بيِّن لنا -أثابك الله- كيف للحكم أن يزول بزوال جزء العلة؟!
يقول صاحب "كشف الأسرار" على أصول البزدوي: وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّحْرِيمِ. أهـ الغرض منه
ويقول أبو إسحاق الشيرازي في "التبصرة": وَمَتى تعلق الحكم بوصفين كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض الْعلَّة، فَلَا يجوز تعلق الحكم على أَحدهمَا على الِانْفِرَاد. أهـ
ويقول أيضاً: وَبَعض الْعلَّة لَا يخلف جَمِيعهَا فِي إِثْبَات الحكم فَافْتَرقَا. أهـ
وفرق بعض الأصوليين بين العلة المنصوصة والمستنبطة، والتفريق محل نظر، وكلامنا هنا عن التعليل بمجموع علتين؛ فالعلة مركبة منهما ولا تخرج عن كونها ذينك الوصفين المجتمعين، ولا يتميز واحد منهما بعينه، فيتعين اعتبار مجموعها.
أخي "أبو بكر" جزاك الله خيرا، يبدو أنه التبس عليك الفرق بين تعليل الحكم بعلتين مستقلتين وبين تعليله بعلة مركبة من وصفين. فَما عُلِّل بعلتين يطَّرد مع علله ولكنه لا ينعكس مع إحداهما. بعبارة أخرى: يدور الحكم مع إحدى العلتين وجودا ولا يدور معها عدما، لأنها إن زالت بقيت العلة الأخرى فيثبت الحكم بها.
ومثال ذلك: تعليل الأمر بإعفاء اللحية بكونه مخالفة للمشركين (علة أولى) وبكونه من خصال الفطرة (علة ثانية). فالحكم يدور مع العلة الأولى وجودا أي أنه يثبت حكم الأمر (الوجوب أو الاستحباب) حيث وجد فعل الحلق والقص من المشركين. وإذا افترضنا أن هذا الفعل من المشركين لم يعد موجودا لا يرتفع حكم الإعفاء، لأنه يثبت بالعلة الثانية وهي أن الإعفاء من خصال الفطرة بغض النظر عن موافقة المشركين أو مخالفتهم.
مثال آخر لتعليل الحكم بعلة مركبة من وصفين: تعليل وجوب القتل قصاصا بالأوصاف: القتل والعمدية والعدوان، فإذا وجد أحد هذه الأوصاف (=بعض العلة) دون الوصفين الآخرين لا يثبت معه حكم القتل قصاصا، كمن قتل بلا قصد ( انتفى وصف العمدية)، أو قتل دفاعا عن النفس (انتفى وصف العدوان)، أو حاول القتل فلم ينجح (انتفى وصف القتل). فالحكم المناط بعلة مركبة من أوصاف لا يثبت إلا إذا وجدت جميع هذه الأوصاف وينتفي بانتفاء أحدها، بخلاف ما لو كان كل وصف من هذه الأوصاف علة مستقلة. وما أوردتموه نقلا عن الأصوليين فهو دليل على هذا المعنى بارك الله فيكم. فقول البزدوي "إن بعض العلة لا يخلف جميعها في إثبات الحكم" معناه أن الحكم لا يدور مع بعض العلة، لأن بعضها لا يسد مسد جميعها. وهذا كما لو قتل دون قصد أو دون عدوان لا يدور معه حكم القصاص. وكذا قول الشيرازي،: وَمَتى تعلق الحكم بوصفين كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض الْعلَّة، فَلَا يجوز تعلق الحكم على أَحدهمَا على الِانْفِرَاد. أهـ فهو واضح جدا في أن الحكم لا يتعلق وجودا وعدما بجزء العلة منفردا عن جزئه الآخر بلا لا بد من وجودهما معا كما سبق شرحه.
والحاصل هنا أن ابن تيمية رحمه الله تعالى وضع ثلاثة احتمالات لكون "مخالفة المشركين" علة للأمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشوارب:
أحدها: أن تكون علة تامَّة. أي وحيدة لا تصاحبها أخرى في اقتضاء الحكم (اشتراكا أو استقلالا)، وهو ما قال: إنه الأظهر (بسبب التصريح بها في النص).
والثاني: أن تكون علة أخرى. أي أن هناك علة غيرها للأمر بالإعفاء، والمخالفة علة أخرى تضاف إلى تلك العلة. وهو ما أميل إليه، والعلة الأخرى هي كون اللحية من خصال الفطرة (إن صح ذلك).
