعي، وباتفاق بين المجتهدين إذا تساهلنا معهم بحسب أصولهم: أن الاجتهاد هو اتفاق مجتهدي عصر من العصور على شيء ما.

أي: أن الاجتهاد هو أساس اعتبار قول الرجل، وكونه انطبق عليه شرط الاجتهاد، وداود وغيره انطبقت عليهم شروط الاجتهاد، فهذا أولاً.

أما ثانياً: فإذا اتفقوا على أن مجتهدي عصر من العصور إذا اتفقوا على شيء فهو حجة كما يقولون: فالجويني الأشعري، ومثله الإسفراييني ليسوا من أهل الاجتهاد المطلق أصلاً، ولا يوضعون ضمن المجتهدين المطلقين، ومن وضعهم فهو إما جاهل، وإما مكابر.

أما ثالثاً: فلم يجمع أحد من مجتهدي عصر من العصور على أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، ولا قال بهذا غير صاحب هذه الدعوى المبتدعة، ولا برهان له بها، فسقطت.

أما رابعاً: فإن قول الجويني والإسفراييني وهما مقلدة لأصول الإمام الشافعي قول مقلدة في إخراج إمام مجتهد شهدت له الأمة من قبلهم ومن بعدهم بالإمامة والتقدم في الديانة، وسعة العلم، والاجتهاد المطلق، فلا يقبل منهما هذا القول حتى يقيما برهان على دعواهما، وإلا بطلت.

واعلم ما يفيدك في هذا الباب: فإن الشافعيين في الراجح عند حذاقهم يقولون: الإجماع السكوتي ليس بحجة، وهو القول الذي قيل من أحد الفقهاء، واشتهر، ولم يردنا إنكاره عن غيره.

فكل ما ينقلون فيه إجماعاً لا قطع فيه فهو ليس بحجة، ولا يعتمد في إثبات الأحكام عندهم، فإذا علمت ذلك، فاعلم أيضاً ما يقطع لهم هذه البدعة:

أن قول العلماء بالاعتداد بقول العلماء المجتهدين هو لمعرفة أهل الإجماع، فمتى ما خرج أحدهم عنهم، أو لم يعلموا قوله، أو علموا أن في القرن هذا علماء من أهل الاجتهاد، ولا يعلمون قولهم في مسائل كثيرة أو قليلة: فلا يكون هذا إجماعاً أصلاً، بل هو العلم بعدم الخلاف، وهذا الذي قال عنه الإمام أحمد من ادعى الإجماع فيه فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.

فإذا صح ذلك: فلا معنى لقول قائل: لا يعتد بخلاف فلان ؛ لأن الأئمة الذين هم من أهل الاجتهاد منهم من علم بالاسم، ومنه من علم بالوصف، أي استحق الاجتهاد بما اتصف به من فقه وعلم بالكتاب والسنة.

فتارة نقف على اتفاق العلماء باسمهم، وتارة لا نقف، كما أننا تارة نقف على قول مجتهد لم نسمع به من قبل، وتارة لا نسمع، فلا حاجة أصلاً لتحرير مدى إجماعهم وعدمه.

وخاصة أن هؤلاء وغيرهم من المعاصرين قد نصوا على عدم إمكان تحقق الإجماع ؛ لتعذر الوقوف على كل قول قائله مجتهد في ذلك الزمان.

فصحيح أن هناك وسيلة اتصال اليوم، إلا أنها ليست عند كل عالم مجتهد، فلذلك كانت هذه المقولة باطلة فاسدة يراد منها التشنيع، والفرار من اعتراض الخصم فقط.

وجلهم يعتمد على نقل غير مسند عن ابن سريج الشافعي صاحب محمد بن داود الظاهري أن من أوصى بثلث ماله على الفقهاء: فالظاهرية يخرجون من الوصية !

وحجتهم الأولى في ذلك: أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، لأن الاجتهاد هو القياس، وهذا باطل فاسد.

فالاجتهاد هو طلب حكم الله تعالى بعد إفراغ الجهد والبحث، وهذا باعتراف جميعهم، فوضعوا معنى الاجتهاد على معنى القياس فقط دون غيره، فأخرجوا الظاهرية وغيرهم من مبطلي القياس عن اسم المجتهد، وهذا كما ترى شغب وتمويه فاسد.

فكل من استحق وصف المجتهد فإن قولهم معتبر ومحترم بمعنى أن نقول: قاله وله أجر وإن أخطأ ؛ لأنه استكمل أدوات الاجتهاد، أما مسألة الاعتداد التي يراد منها تركيب إجماع متوهم كما يفعل هؤلاء فلا والله لا يصح ذلك من كل وجه.
وهكذا قول الجويني والإسفراييني بأن الظاهرية ليسوا بمجتهدين، لذلك لا يعتد بخلافهم !

وحجتهم الثانية هي ما نقل عن الباقلاني ومن أخذ بقوله في قوله: إن الفقه مبني على الظنون، فأسس هؤلاء مسألة الاعتداد على أن الظاهرية لا يقولون بالظن، فليسوا بفقهاء !

فجعلوا معنى الفقه: القول بالظن، وكأن الفقه ليس منه قول باليقين الذي عمل به الظاهرية، فكان ينبغي عليهم أن يقولون: الظاهرية نصف فقهاء ! لا أن ينفوا الفقه جملة عنهم، فهذا من بديع وسواسهم لنصرة ما يؤسسون له من باطل.

فإن كان الفقه مبني على الظن: فما الدليل الموجب العمل به ؟ وما الدليل المبيح لاستخراج الحكم عن طريقه ؟ وما الدليل الموجب أن من خالفه آثم ؟ فهذا لا يجده أحد من هؤلاء إلا بالإلهام !

فإذا وقفت على الشغب في قولهم هذا، حيث جعل الاجتهاد هو القياس فقط، وجعل الفقه هو العمل بالظن فقط: علمت فساد طريقتهم، وكيفية احتجاجهم على خصومه، فلا أفلح من تعصب وتحزب لغير اليقين من الكتاب والسنة، نسأل الله السلامة من ذلك.

أما الأمر الثاني الذي أردت الكلام عنه، فهو التنبيه على بعض حيل أهل المذاهب في التشنيع على الخصم.

فإنهم إذا أرادوا التشنيع على مخالفهم نقلوا قوله، ولم ينقلوا قول غيره ممن سبقه من العلماء، ويأخذون بالتشنيع عليه لمخالفة الأمة كما يقولون، أو لمخالفة الجمهور.

وتارة يقولون: لم يشذ في ذلك أحد إلا فلان، وهو محجوج بالإجماع أو بالاتفاق، ونحو ذلك من عبارات.

فاعلم علمني الله وإياك: إن أكثر هذه المسائل التي جمعتها ونسبت إلى داود لم يكن القائل الأول بها، وإنما كان قوله متأخر عن قول الصحابي الذي قال به، أو أكثر من صحابي قالوا به، أو تابعي، أو تابع تابعي.

فأخرج أصحاب المذاهب هؤلاء السلف، وحكوا قول داود وحده ليشنعوا عليه، ويبينوا أن مذهبه غريب عجيب لم يقل به أحد لبيان تفرده الشاذ !

وهذا كثيراً ما تجده عند الشافعيين، والحنفيين، والمالكيين، ونادراً ما تجده عند الحنبليين، فإنهم كما سترى بعد قليل أكثر الناس دقة في النقل عن داود، وأكثرهم احتفالاً بذكر آرائه.

فهذه الطرق لا يراد منها إلا التشنيع على داود، أو أهل الظاهر بغير حجة، ويغطون خلاف الصحابي، أو التابعي، ويرمونه بالشذوذ والتفرد، ناسين ومتناسين أن الخلاف فيه قديم، ومن جهل هذا فكان الأولى به أن لا يتجرأ ويزعم أن هذا لم يخالف فيه أحد إلا داود، فهذا من الكذب إن تعمده، وكان يعلم أنه لا يعرف أقوال السلف.

واستبعد أن يكون هؤلاء لم يقفوا على الاختلاف القديم ؛ لأن هذه الكتب التي يكثر فيها التشنيع تنقل قول داود من الكتب التي نقلت قوله مع قول الصحابي الموافق، أو التابعي، أو تابع التابعي، فلا عذر ها هنا أصلاً.

لذلك ستجد في كتابي ( موسوعة فقه داود ) قول داود، ثم في الهامش قول من وافقه من الفقهاء، سواء صحابي، أو تابعي، أو تابع تابعي، أو من فقهاء الأمصار، لبيان عدم شذوذه فيما ادعي عليه الشذوذ، وأنه تفرد بهذا القول.
...
http://www.aldahereyah.net/forums/showthread.php?t=2652
يتبع....
 
