العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

الحكمة من النهي عن بيع ما لم يقبض

إنضم
8 أغسطس 2012
المشاركات
5
الجنس
ذكر
التخصص
شريعة
الدولة
قطر
المدينة
الدوحة
المذهب الفقهي
حنبلي
اختلف العلماء في الحكمة من النهي عن بيع ما لم يقبض، فقال بعضهم إن الحكمة أن الشيء قبل قبض المشتري له لا يدخل في ضمانه، فإذا باعه فقد ربح في شيء لم يضمنه.

وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مرفوعا: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك) [حم 6633، ت 1234، ن 4611، د 3504، جه 2188]

ولأن بيع المشتري للشيء قبل قبضه يفضي إلى تداخل الضمانات.


وقد أجاب ابن القيم عن هذا فقال: "وتوالي الضمانين ليس بعله مؤثرة ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر فهي مضمونة له وعليه باعتبارين، وأي محذور في هذا كمنافع الإجارة، فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدو صلاحها، له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة" [حاشية السنن 9/258]


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية إن ظاهر مذهب أحمد أن جواز التصرف ليس ملازما للضمان ولا مبنيا عليه.


بل قد يجوز التصرف في السلعة وليست من ضمانه، كما قالوا بجواز أن يبيع المشتري الثمرة بعد بدو صلاحها، مع أنها لو تلفت بعد بدو الصلاح فهي من ضمان البائع.


وقالوا بجواز تصرف المستأجر في منافع العين المستأجرة، مع أن ضمان المنافع على المؤجر، وإن كان بعض العلماء يرى أن هذه المنافع مضمونة على المشتري، بمعنى أنه لو تركها مع القدرة على استيفائها فلم يستوفها كانت من ضمانه، وإنما تكون مضمونة على البائع إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها.


ومثله المالك له أن يتصرف في المغصوب والمعار، فيبيع المغصوب من غاصبه، وممن يقدر على تخليصه منه، وإن كان مضمونا على الغاصب.


وقد لا يجوز التصرف في السلعة وهي من ضمانه، كالمغصوب والعارية.


وكما أن بعض الحنابلة يقولون: إن الصبرة المتعينة المبيعة جزافا تدخل في ضمان المشتري بالعقد، ولا يجوزون مع ذلك للمشتري بيعها حتى ينقلها، لحديث ابن عمر (أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ملك المبتاع)، فمنع من التصرف مع كونها في ضمانه.


وكما أن مذهب كثير من العلماء أن المقبوض بسوم الشراء أو سوم النظر إذا ذكر فيه الثمن يكون من ضمان المشتري، وإن لم يجيزوا له التصرف فيه.


أما قاعدة الضمان بالخراج فإنما هي فيما اتفق ملكا ويدا، وأما إذا كان الملك لشخص، واليد لآخر، فقد يكون الخراج للمالك، والضمان على القابض. [مجموع الفتاوى 29/398 وما بعدها، 29/504-518، أعلام الموقعين 2/277]


قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المتأخرون من أصحاب أحمد مع أبي حنيفة والشافعية يقولون بتلازم التصرف والضمان، فعندهم أن ما دخل في ضمان المشتري جاز تصرفه فيه، وما لم يدخل في ضمانه لم يجز تصرفه فيه.


ولهذا طرد الشافعي ذلك في بيع الثمار على الشجر فلم يقل بوضع الجوائح، بناء على أن المشتري إذا قبضها وجاز تصرفه فيها صار ضمانها عليه.


والقول الثاني: في مذهب أحمد الذي ذكره الخرقي وغيره من المتقدمين وعليه تدل أصول أحمد: أن الضمان والتصرف لا يتلازمان؛ ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن الثمار إذا تلفت قبل تمكن المشتري من جذاذها كانت من ضمان البائع، مع أن ظاهر مذهبه أنه يجوز للمشتري التصرف فيها بالبيع وغيره فجوز تصرفه فيها مع كون ضمانها على البائع.


وقد ثبت بالسنة أن الثمار من ضمان البائع ... ولكن الرواية الأخرى عنه في منع التصرف في هذه الثمار يوافق الطريقة الأولى.


ومن الحجة لهذه الطريقة: أن منافع الإجارة مضمونة على المؤجر قبل الاستيفاء، بمعنى أنها إن تلفت بآفة سماوية كموت الدابة وتعطلت المنافع كانت من ضمان المؤجر؛ لأنها تلفت قبل التمكن من استيفائها، مع أنه يجوز للمستأجر التصرف فيها حتى بالبيع في ظاهر المذهب وإن كان عنه رواية أخرى لا يؤجرها بأكثر من الأجرة إذا لم يحدث فيها زيادة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، وهي مذهب أبي حنيفة.


وأبو حنيفة عنده أن المنافع لا تملك بالعقد وإنما تملك بالاستيفاء شيئا فشيئا، وأحمد في المشهور عنه هو وغيره يجوزون إجارتها بأكثر من الأجرة ويقولون: هذا ليس ربحا لم يضمن؛ لأن هذه المنافع مضمونة على المشتري بمعنى أنه لو تركها مع القدرة على استيفائها فلم يستوفها كانت من ضمانه، وإنما تكون مضمونة على البائع إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها...


ومن ذلك أن الخرقي وغيره يقولون: إن الصبرة المتعينة المبيعة جزافا تدخل في ضمان المشتري بالعقد، ولا يجوزون للمشتري بيعها حتى ينقلها، لحديث ابن عمر (أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ملك المبتاع) ...