والثالث: أن تكون المخالفة جزء من علة مركبة من وصفين أو أكثر، كأن تكون العلة هي مجموع وصفين: أحدهما أن إعفاء اللحية من خصال الفطرة والثاني أن فيه مخالفة للمشركين.
ومما يشهد لقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في كون المخالفة علة تامة قول إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ لِحْيَتِهِ، مَا لَمْ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ». وقَالَ فِي الشَّارِبَيْنِ: «إِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهُ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ». فمن الواضح أن إبراهيم ينيط حكمي الإعفاء والحف بالتشبه دون سواه لأنه قال: "فأما ما سوى ذلك فلا بأس به"، فنفى الحكم إذا انتفت العلة.
وكذا بوَّب ابن حبان في صحيحه بعد ذكر الأمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشوارب:
"ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَمَرَ بِهَذَا الْأَمْرِ" ثم أورد الحديث الذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ: ذِكْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَجُوسَ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ يُوفُونَ سِبَالَهُمْ، وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ،فَخَالِفُوهُمْ"
ويشهد له أيضا ما ورد بأسانيد مرسلة صحيحة من أن سبب حديث الإعفاء هو وفود المجوس على النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا قد حلقوا لحاهم.
وكذا يشهد له حديث أبي أمامة في ذكر مخالفة أهل الكتاب في الصبغ ثم جر ذلك إلى الأمر بإعفاء اللحية وحف الشوارب جوابا على سؤال الصحابة.
وقد نقل ابن حجر ما يدل عليه عن الطبري: "وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش وعن عطاء نحوه قال:
وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها".
وقال ابن الهمام عن قوله صلى الله عليه وسلم في آخر حديث الأمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشوارب: "وخالفوا المجوس": قال: "فهذه الجملة
واقعة موقع التعليل".
وما مِلتُ إليه من أنها ليست علة تامة، بحسب الظاهر، بل علةٌ أخرى سببه أمران:
أحدهما: ورود نص آخر في وصف الإعفاء بكونه من خصال الفطرة، فحصل لدينا علتان منصوصتان.
والثاني: أن مشركي العرب كانوا يوفرون لحاهم ولم يعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخالفتهم، مع أنهم أولى بالمخالفة من المجوس بحكم القرب والمخالطة.
يقال: إنما كفر مخالفه لا لكونه إجماعاً غير سكوتي، وإنما لدليل خارجي.. وبهذا ينتقض ما أصلتم.
وعليه؛ فيكون بعض السكوتي قطعياً، كذاك الذي مثلتم به، فلا وجه بعدئذ لمنازعة دعوى حجية إجماعٍ ما بمجرد كونه سكوتياً.
ليست المشكلة في المسميات بل في الحقائق يا شيخ أبو بكر.
ومن الغريب أنكم لحظتم، بارك الله فيكم، بأن تكفير مخالف حكم هذا الإجماع إنما هو لدليل خارجي لا لمجرد كونه إجماعا سكوتيا، ثم لم تلحظوا أن قطعية حكم هذه الإجماع جاءت كذلك من دليل خارجي لا لمجرد كونه إجماعا سكوتيا؟!
والحاصل عندي ههنا، ولك أن تخالفني فيه:
1. أن الإجماع على ما وردت فيه نصوص قطعية كالمعلوم من الدين بالضرورة من تحريم الخمر ووجوب الصلاة فهذا مقطوع بحكمه لا لكونه إجماعا بل لأنه يستند إلى نصوص قطعية. وسواء أسميناه سكوتيا أو غير ذلك فهذا ليس مشكلة إلا أنه قد يكون تغييرا للمصطلح الشائع عند الأصوليين من كونهم لا يسمون مثل هذا الإجماع سكوتيا. ولا فائدة فقهية لمثل هذا النوع من الإجماع، اللهم إلا في مسألة إعذار المخالف في حكمه بالجهل.
2. أن الإجماع بعدم معرفة المخالف فيما لا يستند إلى نصوص قطعية، كله ظني لا يتحقق فيه القطع لعدم إمكان الاستقراء التام لأقوال المجتهدين ولا النقل المتواتر عنهم (هذا إذا سُلِّم بأن الإجماع نهضت بحجيته أدلة قطعية). وهو ما يسميه الأصوليون بالإجماع السكوتي. وفي اعتباره حجة اختلاف شديد بينهم حتى قال السمعاني بعد أن خاض في مناقشة أدلة النافين لحجيته. "وَالْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِالْإِشْكَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ".