التعديل الأخير:

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
هذه نقول من رسالتي "الإلزام دراسة نظرية وتطبيقية من خلال إلزامات ابن حزم للفقهاء" تؤكد الخلل الواضح في النقل عن أهل الظاهر:
النقل الأول:
تنبيهان:
التنبيه الأول: ينسب بعض الباحثين إلى ابن حزم أنه يعتبر إجماع الصحابة([1])، وهذا ليس بدقيق؛ بل هو مذهب أهل الظاهر في الجملة، لا ابن حزم، فإنََّّ ابنَ حزم رحمه الله إنما يُثْبِتُ صورةً مِنْ صور إجماع الصحابة، وهو ما شاهدوه مِنْ فعل الرسولِ ﷺ، أو تُيُقِّنَ أنه عَرَفَه كُلُّ مَنْ غاب عنه عليه الصلاة والسلام، وما عدا هذه الصورة مِنْ إجماعات الصحابة فإنَّ ابنَ حزم رحمه الله لا يعتبرها، ولا يُصَحِّحُها، بل ألزمَ مخالفيه مِنْ أهل الظاهر – كما سيأتي في القسم التطبيقي – أنَّ الصحابة والتابعين لم يدّعوا أصلاً مثلَ هذا الإجماع، بل ذَهَبَ إلى أبعدَ مِنْ ذلك، وهو تَعَذُّر وقوعِ هذا الإجماع مِنْ الصحابة فضلا عن غيرهم.
التنبيه الثاني:
لابن حزم كتاب اسمه: "مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات" قصدَ فيه جمعَ المسائل التي تُيقِّن أنه لم يخالف فيها أحد مِنْ علماء الإسلام، حسب طريقته في تحصيل الإجماع، وظنَّ بعضَ مَنْ لم يستكمل كلام ابن حزم في سائر الموارد أنَّ هذا مِنْ ابن حزم يناقض ما قرَّره في كتابه الأصولي "الإحكام" مِنْ أنه لا معنى لطلب ما أجمع عليه أو اختلف فيه([2])، وقد دفعنا في هذا المبحث هذا الإشكال الوارد بكلام ابن حزم نفسه.
النقل الثاني:
تعليق الباحث على النصوص السابقة [في استدراكات الناس على أهل الظاهر]:
يظهر لي والله أعلم أنَّ المستدركين على أهل الظاهر لم يدركوا تفاصيل مذهب الظاهرية كما رسمه الإمام ابنُ حزم، وأَعْتَبِرُ بأنَّ أكثر ما يُحكى عنْ أهل الظاهر هي أشياء مجملة: مثل نفيهم القياس، وقولهم في مسألة البول في الماء الدائم، ودلالة قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف...﴾([3])، ولا تكاد تجد تفاصيل مذهب أهل الظاهر في كتاباتهم.
فلما تجاوزوا أصولَ أهل الظاهر، ظنوا أنَّ بعضَ ما أثبته أهلُ الظاهر هو مِن القياس، وسَبَقَ في ترجمة ابن حزم العلمية: كيف كان ابن حزم نَصِّيّاً محضا، وكيف استطاع أنْ يَنْظِمَ جميعَ أصوله في النص، وكيف كان مُطَّرِدا في استعمال النص، والنِّفَار مِن القياس، وكيف كان يُشَنِّعُ على مخالفيه أنهم لم يصيبوا الحق، ولم يَطَّرِدوا حتى في باطلهم، ولذلك فإنَّ قضية اعتبار الأصول، واطِّرَاد الأقوال: أمرٌ ظاهرٌ جداً عند ابن حزم، سواء في ما اعتبره، أو فيما شَنَّع فيه على مخالفيه، وكم نبَّه / وهو يستعمل الأدلة أنَّ طريقته هذه ليست هي القياس.
كما أنَّ للظاهرية أصولاً معروفة غير الأخذ بظاهر النص: مثل قولهم بالدليل، وهو ما تضطر إليه دلالة النص، أو القول بالاستصحاب، وغير ذلك مما سَطَّره الإمام ابن حزم في كتبه.
وكثيرٌ ممَنْ رامَ الاستدراك على أهل الظاهر، فإنه إنما قَصَدَ إلى بعض المنتسبين إلى أهل الظاهر، ممن أثبت أنواعا مِن القياس، كالقياس الجلي، أو اعتبار العلل المنصوصة، أو أنهم قصدوا إلى بعضَ الصور المتفق عليها، وليست هي محل جدل، ولا مَثار خلاف، مثل عدم اختصاص النص بصورة السبب، ليجعلوا مِنْ هذا الواقع، وهو اتفاق أهل الظاهر معهم في هذه الصورة اتفاقاً معهم في أصل القياس وصحته.
وفي المقابل تجدُ أنَّ مَنْ كان أعرف بمذهبهم كابن عبد البر وابن تيمية والذهبي وابن القيم والصنعاني والشوكاني: تجده أكثر إنصافا لهم.
هذا، ولم أجد بعد طول بحث وسؤال، مسألةً واحدة قال بها ابن حزم بالقياس، لا سيما وأنَّ مُدَوَّناته هي التي تمثِّل مدرسة أهل الظاهر أصولاً وفروعا حاضرةٌ بين أيدينا، على أنه قد يثْبِتُ بعضُ أهل الظاهر كما سبق مسائلَ مِن القياس إما مِن جهة إدراجه في النص، أو حتى على سبيل الخطأ، وقد أشار الإمام ابن حزم إلى هؤلاء فقال: " واختلف المُبْطِلون للقياس، فقالت طائفة منهم: إذا نَصَّ اللهُ تعالى على أنه جعل شيئا ما سببا لحكم ما، فحيث ما وُجِدَ ذلك السبب وُجِدَ ذلك الحكم، وقالوا: مثال ذلك قول رسول الله ﷺ إذ نهى عن الذبح بالسِّنِّ: « وأما السِّنَّ فإنه عظم »([4]). قالوا: فكل عظم لا يجوز الذبح به أصلا، قالوا: ومِنْ ذلك قول رسول الله ﷺ في السَّمْن تقع فيه الفأرة: « فإنْ كان مائعا فلا تقربوه »([5]) قالوا: فالميعان سببٌ أنْ لا يُقْرَب، فحيث ما وُجِدَ مائع حَلَّت فيه نجاسة فالواجب ألا يُقْرَب.
قال أبو محمد: وهذا ليس يقول به أبو سليمان /، ولا أحدٌ مِنْ أصحابنا، وإنما هو قولٌ لقومٍ لا يُعْتَدُّ بهم في جملتنا كالقاسانيوضربائه."([6])
قلتُ: وببراءة ابن حزم - وهو راسم مدرسة أهل الظاهر- مِنْ هؤلاء، وعدم اعتداده في جملتهم لِمُجَرَّد إثباتهم العِللَ المنصوصة، يُفَنَّد كل ما قيل مِنْ إثبات أهل الظاهر أنواعاً مِن القياس على هذا الوجه، ومَن عَرَفَ مذهب أهل الظاهر عن قُرْب، وعَرَفَ تَطَرُّفَهم في إنكار القياس والحكمة والتعليل، وركوبهم الآراء الشاذة حذراً مِن الوقوع في القياس، ورأى توسيعَهم دلالة العموم والاستصحاب، ونَظَرَ إلى الأصول التي قامت عليها مدرستهم: أدركَ وعورة هذه الدعوى، وهذا ليس دفاعا عن أهل الظاهر، أو حتى عن ابن حزم، بِقَدْر ما هو إنصافٌ بأنْ يُسَجَّل في صحيفتهم هذا الاطِّراد النادر والصعب، وكيف استطاعوا أن ينظموا الوقائع والأحداث في منهجهم النَّصِّي مِنْ غير إكراه على القياس، حتى إنَّ الإمامَ الشاطبيَّ رحمه الله، وهو الذي تقوم مدرسته على معنىً مناوئ لأهل الظاهِر، وهو اعتبار المعاني والعلل والمقاصد، لمَّا ذكر شُمول النصوصِ للأحكام: اعتبرَ بالظاهرية، الذين هم أقربُ الطوائفِ مِنْ إعواز المسائل النازِلة؛ لإنكارهم القياس، ولم يثبت عنهم مع ذلك أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة مِنْ المسائل.([7])
على أنَّه لا يستطاع أنْ يتجاوز ما قد يقع مِن أهل الظاهر مِن غلطٍ وتناقضٍ في جملة مِن المسائل، بيد أنه لا يَصِحُّ بحال أنْ َتحمِلَ هذه الغلطات، دعوى تناقضهم وإثباتهم القياس عملا، كما أنه لا يمكن في المقابل أنْ يُدَّعى على أهل القياس أنهم لا يعملون القياس مِنْ أجل تركهم القياس في جملة مِن المسائل كما قرَّره عليهم ابن حزم.
وفَرْقٌ ظاهرٌ بين أنْ يقال:
إنَّ ابن حزم أثبت القياسَ في مسألة أو حتى في جملة مِن المسائل المعدودة، فهذا أمر ممكن، ويجوز أنْ يقع ، ولا أستبعد وقوعَه مِنْ ابن حزم قليلا؛ لأنَّ إنكار المعاني أمرٌ عسيرٌجدا، فابن حزم وإن التزم إنكاره، وأجاد في الاطِّراد بتمسكه بهذا الأصل، حتى إنه أركبنفسه الأقوال الشاذة، كل ذلك نفرة مِنْ القول بالقياس، إلا أنه غير مستعبد أن يقع منهالخطأ المرة والمرتين، وإن كان لم يقع لي حتى الآن موضعٌ استطيعُ أنْ أجزم بوقوعه فيه.
ففرقٌ بين ما سبق، وبين أن يقال: إنَّ ابن حزم رحمه الله كان ينكر القياس قولاً، ثم يذهب ويثبته عملاً، فالثاني هو الذي ننكره، ونَجزِمُ بخطئه.
وقد أشار ابنُ العربي وهو المُنَافِرُ لابن حزم إلى صعوبة الاستدراك على أهلِ الظاهر، فقد قال ما نقلنا عنه أولاً أنَّ ابنَ حزم لا يبالي عنْ داود ولا عن سواه، وأنه بذلك يكونُ ضاربا معه في حديدٍ بارد، وقال أيضاً في َمْعرِضِ التحذيرِ منهم: "وقد كان جاءني بعضُ الأصحاب بجزء لابن حزم سمَّاه "نُكت الإسلام"، فَجَرَّدتُ عليه "نواهي"، وجاءني برسالة "الدُّرَّة" في الاعتقاد، فنقضتُها برسالة "الغُرَّة"، والأمر أفحش مِنْ أنْ يُنْقَض، وأفسد مِنْ أنْ يُفسد؛ إذ ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون: لا قول إلا ما قال الله، ولا نتَّبع إلا رسول الله، فإنَّ الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا الاهتداء بهدي بشر، ولا بالانقياد إلى أحد."([8])
ومع كُلِّ ما سبق، إلا أنَّ ابن حزم رحمه الله أبى إلا أنْ يتطوَّع بذكر بعض إلزامات القياسيين على أهل الظاهر، ثم أتى عليها مفنِّدا([9])، وكأنه رحمه الله سَمِعَ شيئا مِنْ ذلك، أو خَشِيَ أنْ يقال بأنَّ أهل الظاهر أثبتوا ما هو مِن القياس وقد قيل فاستبق الزمانَ والدعوى.
-----------------------------------------------------------------------
1- حجية الإجماع لعدنان السرميني (ص46، 316).
2- ينظر تعليق محقق كتاب ابن حزم "مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات (ص23).

