العِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَحَيَّ هَلاً بِكَ مُفِيْدَاً وَمُسْتَفِيْدَاً، مُشِيْعَاً لآدَابِ طَالِبِ العِلْمِ وَالهُدَى،
مُلازِمَاً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيةِ، مُسْتَشْعِرَاً أَنَّ: (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ) [رَوَاهُ الإَمَامُ أَحْمَدُ]،
فَهَنِيْئَاً لَكَ سُلُوْكُ هَذَا السَّبِيْلِ؛ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ]،

مرحباً بزيارتك الأولى للملتقى، وللاستفادة من الملتقى والتفاعل فيسرنا تسجيلك عضواً فاعلاً ومتفاعلاً،
وإن كنت عضواً سابقاً فهلم إلى رحاب العلم من هنا.

قراءة في حجج العلمانيين والملحدين

د. ياسر جابر

:: متابع ::
إنضم
5 مارس 2023
المشاركات
58
الإقامة
قطر الدوحة
الجنس
ذكر
الكنية
أبو عمار الرشيدي
التخصص
فقه وأصول
الدولة
قطر
المدينة
الدوحة
المذهب الفقهي
الحنبلي
• قراءة في حجج العلمانيين والملحدين
هناك من يحاول إسقاط الدين من الداخل، وهناك من يحاول فعل ذلك من الخارج، وقد يتكالب الفريقان ويتكاتفا إذا وجدا إلى ذلك سبيلا، وهناك من يضطر للدخول في قضية الإيمان عن تردد وخذلان، بعد سقوط حجج الإلحاد والإنكار بين يديه، وهناك من يرفض الاستسلام وهو خاوٍ من البرهان، فيتولى كبره بالهذيان، ومن دخل منهم مضطرًا في قضية الإيمان، يلجأ للتحايل على النصوص، وإسقاطها على غير مقاصدها ومعانيها، فيقولون: إننا آمنا بالله وبأنه خالق كل شيء، ولا يكون شيء إلا بإذنه وإرادته، وأمورنا كلها بيده، وأفعالنا محض ما يشاء، وعين ما يريد، وكل أفعالنا مقدرة منذ الأزل، فلماذا اللوم على أفعالنا طالما أنها تقع بإرادة خالقنا ومدبر أمورنا؟! وبهذا يطوفون بك حول شبهة القدر، والإرادة، والحرية، والاختيار، أو التسيير والتيسير...الخ. فإذا ما استطعت أن تقيم عليهم الحجة في ذلك، من حيث أن الله تعالى يعلم مسبقا بالأفعال، لكنه تعالى منحهم الحرية في الاختيار، ليرتب على ذلك مسؤولية الحساب والجزاء، والعلم المسبق لا يستلزم الجبر المطلق، ولا القهر المطبق، وأن الإنسان حمل باختياره في عالم الذر أمانة التكليف في القدرة على الاختيار بين الكفر والإيمان، بين الطاعة والمعصية، بين الفضيلة والرذيلة، وبين الخير والشر.

أقول: إذا ما أقمت عليهم الحجة في ذلك سلكوا بك طريقًا آخر، طريق التشكيك في الفرعيات لا الأصول، فسألوك: ما الفائدة من خلق كذا وكذا؟ وما الفائدة من تعذيب البشر؟ ولماذا خلق الله الخنزير والبعوض والذباب؟ ولماذا الغسل من المني وهو غير نجس؟ ولماذا يتناول القران الحشرات والحيوانات؟ ولماذا يُلام الشيطان وقد رفض السجود لغير خالقه؟ ولماذا لا نكتفي بالقرآن؟ ولماذا المذاهب الفقهية؟ وينكرون الحدود؟ ويتحدثون عن القسوة في التشريع...الخ، وكلها أسئلة تعبر عن جهل جهول، وضيق أفق معرفي، وجعبة خاوية إلا من حب الجدال، بلا فن ولا دراية بأصول النزال، فإن أقمت الحجة عليهم، وأن الفرع لا يوجب الشك في الأصل، وأنهم يمنطقون الباطل، ويضِلُّون في القياس؛ فيقيسون على غير أصل، مع الاختلاف والفارق. وإذ تسقط في أيديهم كل شطحة من شطحاتهم؛ يقفون بك في مسألة جديدة، فيقولون إن الاحتكام يكون للواقع، وليس للنص القرآني أو السُنِّي، ولأن الواقع يختلف في قواعده الفقهية عن قواعد النص، وعليه فليبق النص داخل دور العبادة، ولندع الواقع يُحلق في حرية غير محكومة، إلا بما يتفاوت فيه البشر من قوانين وضعية بحتة ومجردة؛ فإذا ما خذلتهم القوانين الوضعية، وتبين لهم أن قصورها نابع من قصور العقل البشري، وأن كمال القوانين السماوية نابع من كمال المشرع لها وهو الله تعالى، انحرفوا بك إلى قضية التناقض بين النصوص، بعضها البعض، على جهل منهم أو تجاهل للناسخ والمنسوخ، وفقه الدلالات النصية، وأسباب النزول، وفقه السياق، وما يستلزمه من دلالات، وفقه الجمع بين النصوص عند علماء الأصول. فإذا وقفوا كالسكارى أمام حجج الدين وحصونه المنيعة، قالوا إن الدين من التراث، وإنما كان لحقبة زمانية بعينها، ولموقع مكاني أو جغرافي بذاته، وأنه لم يعد يُساير الحضارة، والرقي، والتقدم، والمدنية ...الخ، فإن سألتهم: ألا تُقرون بالقرآن كلامًا ووحيا لله تعالى؟! فالله تعالى ذكر أن هذا الدين للناس كافة، ومنهج الله إلى قيام الساعة، ورحمته للعالمين، وهداية للإنس والجن أجمعين.
هذا إن كان هؤلاء قد دخلوا في قضية الإيمان عن اضطرار كالعلمانيين والليبراليين، ومن يصفونهم بالمفكرين المعاصرين التقدميين، ممن يحاولون زعزعة الدين من الداخل، وهم في الحقيقة يعانون من زعزعة الضمير، وزيغ الأفئدة، وخواء النفوس. فماذا عن الآخرين الذين يحاولون هدم الدين من الخارج، كالملاحدة، والمستشرقين، والماسونيين، والماركسيين، وغيرهم ممن ضلوا سواء السبيل؟!!
يبدأ معك هؤلاء بحل وسطي يرضي الجميع _ بزعمهم _ فيقولون إنّ الله َ غير موجود، لكن لا نقول بأن الحياة بلا خالق، فنتساءل عن خالقهم المزعوم، فيقولون: الطبيعة.
- الطبيعة؟!!!