3. أن تحريم حلق اللحية ليس فيه إجماع لا قطعي ولا ظني، وإنما الغاية هنا أن يقال أنهم أجمعوا على أن إعفاء اللحية مطلوب شرعا في الجملة
ائذن لي -حفظك الله- بأن لا أسلِّم بهذا؛ لأنه يمكن أن يقال: لو خالف أحد من الصحابة في مثل هذا لانتشر قوله واشتهر، والاستقراء التام متعذر أبداً في جميع صور الإجماع، ويلزم من اشتراطه إبطال وجود الإجماع جملة وتفصيلاً، وهو شذوذ.
خالف في ماذا، بارك الله فيكم؟
أما الإعفاء، فقد خالف فيه كثيرون فكانوا يأخذون من لحاهم ويقصونها
أما الحلق فتركهم إياه لا يدل على اعتقاد تحريمه لأنه كان عيبا ومعرة في عرفهم قبل الإسلام وبعده كما ذكرنا، فاجتمع فيه مقتضى العرف وندب الدين فكيف يتركونه؟!
أما كون الاستقراء التام في الإجماع متعذرا فنوافقكم عليه، ولذلك قلنا هو ظني عند من يقول بحجيته. ونحن لا نشترطه إلا لإرادة القطع أما في إفادة الظن فالاستقراء الناقص يفيد الظن.
وكل من خالف من الأصوليين في حجية الإجماع السكوتي، وهم كثيرون، قائل، من حيث المحصلة، بعدم حجية الإجماع جملة، لأنه على التحقيق لا إجماع يُتصور نقله إلا السكوتي. وما أجمع عليه وفيه نص قطعي فالنص مغن عنه.
وقولكم "لو خالف أحد من الصحابة في مثل هذا لانتشر قوله واشتهر" غريب فأين القول المنتشر لمن قال بوجوب الإعفاء أو بحرمة الحلق من الصحابة أو التابعين؟! ومدعي الإجماع هو الذي يأتي بالبينات عليه لا نافيه. وقد انساق الناس في دعوى الإجماع على حلق اللحية خلف ابن حزم فهو أول من زعمه من غير أن يصح قول لواحد من الصحابة والتابعين يدل عليه.
ليس هذا على إطلاقه، وقد علمتم أن الإمام الشافعي -رحمه الله- لم يقدم خبر الواحد على بعض صور الإجماع السكوتي.
لم أعلمه فإذا وقفتم على مثال منه فأخبرونا مأجورين
قلت: إن هذا محتمل، ولم أجزم فيه بمعارضة ما رجحتم.
قال في "طرح التثريب": (الْخَامِسَةَ عَشْرَ) اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَصِّ الشَّارِبِ: هَلْ يُقَصُّ طَرَفَاهُ أَيْضًا وَهُمَا الْمُسَمَّيَانِ بِالسِّبَالَيْنِ؟ أَمْ يُتْرَكُ السِّبَالَانِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؟
فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ: لَا بَأْسَ بِتَرْكِ سِبَالَيْهِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتُرُ الْفَمَ وَلَا يُبْقِي فِيهِ غَمْرَةَ الطَّعَامِ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ انْتَهَى.وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نُعْفِي السِّبَالَ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ بَقَاءَ السِّبَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ بَلْ بِالْمَجُوسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَجُوسُ فَقَالَ: إنَّهُمْ يُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ فَخَالِفُوهُمْ»، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجُزُّ سِبَالَهُ كَمَا تُجَزُّ الشَّاةُ أَوْ الْبَعِيرُ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لِأَبِي أُمَامَةَ «فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» ، وَالْعَثَانِينُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَكْرَارِ النُّونِ جَمْعُ عُثْنُونٍ: اللِّحْيَةُ. أهـ
ولكنَّ قول جابر رضي الله عنه : "كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة" إن كان الاستثناء فيه متصلاً فيقال: قال الحافظ في "الفتح": وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة وقوله نعفي بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافراً، وهذا يؤيد ما نقل عن بن عمر فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك. أهـ
فإذا كان المراد هو الزائد من شعر اللحية أو المسترسل كما قال الحافظ، أو مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر، فهذا موافق لكلامنا آنفاً لا يعارضه بحال.
ووجه ثانٍ باعتبار اتصال الاستثناء أن يقال: أراد بالإعفاء هنا عدم الأخذ مطلقاً، وإن كان يرد في كلامهم بمعنى إبقائها وافرة.