3- سورة الإسراء: 23

4- أخرجه البخاري (رقم5503)، ومسلم (رقم1968) مِنْ حديث رافع بن خديج t.

5- سبق تخريجه.

6- الإحكام (8/1110).

7- الموافقات (4/189).

8- العواصم مِن القواصم (ص250).

9- ينظر مثلا: الإحكام (7/931، 932، 945، 946).

جزاك الله خيرا..
هل بحثك شيخنا الفاضل متوفر على الشبكة على شكل وورد بارك الله فيكم
 

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
فنأتي الآن إلى تحرير ما نحن فيه وما نريده من مسألة نقل المذاهب لقول أهل الظاهر، وكيفية ذلك، وكيفية تحقيقه، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

أولاً: المذهب الحنفي ونقل فقه أهل الظاهر:

المسألة الأولى: أول كتاب نقل قول أهل الظاهر عند الحنفيين:

إن من أوائل الكتب التي نقلت قول أهل الظاهر هو المبسوط للسرخسي الحنفي، والنقل المراد هو ذكره حين ورود المسألة ليس بقصد الرد، وإنما بيان أقوال العلماء فقط، وإن كان السرخسي يجيب عما ذكره أهل الظاهر من دليل.

وهذا بخلاف كتب الجصاص الحنفي، فإنه يذكر أهل الظاهر للطعن فيهم، ويتقول على داود ما لم يقله، كقوله عن داود: أن حجج العقول ليست بحجة، وهذا باطل عن داود، وقد ذكر بعض أهل العلم من غير أهل الظاهر فساد هذا المعنى المحكي عن داود، وكذا سنراه فيما جمعت من فقهه ووقوفه على حجج العقول.

المسألة الثانية: دقة النقل عن أهل الظاهر عند الحنفيين:

المذهب الحنفي هو مذهب بضد منهج أهل الظاهر تماماً، فأهل الظاهر أهل نص وأثر، ولا يدخلون الرأي والظن في اجتهادهم، وهذا بخلاف المذهب الحنفي، فهو مذهب أصحاب الرأي والظن.

لذلك سترى في كتب أصحاب هذا المذهب قلة النقل عن أهل الظاهر، كما تلاحظ قلة النقل عن أئمة الحديث أيضاً، وخاصة المتأخرين منهم وأصحاب الشروح، فقليلاً ما يشيرون إلى قول أهل الظاهر.

والملاحظ على كتب الحنفيين: عدم الدقة في النقل، ويرجع ذلك إلى عدم النقل من كتب أهل الظاهر في الأغلب.
فلم أقف حين جمعي لفقه أهل الظاهر من كتبهم إلى إشارة أحدهم لبعض كتب أهل الظاهر، أو أنه نقل ذلك من كتاب كذا للظاهري فلان، وأغلب النقل يكون عن النووي في مجموعه الذي شرح به المهذب للشيرازي.

أي أنهم ينقلون عن غيرهم من كتب المذاهب في الأغلب، رغم أن النقل عن الغير قد يكون غير دقيق أيضاً، إلا المتقدمين من الحنفيين فإنهم ينقلون قول أهل الظاهر دون الإشارة إلى الكتاب الذي نقلوا عنه.

وفي الجملة: لا يتجاوز النقل عن أهل الظاهر في كتب الحنفيين المائة مسألة أو أقل، وأكثرها مكرر، وتجد أكثرها في بدائع الصنائع للكاساني، وشرح فتح القدير لابن الهمام، والبحر الرائق، وحاشية ابن عابدين، أما غيرها فهي إما أنها تنقل عن هؤلاء، وإما من كتب المذاهب الأخرى، وهو بكل حال نقل شحيح.

المسألة الثالثة: الاستعانة بكتب الحنفيين في تحقيق قول أهل الظاهر:

ينبني على مسألة دقة النقل، مسألة صحة الاستعانة بنقلهم، فالذي ظهر لي عدم صلاحية الاستعانة بكتب الحنفيين لتحقيق أي قول هو قول أهل الظاهر عامة، أو أي قول هو قول داود من المنقول عنهم.

ومن الملاحظ على كتبهم: اهتمامهم بنقل مناظرة البرذعي مع داود الظاهري، وهي مهملة بغير إسناد، ورغم التمويه الذي فيها، وإظهار البرذعي على أنه انتصر على داود فيها، ولم أجد أحداً منهم رد هذا التمويه، وبين فساده إلا بعض الإشارات عند ابن الهمام الحنفي، الذي بين وجه الجواب على ما ذكره البرذعي، ولم يفصح عن بطلان ما سأل عنه، والله أعلم سبب ذلك، وقد ذكرت هذا في موضوع خاص بينت فيه وجه هذه المناظرة، وأن البرذعي لا يفحم داود بمثل هذا السؤال، وأظنه في قسم الفقه.

فداود احتج بهذه المسألة بأن قال: أجمعنا على جواز بيع أم الولد قبل أن تكون حاملاً بطفلها، ويجب أن يستمر هذا الجواز حتى يأتي دليل يبطله.

فقال البرذعي: ولكنا أجمعنا أنها حين كانت حاملاً لا يجوز بيعها، فوجب الاستمرار على هذا الإجماع حتى يأتي ما يبطله، فذكروا أن داود انقطع حين قال البرذعي ذلك !

وهذا الاعتراض من البرذعي تمويه فاسد ؛ لأننا إذا أجمعنا على عدم جواز بيعها حال حملها لطفلها، فالإشكال ليس هنا، وإنما بعد أن ولدت وصارت أم ولد، فنعود بعد ولادتها إلى ما أجمعنا عليه من جواز بيعها حين لم تكن حاملاً، وهذا الذي يجب أن يستمر عليه لا التمويه الذي ذكره البرذعي.

ولم أجد من الحنفيين من بين فساد احتجاج البرذعي هذا، ولكن كما هو معلوم عند انتصار رجل على رجل آخر من مذهب يخالفه، فإن جميع من على مذهب المنتصر هذا يفرحون بمثل هذه القصص، ويطيرون بها، ويشنعون على خصومهم بها، وربما اتهموهم بعدم الفهم والفقه من أجلها.

لكن الحق يجعلنا نقول: بأن ابن الهمام الحنفي هو الوحيد الذي أشار إلى فساد احتجاج البرذعي صاحبهم، لكنه لم يصرح ببطلانه، وإنما قال: يمكن أن يجاب على كلام البرذعي .. فذكر بعض ما يفسد به اعتراض البرذعي، لكن هذا الإفساد مهمل عند الحنفيين، ولم أجد من ينبه عليه بعد ابن الهمام، فاستغلوا هذه الحادثة للتشنيع على خصمهم فقط.
وعلى كل حال: فنقلهم كما سترى في ( موسوعة فقه الإمام داود ) وفي كتاب ( الجامع لذهب أبي سليمان ) نقل سيء، وفيه تغيير أحياناً غير مقصود، وسياق على سبيل الاختصار المخل، والمغيّر لحكم المسألة، فلا يصلح لترجيح الصحيح من قول أهل الظاهر أو داود في مسألة من المسائل إذا وجد معارضها عند غيرهم من المذاهب في الأغلب، والله أعلم.