- نعم!
ذلك الكل المكون من أجزاءه: سماوات، أرض، ليل، نهار، بحار، انهار، ماء، نار، إنسان، حيوان، نبات، وجماد...الخ. نعم! الطبيعة في رأيهم هي المسؤولة عن الخلق، والتدبير، والنظام، والمنح، والمنع ...الخ، فإذا خرجت من هذه بأن الطبيعة قابلة للفساد، والانتهاء، وأنها ليست أزلية بل حادثة، وكل حادث فهو مخلوق وليس خالق، وأن كل شيء في الطبيعة ينتهي إلى مقبرة، إلى فناء، ولا يكون الخالق حادثًا ولا فانيًا. أقول: إذا خرجت من هذه؛ قالوا إن الكون بلا خالق مطلقًا، وأنه وجد صدفة نتيجة انشطار في صخرة عظيمة نتج عنها التهاب فتفتت الصخرة مكونة أجزاء العالم، أو أن الكون خلق نفسه بنفسه، أو أن الإنسان هو الخالق الأعظم، أو لا نؤمن بإله لا نراه.
وكما ترون؛ كلها دعاوى لا تثبت، وهي من الهوان بوضوحٍ وضوحَ الشمس في كبد السماء، ووضوح البدر في قلب المساء، فلم يشاهدوا انشطار الصخرة، ولا يعرفون مَن شطرها، ولا أسباب تفتتها، ولا توجد تجربة شاهدة على خلق الأشياء لذواتها، ولا الإنسان الضعيف الذي يسكن باطن الأرض بأكثر من ظهرها بصالحٍ أن يكون إلهاً، ولا هم شاهدوا عقولهم، ولا شاهدوا الهواء حولهم، مع إيمانهم بوجود هذا وذاك، فلا حجة لهم إذن ولا برهان، ولا دليل لهم ولا إثبات.

والحق أننا نُخطِئُ أيَّما خطأٍ، حينما نُساير هؤلاء في جدالات واسعة تستهلك الوقت، والعقل، والفكر، بينما كثير منهم يصنف في الفئة الوصولية، غير المذهبية، والتي تتخذ من هذه المجادلات سلمًا للوصول إلى الشهرة والمال، عملا بالقاعدة النشاز: خالف تُعرف. إنما يكفينا أن نُعلم بعض صبيان العلم في بلادنا ليفندوا شبهات هؤلاء، ويعروهم أمام عامة الناس ممن ينخدعون بكلامهم الممنطق بالباطل، والمتلبس بالزيغ، والممزوج بالهوى. فقط؛ أن نضع صغار طلاب العلم على الطريق ونعلمهم أن يهبطوا بهؤلاء من قضية الإيمان الواضحة اليقينية إلى فروع الدين التي تتسع للاختلاف بالضوابط المتفق عليها في علوم الأصول، ولا يسمحوا لهؤلاء الوصوليين - في أغلبهم - أن يصعدوا بهم من التشكيك في فروع الشريعة إلى التشكيك في كليات الدين اليقينية، ثم ما علينا بعدها إلا أن نتفرغ للإنجاز واستثمار فريضة الوقت، ونُنحِّي هؤلاء جانبًا، ولا نُشغل بهم أهل العلم من حراس العقيدة وفقهاء الشريعة.
 
أعلى