فقد جاز التصرف حيث يكون الضمان على البائع كما في الثمار، ومنع التصرف حيث يكون الضمان على المشتري كالصبرة من الطعام فثبت عدم التلازم بينهما.


ومن حجة هذا القول أنه ليس كل ما دخل في ضمان المشتري يجوز تصرفه فيه، بدليل المقبوض قبضا فاسدا، والمقبوض في قبض فاسد.


أما الأول فلو اشترى قفيزا من صبرة أو رطلا من زبرة ونحو ذلك مما يشترط في إقباضه الكيل أو الوزن، فقبض الصبرة كلها أو الزبرة كلها فإن هذا قبض فاسد لا يبيح له التصرف إلا بتميز ملكه عن ملك البائع، ومع هذا فلو تلفت تحت يده كانت مضمونة.


وأيضا فليس المشتري ممنوعا من جميع التصرفات، بل السنة إنما جاءت في البيع خاصة ... وأصول الشريعة توافق هذه الطريقة، فليس كل ما كان مضمونا على شخص كان له التصرف فيه: كالمغصوب والعارية.


وليس كل ما جاز التصرف فيه كان مضمونا على المتصرف، كالمالك: له أن يتصرف في المغصوب والمعار فيبيع المغصوب من غاصبه وممن يقدر على تخليصه منه وإن كان مضمونا على الغاصب.


كما أن الضمان بالخراج فإنما هو فيما اتفق ملكا ويدا. وأما إذا كان الملك لشخص واليد لآخر، فقد يكون الخراج للمالك والضمان على القابض" [مجموع الفتاوى 29/398]


وعلى هذا فيقال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ربح ما لم يضمن ولم ينه عن التصرف فيما لم يضمن، فلا ملازمة بين التصرف وبين مسألة الضمان، ولهذا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية جواز أن يبيع السلعة قبل قبضها إذا باعها تولية أو شركة، لأنه لا يكون بذلك قد ربح فيما لم يضمن.


وقال ابن القيم: "وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان:


إحداهما: ضعف الملك، لأنه لو تلف انفسخ البيع.


الثاني: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، فإنا لو صححناه كان مضمونا للمشتري الأول على البائع الأول، والمشتري الثاني على البائع الثاني فكيف يكون الشيء الواحد مضمونا لشخص مضمونا عليه.


وهذان التعليلان غير مرضيين، أما الأول فيقال ما تعنون بضعف الملك؟ هل عنيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به أو أمرا آخر؟ فإن عنيتم الأول، فلم قلتم إنه مانع من صحة البيع وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ وبين عدم الصحة شرعا أو عقلا، وإن عنيتم بضعف الملك أمرا آخر فعليكم بيانه لننظر فيه.


وأما التعليل الثاني فكذلك أيضا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونا على الشخص بجهة ومضمونا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعا ولا عقلا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره والمنفعة مضمونة له على المؤجر وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقى اتفاقا وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه وله ..


فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن النهي معلل بعد تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما، وإلى الخصام والمعاداة" [حاشية السنن 9/281، شرح المشيقح 6/188]
 
إنضم
31 مارس 2009
المشاركات
1,263
الإقامة
عدن
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عبد الرحمن
التخصص
لغة فرنسية دبلوم فني مختبر
الدولة
اليمن
المدينة
عدن
المذهب الفقهي
شافعي
السلام عليكم ورحمة الله

جزاكم الله خيراً أخي على طرح موضوع المبيع قبل قبضه؛ فإنه ـ من حيث هو ، لا من جهة علته أو حكمته ـ مهم للغاية، وأتمنى لو أن بعض الأخوى يبسطه عرضا وحجاجاً؛ لنستفيد منه.

لكن ثم مفارقة بين العنوان والموضوع، فالعنوان عن الحكمة، والموضوع عن العلة التي تعلق بها حكم النهي.
فتمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه (إذا سلمنا صحة تعليل الحكم به) هو علة الحكم لا الحكمة المقصودة به، أما الحكمة فهي دفع النزاع أو ما يؤدي إليه.
وفرق بين الحكمة التي هي مقصود الشارع من الحكم، وبين العلة وهي الباعث على الحكم، وإذا أطلقت العلة بمعنى الحكمة فذلك في العلة الغائية فقط، فالعلة الباعثة سابقة والغائية لاحقة.

وأيضاً الموضوع معروض من جهة النظر الحنبلية خاصة، وذكر غيرهم من الفقهاء عرضي فقط؛ وعليه كان ينبغي أن يُطرح الموضوع في ملتقى الفقه الحنبلي.

وأخيراً النتيجة المذكورة أخيراً تعارض ما يفترض أنكم سلمتم به من ضعف التعليل بضعف الملك؛ فإن قولكم : (عدم تمام الاستيلاء) و(عدم انقطاع علاقة البائع) وطمعه بالفسخ، كل ذلك من معاني ضعف الملك، فهو عين العلة التي ضعفتموها.

هذا وفي بعض الاعتراضات على علتي ضعف الملك وتوالي الضمانات ضعف، وبعضها الآخر لا يرد إلا على القائلين بدخول المبيع أو بعض أنواعه في ملك المشتري قبل قبضه، أي الحنابلة والمالكية خاصة.

والله أعلم
 
إنضم
8 أغسطس 2012
المشاركات
5
الجنس
ذكر
التخصص
شريعة
الدولة
قطر
المدينة
الدوحة
المذهب الفقهي
حنبلي
بارك الله فيكم أخي الكريم

أشكركم على التعقيب
 
أعلى