يتبع....
http://www.aldahereyah.net/forums/showthread.php?t=2652
 
التعديل الأخير:
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
سليم المصمودي;6944 قال:
جزاك الله خيرا..
هل بحثك شيخنا الفاضل متوفر على الشبكة على شكل وورد بارك الله فيكم
وإياك أخي الكريم...
البحث غير موجود على الشبكة...
فؤاد يحيى هاشم;6796 قال:
--------------------
وهذا رابط موضوع نتائج الإلزام، أما أصل الرسالة فأعدتها إلى ورشة العمل لإجراء بعض الإصلاحات، أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياك لما يحبه ويرضى
http://www.mmf-4.com/vb/showthread.php?t=358

بالمناسبة أعتذر عن مشاركتي السابقة التي يبدو أنها قطعت سلسة هذا البحث القيم والذي آثرتَ تقسيمه على حلقات.

ولذا فليتك تشير حال انتهائك من تمام هذا البحث حتى ننقل مشاركتي السابقة إلى آخر الموضوع أو نقتصر منه على القدر الذي يفي بخدمة البحث الأصلي لهذا الموضوع.
 
التعديل الأخير:

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
وإياك أخي الكريم...
البحث غير موجود على الشبكة...


بالمناسبة أعتذر عن مشاركتي السابقة التي يبدو أنها قطعت سلسة هذا البحث القيم والذي آثرتَ تقسيمه على حلقات.

ولذا فليتك تشير حال انتهائك من تمام هذا البحث حتى ننقل مشاركتي السابقة إلى آخر الموضوع أو نقتصر منه على القدر الذي يفي بخدمة البحث الأصلي لهذا الموضوع.
بارك الله فيكم..
لاداعي للاعتذار...استفدت كثيرا من اضافتكم..وسأنقلها للاخوة في دارة أهل الظاهر بإذن الله
 

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
ثانياً: المذهب المالكي ونقل فقه أهل الظاهر.

المسألة الأولى: أول من نقل فقه أهل الظاهر من المالكيين:

لا يستطيع أحد الجزم بهذه المسألة ؛ لأن كتب المذهب المالكي قديمة، ووجود هذا المذهب في الأندلس لا يبعد عن تاريخ نشأة القول بالظاهر في الأندلس أيضاً، فمتقدمي أصحاب داود، كابن هلال، والبرمكي، وغيرهما قد دخلوا الأندلس في وقت مبكر، وأدخلوا كتب داود في ذلك الوقت، فكان مذهب الأوزاعي أكثر شهرة في الأندلس، ولم يكن للمالكيين قوة مذهبية في تلك الفترة، أي في القرن الثالث، ولا يعني أن مذهبهم لم يشتهر، ولكن قصدي: عدم اتخاذه وضعه الذي أخذه في بداية القرن الرابع وما بعده.

فلا أستطيع أن أجزم بهذه المسألة لذلك، ولأننا لم يصلنا كل تراث المذهب المالكي للمتقدمين في القرن الثاني والثالث، فيصعب القطع بشيء في هذا الباب، إلا من وقف على علم زائد.

لكن حكمنا اليوم على ما وصلنا من كتب المالكيين، والتي اعتنت بذكر مسائل الفقه والحديث، والاختلاف بين العلماء.

فلا أعلم من سبق الإمام ابن عبد البر في نقل وحكاية قول أهل الظاهر في كتبه، ولعل هناك من اعتنى بذكر الخلاف، لكني لم أقف على شيء من ذلك، لفقد كتب المتقدمين كما أشرت إليه.

وقد قدّم لنا الإمام ابن عبد البر رحمه الله أهم كتبه، وهي ( التمهيد ) وكتابه الثاني ( الاستذكار ).

ومن اطلع على هذين الكتابين فلا يستطيع أن ينكر كثرة النقل عن أهل الظاهر، بل اعتمد ابن عبد البر على كتب بعض أئمة أهل الظاهر، ونقل عنها قول داود وأصحابه، كابن المغلس الظاهري، وأبيه في رواية، ولعله وقف على بعض كتب داود التي أدخلها تلاميذ داود، رغم أنه ينقل عن كتب أصحابه، وأصحاب ابنه.

إلا أن هذا لا يعني أنه لم يقف على كتب داود، وذلك لأن داود نصي كما يظهر لي من تراثه الفقهي المجموع، وتجده في الباب لا يخرج كثيراً، فقد ينص على أصل المسألة في كتبه، ولا يتعرض لتفصيل مذاهب الفقهاء لما أصلوه بالرأي والقياس، إلا أن كتب داود معروف عنها أنها طافحة بالرد على الفقهاء الذين سبقوه، والذين في عصره كما سأشير إلى ذلك حين الحديث عن كتب الشافعيين.

وكذلك من الكتب التي نقلت قول أهل الظاهر، كتب القاضي عبد الوهاب، فله كتاب الإشراف، وغيره.

وكذلك الباجي المالكي، فله كتاب المنتقى شرح الموطأ، نقل عن داود مسائل، وكذلك أهل الظاهر، ويأتي الكلام عليه بعد قليل لملحظ مهم يتعلق به.

وكذلك كتب ابن رشد المالكي، كبداية المجتهد وغيره.

وكذلك كتب ابن جزي المالكي، صاحب القوانين الفقهية، وغيره كتفسيره، ويبدو الاهتمام واضح منه، ويبدو لي أن سبب ذلك: أن تأليفه كان في زمان دولة الموحدين التي حكمها ملوك من أهل الظاهر، وحكموا بين الناس بحسب أصول الظاهرية، إلا أنه قد اعتبر داود من أئمة الاجتهاد الذين أكثر النقل عنهم.

المسألة الثانية: دقة النقل عن أهل الظاهر عند المالكيين:

لا شك أن كل ما كتبه ابن عبد البر، فهو محل ثقة واطمئنان، ولا يعني ذلك عدم دخول السهو والخطأ في النقل، فهذا عام في كل إنسان، لكن ما ظهر لي أثناء العمل والمقارنة بغيره عدم النقل الخاطئ في الجملة.

وكذلك الأمر بالنسبة لغيره من علماء المذهب المالكي، إلا أن هناك ملحوظة تتعلق بهم:

الملحوظة الأولى: متعلقة بكتب ابن رشد المالكي: فابن رشد يحرر أسباب الاختلاف بين الفقهاء، ويذكر في كثير من مسائله قول أهل الظاهر، ويرجحه ويأخذ به أيضاً، ويضع بعض الأسباب التي دفعتهم لهذه القول، فينبغي الحرص من هذه الأسباب المذكورة، فإنه لم يصب في كثير منها، وإنما ظهر له أن سبب قول الظاهرية بكذا لأجل دليل كذا، أو عموم كذا، فهو اجتهاد منه رحمه الله، لا ينبغي التعويل عليه حتى تقف على النقل عن غيره لهذا السبب نفسه.

ثم إن أهل الظاهر ليسوا برجل واحد حتى يحكم على جميعهم أن سبب قولهم في كذا هو كذا، فلعل هذا سبب أحدهم أو بعضهم، فلا يصلح التعميم هنا.

الملحوظة الثانية: متعلقة بكتب الباجي المالكي: فالباجي رحمه الله أجاد وأحسن في كتابه الأصولي ( الفصول ) في نقل قول داود وأهل الظاهر، وهي مسائل معدودة.

أما كتابه المنتقى: ففيه أوهام في النقل عن داود، فيحكي القول عن داود وهو عن غيره، فتارة يثبت الظاهرية أنفسهم أن قول داود بخلاف ذلك، أو من يعرف قول الظاهرية كابن عبد البر، أو ينقل بعض العلماء عن الثقات الذين اعتنوا بمذهب داود خلاف ما ينقل الباجي، فنبغي الحرص وعدم الاعتناء بهذا الكتاب كثيراً في تحرير قول داود ؛ لأنه سيكون في شك كلما وجد نقلاً، وإن شاء الله في الكتابين المذكورين ( موسوعة داود ) وكتابي الثاني ( الجامع لمذهب أبي سليمان ) سيجد القارئ هذه المسائل المذكورة في المنتقى، والتنبيه على الباطل منها، أو الوهم الذي وقع فيه الباجي.

والمثال على ذلك: ذكر الباجي نقلاً شاذاً باطلاً عن داود أنه يقول بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، وهذا النقل فاسد ؛ لأن الذين يعلمون فقه داود كابن حزم وغيره كابن عبد البر لم ينقلوا ذلك عنه، وكذلك من يعتمد قولهم في حكاية قول الظاهرية من غير أهل الظاهر كالعبدري والطبري نقلوا عن داود أنه يمنع من ذلك.

فهذا النقل من الباجي من أوهامه، فالذي قال بذلك هو ابن جرير وغيره من العلماء لحديث أم ورقة رضي الله عنها، وهو حديث لا يصح مروي عن مجهولة، عن مستور الحال مجهول، عن ضعيف.

فلذلك لا يعتد بنقل الباجي لقول داود إلا حين تتم مقارنته مع غيره، وهذا ما ظهر لي أثناء العمل.

أما غير هذه الكتب: ككتاب الذخيرة للقرافي، والحواشي كحاشية الدسوقي، والخرشي، ومواهب الجليل، والمنح، وغيرها، فإنها تنقل عن غيرها، ونقلها قليل جداً.

ووجهة نظري: أنه يمكن الاستغناء عنها لعدم الجديد فيها عما ينقله أصحاب المذهب نفسه ممن قدمت، أو غيرهم من المذاهب.

فحين فرغت من هذه الكتب لولا الفائدة هذه ومعرفتي أنهم لا ينقلون من كتب الظاهرية، ولا حصلوا نقلاً جديداً لكنت ندمت على تصفحها وتضييع وقتي في محاولة جمع قول الظاهرية منها، لكن هذه الفائدة عوضت هذا الجهد، وأفدت غيري فيها إن شاء الله تعالى.

المسألة الثالثة: الاستعانة بكتب المالكيين في تحقيق قول أهل الظاهر:

فكما تقدم من قولنا في المسألة الثانية، فكتب ابن عبد البر مقدمة على جميع كتب المالكيين في تحقيق قول أهل الظاهر، مع المقارنة مع غيره كما سأذكر بعد قليل في كتب الشافعيين.

فيمكن الاستعانة بكتب ابن عبد البر، وابن جزي، وابن رشد، بحسب ما ذكرت آنفاً، وأما غيرها فلا تصلح للتحقيق ؛ لأنهم ينقلون ويغيّرون كحال الحنفيين في النقل عن أهل الظاهر.

والملاحظ: إذا نقلوا قول ابن حزم، فإن ابن عبد البر والباجي لا يصرحون بأن هذا القول قول ابن حزم، وإنما يذكرونه بمثل ( بعض أهل الظاهر ) ( بعض الظاهرية ) وشدد ابن عبد البر على ابن حزم في مسألة عدم قضاء الصلاة لمن تركها عمداً، ولم يذكره باسمه.

واستدلال ابن عبد البر في هذه المسائل هو استدلال خارج محل النزاع في بعض ذلك، أو هو لا يلزم من يناظره، فيريد إلزام ابن حزم بما قاله داود وأصحابه في المسألة، وهذا مذهب المقلدة في المذاهب الفقيه، وهذا لا يلزم ابن حزم أصلاً، فهو يخالف الأصحاب كلهم أو بعضهم في مسائل من الأصول أو الفروع، ولا يعبأ بتلك الموافقة منهم، ولا المخالفة، وإنما يسوق خلافهم أو اتفاقهم من باب بيان الموافق والمخالف لئلا يغتر أحد بحصول إجماع مزعوم كما يصرح هو كثيراً.

وكثيراً ما يطلق ابن عبد البر الشذوذ على قول داود، وهو يعني ( ترك قول الجمهور وانفراده بهذا القول ) على اعتبار أن الحجة مع الجمهور ولا تجوز مخالفة الواحد لهم، لهذا يسمى ابن عبد البر مثل هذا: إجماع، وهذا باطل لا يلزم داود، فالشذوذ هو ترك الحق المتيقن الثابت بالنص المتيقن، لا مجرد المخالفة لجمهور الناس والعلماء.

فابن عبد البر قد يكثر عن داود وابنه في مسألة لأنها قوله، كما نقل عن ابن داود أكثر من صفحة في تفسير آية يرى التفسير فيها هو الحق، وتارة يعرض عن ذكر قولهم ولا يشير إليهم، ولا ندري هل لأنه لم يقف على قول لهم، أو نسيه، أو لم يرغب بتعمد أن ينقل هذا القول، فالله أعلم بذلك.

وعند ابن عبد البر فوائد عن داود في مسألة عقيدته، كنقله عنه مسألة الإيمان وما هو، وهل يزيد وينقص، وغير ذلك مما يفيد بصحة عقيدة داود رحمه الله في هذه المسائل التي نقلها عنه.

وينبغي الحذر من نقل بعض المالكيين لقول الظاهرية بالنقل عن ابن العربي المالكي، فابن العربي كتب كتباً منها القبس في شرح الموطأ، وشرحه لبعض كتب الحديث، أو أحكام القرآن.

فيذكر كلام أهل الظاهر في كثير من الأحيان للتشنيع، فيبالغ، ويختصر، وينقل خطأ ما ليس بقولهم، كما سترى إن شاء الله في التعليقة المتعلقة بكتب التفسير، وبكتب شروح الحديث.

فلا يقبل النقل عنه حتى يقارن بغيره من ثقات الفقهاء وابن حزم، وإلا فهو قول موقوف على شهادة الثقة العارف بمذهب أهل الظاهر.

خاصة إذا علمت أن هؤلاء الذين شنعوا على الظاهرية يخرجون الأقوال والمسائل على ما يظنون أنه أصل من أصول الظاهرية، فيقعون في الخطأ.

وهذا القول ينطبق على نقل القرطبي صاحب الجامع في أحكام القرآن، فإن له مسائل يخرجها على ما يظن أنه أصول الظاهرية فيقع في الخطأ، فمن نقل عنه من الفقهاء فنقله موقوف على شهادة غيره، وكذلك هو فيما كتب في تفسيره، ينبغي أن نقارن ما نقل مع غيره لتصح نسبتنا القول للظاهرية.

وينبغي الحذر من اسمين في كتب المالكيين:

فالأول: الداوودي، فهو ليس بظاهري، وإنما هو من المالكيين الفقهاء.

والثاني: ابن عرفة، فلا تظنه صاحبنا ( نفطويه ) فنفطويه ابن عرفة أيضاً، إلا أن الأول منهما هو مالكي، وصاحبنا ظاهري.

لكن في مواضع تفسير اللغة فيقصدون به صاحبنا، وهذا قليلاً ما تجده في كتب الفقه، وإنما تجده في كتب التفسير أكثر عند المالكيين، كتفسير القرطبي وغيره.

كما ينبغي الحذر من نقله عن داود، أو بعض أهل الظاهر إباحة الزواج بتسع، وترديد ذلك عندهم في كتب الفقه، وأخذوها من كتب التفسير كما يظهر لي وغير ذلك.

إلا أنه نقل باطل فاسد، وهم أنفسهم ينقلون عن داود وغيرهم: أن داود يجيز للعبد نكاح أربع، ويعتبرونه من شذوذه، ويقولون: داود يرى العبد كالحر في الزواج، فكما للحر نكاح أربع، فللعبد أيضاً كذلك ؛ لأن النص لم يفرق بينهما.

ورغم هذا النقل، وتأكيد داود أن الحر كالعبد في النص، في إباحة أربع، ولكنهم تمسكوا بهذا النقل الباطل، فكيف يقول داود أن قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب .. } عام على ظاهره أن العبد كالحر في نكاح أربع، ثم يتمسكون بالنقل الفاسد عنهم ؟!

وقد نبهت على فساد هذا النقل في موضوع خاص أظن في قسم الفقه، فراجعه لتتبين فساده، إلا أنني لم أذكر هناك مسألة العبد والحر هذه بحسب ما اذكر، فتنبه.

يتبع..
http://www.aldahereyah.net/forums/showthread.php?t=2652

 

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
ثالثاً: المذهب الشافعي ونقل قول أهل الظاهر.

المسألة الأولى: أول من نقل فقه أهل الظاهر من الشافعيين:

من المعلوم عندنا أن هناك اهتمام زائد بقول أهل الظاهر في كتب الشافعيين، ولا يغرنك قول المتأخرين منهم كالجويني، والاسفراييني بعدم الاعتداد بخلاف أهل الظاهر جملة، أو تفصيل بعضهم عدم الاعتداد هذا بمذهب المتأخرين من الظاهرية كابن حزم وغيره، دون داود وأصحابه.

وقد رد أبو حيان الأندلسي الظاهري قول الجويني ومن تبعه في عدم الاعتداد بقول داود الظاهري وأصحابه، بأن الأئمة من قبل أن يولد الجويني وغيره قد اعتدوا بقوله، وذكروه في كتبهم، واعتبروه من الأئمة المجتهدين.

بل نصوص كثير منهم تدل على أنه من أئمة الاجتهاد سواء من المتأخرين أو المتقدمين، وقد جمعت في مقدمة الكتابين في فقه داود شيئاً من ذلك.

فللشافعيين علماء اهتموا بقل قول داود وأهل الظاهر جملة في كتبهم، وحرروها، وبعضهم يعتمد في تحقيق قول أهل الظاهر، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والعبدري، والماوردي المعتزلي إلا في مسائل لا يعتمد قوله لظهور الخطأ.

فالطبري هو: طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري (348 -450 هـ) وله في كتب الشافعيين تصحيحات لما ينقل عن داود وأصحابه، ينبغي العناية بقوله، فهو قريب عهد بالعصر الذي ازدهر فيه منهج أهل الظاهر، أضف إلى ذلك أنه أخذ وسمع من أبي العباس الخضري أحد تلامذة محمد بن داود الظاهري.

أما العبدري: فهو علي بن سعيد بن عبد الرحمن ( .. -493 هـ ).

والعبدري هذا من تلاميذ ابن حزم رحمه الله، وكان ظاهرياً، وقيل: أنه دخل بغداد وترك مذهب ابن حزم، وأخذ بمذهب الشافعي، وليس عندي تحقيق بظاهريته أو شافعيته، ولعله تحول فعلاً، ولعله شرح بعض كتب الشافعية فظن أنه شافعي، ولعله غير ذلك، ولا تحقيق عندي في المسألة، وقد ذكرته في طبقات الظاهرية وأشرت إلى ذلك بلا تحقيق الصحيح لعدم علمي بما يغير ما نقل عنه هذا.

وهو تلميذ الطبري الآنف الذكر، وكذلك تلمذ على الماوردي صاحب الحاوي، وللعبدري كتاب ( الكفاية في مسائل الخلاف ) وسماه النووي ( الكافية في مسائل الخلاف بين العلماء كلهم ).

وفي هذا الكتاب نقل العبدري قول داود وأصحابه، وأكثر النووي من النقل عنهما، إلا أنني لم أقف على الكفاية هذا، ولا أدري هل طبع أو لم يطبع، فمن علم ذلك أرشدنا إليه، وله من الله المثوبة، ويعزينا فقده أن النووي نقل عنه كثيراً قول الأصحاب، وخاصة داود، وصرح كثيراً بأن العبدري حكى هذا المذهب عن فلان، وفلان، وعن داود.

وكذلك من متقدمي الشافعيين الماوردي صاحب كتاب الحاوي وكتاب الإقناع، وهو:

علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي المعتزلي ( .. – 450هـ ) مات هو والقاضي الطبري في سنة واحدة، وبينهما 11 يوماً فقط.

وذكره أصحابه بأنه لم يكن بالحافظ، وأنه كان متهماً بالاعتزال، ولم يكن يظهر ذلك علناً، وذكره ابن الصلاح وقال: تفسيره عظيم الضرر، لكونه مشحوناً بتأويلات أهل الباطل، وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى أهل الاعتزال، بل يتكتم، ولكنه لا يوافقهم على خلق القرآن، ويوافقهم في القدر، ولا يرى صحة الرواية بالإجازة، هذا ما ذكره ابن الصلاح عنه، وابن الصلاح شافعي المذهب، وتفسيره هو النكت مطبوع قديماً.

والماوردي شهد على نفسه أنه لم يكتب كتبه كلها بنية خالصة لله تعالى، لذلك لم تنتشر كتبه في حياته، وإنما بعد مماته، وقد طلب من أحد تلاميذه حين حضرته الوفاة أن يمسك بيده، فإن قبض عليها بقوة، فيعني ذلك أن كتبه قبلت عند الله تعالى ! وإن لم يقبضها: فأمره بحرقها، فلما قبضها: نشرها تلميذه دلالة على قبول الله تعالى لها !

وهذا نظر عجيب، وظن فاسد، فمن أخبره أن الله تعالى قد قبل منه كتبه ؟! فالقطع بذلك وسواس بديع، وقد ذكرته حتى لا يظن أحد أني غفلت عنه حين جمعت قول أهل الظاهر من كتابه.

إلا أن هؤلاء جميعاً، وأعني الطبري، والعبدري، والماوردي قريبي عهد بازدهار منهج أهل الظاهر، ومنهم من كان ظاهرياً كما قال أصحاب السير، وهو العبدري.

فهؤلاء أول من بدأ بنقل قول داود وأهل الظاهر في كتبهم، رغم أن هناك غيرهم ممن سبقهم لكني لم أقف على كتب غيرهم، فلعل الله يظهر هذه المخطوطات لنقف عليها، ونجد النقل هذا، فلذلك لا أقطع بهذا حتى يظهر ما خفي، وأقطع بهؤلاء على أنهم أول من وصلنا عنهم ذكر قول داود وأصحابه.

المسألة الثانية: دقة النقل عند الشافعيين لقول أهل الظاهر:

إذا صححت المسألة الأولى التي ذكرتها عنهم، فتجد ضرورة أن النقل عند هؤلاء الثلاثة وأعني ( الطبري، والعبدري، والماوردي ) نقل دقيق جيد إلا في مواضع نبهت عليها مقارنة مع غيرهم من ثقات من نقل قول داود، وهي قليلة جداً.
وكتب الطبري والعبدري لا اعلمها مطبوعة، وإنما هي موجودة في كتب الشافعيين المتأخرين.

أما الماوردي: فكتبه ( الحاوي الكبير ) مشحون بالنقل عن داود وأصحابه، وإن كان فيها بعض النقل الخاطئ.
وتجد النقل عن هؤلاء عند النووي في شرحه للمهذب في المجموع، وكذا شرحه لصحيح مسلم، فإنه يعتمد على هؤلاء أشد الاعتماد، وينقل عنهم كثيراً.

لكنه للأسف حين يأتي إلى مسألة شنع فيها على داود يذكرها دون الإشارة إليهم، ويقول بتساهل منه: نقل أصحابنا، أو حكى أصحابنا، أو هو محكي عن داود.

ولا يسمي من ذكر ذلك عنهم، ويبدو هذا منقول نقل عامة، أو عامة طلبة العلم، ولم يحرره النووي، فتوقف فيه، وساقه على سبيل التمريض.

وهذا النوع من النقل يوجب علينا التوقف، ومقارنة هذا القول عند غيره للتحقق من هذه الدقة في النقل.

وكذلك اعتمد القفال في كتابه ( حلية العلماء ) على هؤلاء، أو بعضهم، لكنه لا يذكر أنه أخذه من أحدهم باسمه، إلا أنه أقل اهتماماً من النووي في كثرة المسائل التي نقلها، وفي مسائل منها ما ساقه على سبيل الاختصار، أو الخطأ.

أما تتمة المجموع للسبكي، وهو ما بعد الجزء التاسع بحسب نسختي، فقد تتمه السبكي ونقل عن أهل الظاهر من خلال كتبهم كما صرح في مقدمته، وهي كتب الإمام ابن المغلس الظاهري، وكتب الإمام ابن حزم الظاهري، ونص على أنه يعتمد هذه الكتب في حكاية مذهب الظاهرية، ولعله يخرج أحياناً على بعض ما شرطه على نفسه لضرورة أو لحاجة، لكنه في الجملة نقل صحيح إلا ما بينّاه مما سيق على سبيل الاختصار أو النقص.

وكذلك كتب للغزالي فإن فيها بعض النقل لكن فيها مسائل غير صحيحة، وكذلك في كتاب الوجيز للرافعي ففيه نقل إلا أنه فيه نقص وخطأ، وهو يعتمد على من قبله.

فهذه أشهر كتب الشافعيين الفقهية التي نقلت قول أهل الظاهر، وهناك كتب للمتأخرين كالعمراني، وغيره، أو كتب الشروح، فهؤلاء عالة على المتقدمين فيما نقلوا، وليس عندهم جديد إلا بعض مواضع الخطأ والاختصار كما قلت آنفاً، وهي على كل حال مسائل قليلة ؛ لأن كتب الفروع المذهبية لم تسق لأجل بيان الاختلاف، فبيان الاختلاف خلاف لأصل وضعها، لذلك لا تعتمد، وإن كنت وقفت على كثير منها، ونقلت النص عندهم لتحريره وتحقيقه.

وينبغي الحذر من النقل عن العراقي صاحب طرح التثريب، فقد ينقل بعض الفقهاء في كتب الفقه بعض أقوال الظاهرية من قول العراقي، فالعراقي كما أشرت قديماً يخرج المسائل وفق ما يظن أنه قول الظاهرية، باعتبار أن أصلهم كذا، فينبغي أن يكون الفرع كذا وكذا، وهذا من أقبح الطرق في حكاية القول والمذهب.

فلا يعتبر مثل هذا الاستخراج والاستنباط ؛ لأن المستخرج لا يضبط أصول غيره، ولا يعرف إن كان هذا الأصل مطرداً أو لا، ولا يعرف إن كان هذا استثناء أو على الأصل، فينبغي أن ينقل قول كل مذهب من خلال قول أصحابه، لا باستخراجنا نحن بما نتصور فهمه من أصولهم.

المسألة الثالثة: الاستعانة بكتب الشافعيين لتحقيق قول أهل الظاهر:

لا شك بما قلت آنفاً: أن من هذه الكتب ما يستفاد منه لتحقيق قول داود أو أصحابه، وينبغي عدم التسرع في النقل لهذه الأقوال، فكثير منها مقيد عن من يعتمد قوله في حكاية قول الظاهرية، أو مفسر لمجمل نقل عن داود بالنقل عنه أنه أراد كذا.

وينبغي الحذر من مسائل عند الشافعيين، منها:

الأولى: ليس كل ما ينقله الماوردي عن ( ابن داود ) فالمراد به الإمام محمد بن داود الظاهري كما يتصور بعض أصحابنا.

فالذي ينقل عنه الماوردي في الأكثر هو محمد بن داود أبو بكر المروزي الصيدلاني الشافعي، وهو الذي شرح كتاب المختصر للمزني، وكنيته واسمه واسم أبيه كمحمد بن داود الظاهري تماماً، فقد يقال: قال أبو بكر بن داود: ويراد منه المروزي الصيدلاني الشافعي، لا الظاهري صاحبنا.

فتوهم بعض أصحابنا أن الإمام ابن داود الظاهري له شرح لكتاب المزني المختصر ؛ لأن الماوردي ذكره في مقدمته، وذكر أن ابن داود اعترض على المزني في مقدمته للكتاب من جهة لغوية وغير ذلك.

والذي انتقد مقدمة المزني هو صاحبهم محمد بن داود أبو بكر المروزي المعروف الصيدلاني، مات سنة 427 هـ، وله شرح ضخم على المختصر، كما هو معلوم عند الشافعيين.

فعبارة الماوردي هناك فيها شدة مع ابن داود هذا، وكذلك في كثير من المواضع، وهو يريد صاحبهم لا الظاهري ؛ لأنه يتهم بحب بلوغ الدرجة الرفيعة يعني على أمثال المزني وغيره من العلماء كما هي ظاهر عبارته في مقدمته، فكأن الخصومة ظاهرة بينهما، فلا يلتفت لما غمزه به، وإنما يلتفت لبيان شخصية ابن داود الذي يتكلم فيه وعنه الماوردي في كتابه ( الحاوي الكبير ) .

الثانية: ينقل الماوردي استدلالات كثيرة لداود، ويقول: قال داود بكذا، واستدل بكذا، ثم يذكر الدليل، ثم يقول: وقال: أي داود.

وهذا الشيء انفرد به الماوردي عن غيره من علماء المذاهب، بمعنى أنه أكثر من نقل استدلالات داود، رغم نقل ابن عبد البر لبعض استدلالاته، وكذلك ابن حزم، لكن الماوردي انفرد بالشيء الكثير، رغم أنه يخلط استدلال داود باستدلال غيره أحيانا، أو يغير صيغة الاستدلال حتى يخرج الاستدلال من الاستدلال النصي، إلا الاستدلال القياسي.

وستجد ذلك حين تقارن استدلال داود عنده، واستدلال داود عند ابن حزم، فداود يسوق أحيانا بعد استدلاله مسائل وأجوبة على قول المذاهب، في بيان عدم الفرق بين كذا وكذا، ومسائل هي أشبه بطريقة أهل القياس، حتى جعل داود يخرج عن كونه ظاهرياً، إلى كونه أرأيتياً، وهذا ينبغي الحذر منه.

والذي أراه: هو ما قلته آنفاً، فداود يسوق ما ذكره الماوردي على سبيل الإنكار، فيقول لمن قاس كذا بكذا، أنه لا فرق بينهما في كذا، ويحاول رد قول القائس بمثله، كما يفعل ابن حزم، حتى فهمه بعض طلبة العلم أو العلماء أن ابن حزم يقول بالقياس وهو يبطله ! فهذه المسائل ينبغي الحرص فيها عند تحريرها، ويكفيكم إن شاء الله ما حررته وفق أصول فقه داود رحمه الله، فقد أعدت صياغة هذا الاستدلال بما يوافق أصول داود المعلومة عند أصحابه، ونبهت على ما أعدت صياغته.

والثالثة: أغلب من ذكر عند الشافعيين في كتبهم باسم ( المغربي ) فهم يريدون به ابن حزم الظاهري.

ويبدو أن الجميع اعتمد قول الماوردي في تسمية ابن حزم بالمغربي، فاتبعوه في ذلك، ولم يعرفوا من هو هذا المغربي ؛ لأنك لن تجد أحدهم يبين لك من هو.

أما معرفتي بأن المغربي هذا هو ابن حزم: فلأن الماوردي ينقل عن ابن حزم أقواله، والمقارنة لما نقله عن المغربي هذا، وما كتبه ابن حزم تعلم علم يقين أنه ابن حزم، فلذلك قطعت أن المغربي في كتب الشافعية إنما هو ابن حزم الظاهري.

لكن في مواضع من كتاب الحاوي فهو غير ابن حزم، وذلك حين ذكره في مقدمة الكتاب وجعله ممن رد على مختصر المزني، فذكر هناك المغربي، ثم من بعدهم اعترض ابن داود الصيدلاني، فالمغربي هذا ليس هو ابن حزم.

ويحتمل أن يكون الحسين بن علي بن حسين الوزير أبو القاسم، يعرف بابن المغربي، مات سنة 418 هـ، وهو قبل زمان الماوردي، ولعله اشتبه عليه بالمغربي، ونقل عنه شيئاً من الفقه، وخاصة فيها يذكره عن المغربي والمريسي، من أهل الكلام.

والعبرة في المسألة نفسها، فقارنها مع قول ابن حزم فتعرف المراد منه، وخاصة فيما ينقله بنصه أو بمعناه الذي تفرد به ابن حزم.

وأما المغربي الذي عند المالكيين: فليس هو بابن حزم، وإنما هو أبو الحسن الصغير المغربي منهم، وهو علي بن محمد بن عبد الحق المالكي، يعرف بالصغير.

أما الذي عند الزيدية وكتب مجتهدي اليمن كالشوكاني، والصنعاني: فهو الحسن بن إسماعيل بن الحسين بن محمد المغربي، مات سنة 1085 هـ ، وهو شارح بلوغ المرام الذي يكثر الشوكاني من ذكره في النيل، والمغربي نسبة إلى قرية من قرى صنعاء لا إلى بلاد المغرب الإسلامي.

الرابعة: النقل عند الشافعيين عن إبراهيم بن جابر الفقيه، وأنه هو أول من قاس قلال هجر المذكورة بالخبر، ويعتبرونه من أصحابهم الشافعيين.

وهذا صحيح في أول أمره، لكنه صار إلى العمل بالظاهر، وإبطال القياس في آخر أمره، وهو الذي قال كما ذكر عنه أصحاب التراجم والسير: إن احتجاج الشافعي في إبطال الاستحسان، هو نفسه إبطال للقياس، فليس للقياس دليل أصلاً.

وصنف إبراهيم بن جابر كتاباً كبيراً في الاختلاف بين العلماء، إلا أن ابن حزم في كتاب ( الإحكام ) ذكر أنه من أصحاب الشافعي من أهل القياس، وهذا لا ينفي من أثبت ظاهريته، فالإحكام من أوائل كتب ابن حزم، ولعله لم يصله شيء عن ابن جابر في التحول إلى الظاهر، وقد ذكره صاحب طبقات الفقهاء، وهو أعلم بالظاهرية في ذلك الزمان الذي هو فيه.
فعلى هذا: كل نقل عن ابن جابر هذا فهو محفوظ وينبغي الحرص عليه وجمعه باعتباره من أئمة أهل الظاهر، إلا أنني لم أقف على كثير من أقواله فيما تحت يدي من كتب فقهية.


يتبع....
 

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
رابعاً: المذهب الحنبلي ونقل فقه أهل الظاهر.

المسألة الأولى: أول من نقل قول أهل الظاهر من الحنبليين:

لا يخفى عليكم ما نشرته وصورته قبل مدة من كتاب ( مفردات داود الظاهري ) التي نشرها الشطي الحنبلي، وقد ذكر في مقدمته أن أحمد من أهل الظاهر باعتباره يأخذ بالظاهر، وجعل داود وأحمد على نسق واحد، وهذا يحتاج تفصيل طويل، وبيان الفروق بينهما، وليس هذا مقامه.

وتقديمي هذا أريد به أن أشير إلى اهتمام الحنبلية جاء من اعتبارهم داود منهم، وأن أحمد عامل بالظاهر أيضا،ً وقد يكون هذا باعتبار الروايات عنه في إبطال القياس للمتكلم في الفقه كما نقل أصحابه، ولا يعنينا ترجيح المتأخرين منهم أن القياس حق عنده لأنه قاس مسألة كذا على كذا أو مسألتين، فهذا لا يعنينا في التحقيق والنسبة، وإنما ما صح عنه عند أصحابه من اجتناب المتكلم في الفقه للمجمل والقياس، وفي هذا اختلاف يطول الحديث عنه، وليس هذا مقام بحثه.

لكن الإشارة إلى ذلك قد تفيد وتفسر سبب نقل الحنبليين لمذهب داود، أو مذهب أصحابه، وشحن كتبهم بها.

والكتب التي اعتنت بمذهب داود، أو بمذهب أصحابه عند الحنبليين، فأشهرها: الانتصار للكلوذاني، إلا أن كتابه ناقص.

وكذلك كتاب رؤوس المسائل للعبكري، ففيه نقل كثير عن داود، وتبلغ المواضع التي ذكرها فيها المئين، كلها جمعته وأخرجته قديماً، وكذلك كتاب المغني لابن قدامة الدمشقي، فإن فيه نقل كثير عن داود وأصحابه، فهذه الكتب هي الكتب المتقدمة والتي اهتمت بالنقل عن داود وأصحابه، ولا أعلم قبلها إلا بعض كتب أصول الفقه عندهم، وليس هذا مقام الكلام عنها، أما كتب الحواشي والشروح الصغيرة فقليلاً ما تذكر قول داود ؛ لأنها لم توضع لأجل بيان الاختلاف كما قلت، وإنما لبيان المذهب.

المسألة الثانية: دقة نقل الحنبليين لقول داود وأهل الظاهر

الحنبليون لم يأخذوا ببدعة عدم الاعتداد بقول داود أو أصحابه، لذلك تجدهم يعتنون بالنقل عن داود وغيره من الظاهرية، وقليلاً جداً تجد تشنيعهم على شيء من مذهب داود أو من مذهب أصحابه ؛ لأنهم يعلمون أن أكثر أقوال داود إنما هي رواية ثانية أو ثالثة في مذهبهم.

وهذا بخلاف طريقة الشافعيين المتأخرين، فقد تشبعوا بهذه البدعة، وحكوها، واعتمدوها، ثم خالفهم من جاء بعدهم من الشافعيين، وصرحوا بالاعتداد به وبأصحابه، بل صرحوا بأن داود من أئمة الاجتهاد، ومعرفة الحق من دين الله تعالى.

فلذلك كان الحنبليون أكثر دقة من غيرهم، ويبدو ذلك أنهم يعتمدون في النقل على كتب الظاهرية أنفسهم، لذلك قل الخطأ في النسبة، أو في الاستدلال المحكي عن داود أو غيره.

ورغم ذلك: فيجب على الباحث أن يقارن بين نقلهم، وبين نقل غيرهم من أصحاب المذاهب، كما يجب أن يقارن بما ثبت عن أهل الظاهر أنفسهم، وهنا نصحح القول لا قبل ذلك، فلا يصح من الباحث التساهل في هذه المسائل، وإلا كان مسيئاً في بحثه وتصنيفه.

وينبغي التنبيه على مسألة يذكرها الحنبلية دائماً، وهي مسألة تكذيب الإمام أحمد بن حنبل لداود الظاهري، وهي ما تكلمنا فيه أكثر من مرة، في أكثر من موضع في المنتدى، لكن نزيده هنا بياناً فنقول:

يذكر بعض الحنبليين أن أحمد كذب داود، أي رد قوله بشهادة غيره من الثقات فيما نقل عن داود في مسألة خلق القرآن، وأن أحمد لم يقبل توبة داود ! هكذا يذكرون هذه المسألة.

والمسألة هي: أن محمد بن يحيى بعث لأحمد بأن داود يقول بخلق القرآن، ومحمد بن يحيى هذا محدث، وهو ثقة عند أحمد.

فلما علم داود بأن أحمد بلغه ذلك، ذهب إليه يطلب الدخول، فلم يقبل أحمد إدخاله، فكلم ابنه صالح وعبد الله في ذلك، وكانت بينه وبينهما مودة، فحاول صالح أن يحتال على أبيه ليدخل داود عليه ليبين قوله، فلما عجز عن ذلك، قال لأبيه: إن داود ينكر ما نقل عنه، ويريد أن يوضح لك ما قال، فقال أحمد: محمد بن يحيى أصدق منه !

فقال الحنبليون: لم يقبل أحمد توبة داود، وكذبه ؛ لقبول شهادة محمد بن يحيى !

قال ابن تميم الظاهري: الواجب الذي جاء به الكتاب وأسسته السنة التي يعلمها الإمام أحمد قبل كل أحد: أن المتهم بشيء يجب أن تسمع أقواله فيما اتهم فيه، وأن شهادة العدل الثقة لا تقدم على قول المشهود عليه عن نفسه، وأن التوبة لا يقبلها لا أحمد ولا داود ولا ابن حزم من أحد، وإنما الذي يقبل التوبة هو الله تعالى ؛ لأن الخطأ وقع منهم بحق ربهم لا بحق أحمد ولا غيره، والمراد هنا عن أحمد: أنه لم يقبل منه ادعاء التوبة، فهذا ما يظهر لي والله أعلم.

فإن كان الشاهد يدعي على فلان بالكفر، أو الزندقة، فواجب على من سمع ذلك أن لا يقبل الشهادة بمجردها، وإنما الواجب عليه أن يسمع قول المشهود عليه، فإن أجاب بما جاءت به الشهادة: صدق الشاهد، وإن خالفتها الشهادة: كذب الشاهد.

فإن نقل محمد بن يحيى هذا لأحمد، وجاء داود ينفي ما نقل عنه: فواجب على أحمد وعلى كل مسلم أن يقبل قول داود عن نفسه، ومن قال بخلاف ذلك فقد كابر وعاند لتصحيح شيء هو باطل.

فإن خالف الإمام أحمد هنا، فهو مخطئ، فكما لا نقبل قول القائل أن الإمام أحمد بن حنبل خالف الكتاب والسنة في مسألة كذا، حتى نقف على قول أحمد، فنعرف إن خالفه أو وافقه، فنرد أو نقبل تلك الشهادة والقول، فكذلك يجب أن لا نقبل حكاية محمد بن يحيى أو غيره مهما بلغت درجته من الثقة والحفظ حتى نسمع قول المتكلم فيه عن نفسه.

وبإجماع من الجميع: أن من قيل عنه أنه كافر، لا يقتل مباشرة أصلاً، بل يؤتى به، ويسأله القاضي أو غيره ليعلم صحة ما قيل عنه، وهذا من أصول الإسلام التي وجب على أحمد، وعلى غيره، وعلى من يردد هذه المسألة أن يقبله، وإلا كان مبطلاً للحق، ومستسهلاً لقبول قول الغير في العلماء وأفراد الناس بلا حجة.

المسألة الثالثة: صحة الاستعانة بمذهب الحنبليين في تحقيق قول أهل الظاهر:

وبما تقدم وبما ذكرنا: فالصحيح الاستعانة بكتب الحنبليين في تحقيق قول أهل الظاهر، وكذلك مقارنة ما ينقلون مع قول غيره من أهل المذاهب، أو من أهل الظاهر، لتصح النسبة إلى داود، أو إلى الظاهرية.

بل أقول: أكثر أقوال داود الظاهري هي قول أو رواية أو وجه عند الحنبليين عن أحمد بن حنبل، لذلك صح قول من قال: أكثر أقوال داود موافق لقول ثاني عند الحنبلية.

وينبغي الحذر من اسم عند الحنبليين، وهو: محمد بن داود، يظن البعض أنه الظاهري، وليس كذلك، بل هو المصيصي صاحبهم، فلا ينبغي الخلط في ذلك.


يتبع..
http://www.aldahereyah.net/forums/showthread.php?t=2652

 

سليم المصمودي

:: مخالف لميثاق التسجيل ::
إنضم
26 يونيو 2008
المشاركات
41
خامساً: نقل قول أهل الظاهر عند أصحاب الحديث أو من فقه الزيدية.

لا أريد الحديث عن هذه الجزئية كثيراً، لأن فقه أصحاب الحديث يدخله البعض تحت كتب شروح كتب الحديث، فيكون الكلام عنها هناك تفصيلاً.

أما من كان له كتب في فقه الاختلاف، كالطحاوي في مختصر، والطبري، ومحمد بن نصر المروزي، فإنهم لا يذكرون داود وأصحابه بالنص، وإنما يشيرون إلى قولهم أو قول موافقهم، وذلك لما تعلمون من العصرية.

وكذلك ابن المنذر رحمه الله، فإنه يشير إلى قول داود إلا أنه لم يسمه باسمه، وقد يبرر ذلك بأنهم في عصر واحد، وأن العلماء لا يذكرون من كان في عصرهم باسمه، وإنما يذكرون قوله في الأغلب أو أحياناً، كما يفعل مالك فيمن عاصره، وكذا الشافعي، وغيرهم من العلماء.

فلذلك بعد قراءة لهذه الكتب لا تجد فيها قولا صريحاً منسوباً لأحد أهل الظاهر، فلا تضيع وقتك فيها إذا كنت تريد البحث عن قول داود وأهل الظاهر، لأني سبقتك ولم أجد.

أما كتب المتأخرين الذين مالوا إلى مذهب أصحاب الحديث، ولم يصرحوا بالانتماء إلى مذهب ماء، فهؤلاء يعتمدون على من قبلهم في النقل عن داود وأصحابه، وقد اعتمدت بعض هذه الكتب المشهورة واستخرجت ما فيها، وتركت بعضها لأنها مجرد تكرار، وعدم حصول مخالفة في النص المنقول، فلا حاجة لنقلها.

أما الزيدية: فالبحر الزخار للمرتضى الزيدي فهو مليء بالنقل عن داود، وأهل الظاهر، ومحمد بن داود.

وينبغي الحذر أن أول الكتاب موضوع لأجل مسائل الاعتقاد، وفيها ينقل عن داود، وليس هو الظاهري، وإنما هو آخر كما صرح هو في المقدمة.

أما بداية المسائل الفقهية فكل حرف ( د ) يذكره فهو داود الظاهري، وهي نقول كثيرة بحسب ما جمعت منه، وهو لا يخرج عما قلت من الاعتماد على من سبقه من كتاب المذاهب، ورغم إمكان الاستغناء عنه إلا أنني جمعت ما عنده احتياطاً، لأنه كان أول كتاب يجمع في عملي.

هذا ما دونته مختصراً اليوم في هذا المعنى الذي ذكرته، أسأل الله أن يكون فيه فائدة للأصحاب وللأحباب، فإنه والله استخراج من خلال سنوات في جمع فقه داود وأهل الظاهر من بطون كتب الفقهاء والمفسرين والشروح، فإن وفقت في ذلك أو بعضه فالحمد لله، وإن أخطأت: فاستغفر الله من ذلك، وهو مني ومن الشيطان، نسأل الله التوفيق والسلامة في ديننا ودنيانا، إنه سميع مجيب.

كتبه في ثاني أيام عيد الفطر المبارك، بعد صلاة العشاء، لسنة 2007 في الشهر العاشر منها: محمد بن إبراهيم بن عبد الله الريحان، ابن تميم الظاهري.


وبذلك ينتهي النقل...
شكرا على المتابعة...
http://www.aldahereyah.net/forums/showthread.php?t=2652
 
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
9,059
الكنية
أبو فراس
التخصص
فقه
المدينة
جدة
المذهب الفقهي
مدرسة ابن تيمية الحنبلية لذا فالمذهب عندنا شيء والراجح شيء آخر تماماً!.
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
 
أعلى