ولا يلزم من هذا أن يحاكم النص النبوي بهذا الحكم، وهذا لا أظن أن أحداً ينازع في أنه لا يلزم.
ما دمتم تقولونه احتمالا لا تحقيقا فلن أناقشكم فيه، وهو في نظري احتمال ضعيف جدا يلزم من المضي معه القفز على جميع قواعد الجمع بين النصوص والروايات فلا أدري لِمَ التطويل فيه
وإن كان منقطعاً فيشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو مَحْرم)؛ فإنه إذا كان ثَمَّ محرم معها فلا خلوة تكون، ويشبه قول جابر: قد كنا في زمن النبي لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلاً. فإذا وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا ثم نصلي ولا نتوضأ. يعني أنهم لا يمسحون بالمناديل لكن يمسحون ما بقي من ذلك الطعام بما تقدم.
وهنا يكون المعنى: كنا نعفي لحانا دون أخذ، لكننا نأخذ منها في الحج والعمرة.
المعنى الذي ذكرتموه بارك الله فيكم هو على الاستثناء المتصل أيضا، لأن المنفصل هو ما لا يكون المستثنى جزءاً من المستثنى منه. وقوله: "كنا لا نعفي لحانا" أي في كل وقت وحين وحال، وقوله: "إلا في حج أو عمرة" فمعناه استثناء من ذلك الوقت والحين والحال. وقولكم بأن المعنى "كنا نعفي لحانا دون أخذ، لكننا نأخذ منها في الحج والعمرة" هو نفس هذا المعنى ولم تأتوا بشيء جديد.
وقد جركم إلى مثل هذه المزالق الاحتمال السابق الذي أبديتموه.
فإن قيل: فما ذهبنا إليه أولى، فلمَ لا تقول به؟
قلتُ: إذا كان جابر -رضي الله عنه- يعبر بلفظ "كنا" والتي تعود -في أقل أحوالها- إلى جمع من الصحابة -رضي الله عنهم- وهو فعلٌ لابن عمر -رضي الله عنه- وهو أعلم الناس بما روى، فإن دعوى مخالفة الصحابة للحديث ممجوجة، وعلى ما قررنا سار جمهور العلماء وأكابر الفقهاء ..
فممن رأى إباحة الأخذ منها من غير الصحابة: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وعطاء، والشعبي، والقاسم بن محمد، وطاووس، وإبراهيم النخعي.
وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، واستحبه الشافعي في النسك، واستحسنه القاضي عياض.
ليست ممجوجة بالأخذ في الحسبان أنهم خالفوا الظاهر من النص لأنهم فهموا الأمر معللا بمجرد مخالفة المشركين، كما قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ لِحْيَتِهِ، مَا لَمْ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ». وقَالَ فِي الشَّارِبَيْنِ: «إِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهُ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ». وقال الطبري: "وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش وعن عطاء نحوه قال:
وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها".
وأمثلة مخالفة الصحابة لظواهر النصوص بالتعليل أكثر من أن تحصى وقد أسهبنا في ذكر أمثلتها في "أثر تعليل النص على دلالته" وأبرزها مثالا تأويلهم لظاهر الأمر بالصلاة في بني قريظة بأنه إنما أراد الاستعجال لا تأخير الصلاة.
لا مشابهة البتة؛ فما ذكرتموه من أمثلة وُجِد من يخالفهم فيها منهم.. وأما المذكور فما نازعهم فيه أحد فيما نعلم.
إن كنت تعني بالمخالفة أنهم أنكروا عليهم أو نازعوهم فما أعلم أحدا أنكر على أحد في الأمثلة التي سقتها وإن كان لديك نقل في ذلك فأفدناه مشكورا، وإن كنت تعني بالمخالفة أنهم فعلوا بخلافهم فكانوا يحفون شواربهم ولا يكتفون بالقص مثلا وكانوا يستنجون بالماء لا بالأحجار، فهذا هو الشأن نفسه في اللحية لقول جابر كنا نعفي اللحى إلا في حج أو عمرة فالإعفاء هو الأصل عندهم والأخذ إنما كان استثناء والظاهر أنه للنسك لا غير. وقال الطبراني حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي (صدوق) ثنا أبي ثنا اسماعيل بن عياش (ثقة في الشاميين) عن شرحبيل بن مسلم [الشامي](وثقه أحمد وغيره وضعفه ابن معين والعمل على توثيقه) قال : رأيت خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقمون شواربهم ويعفون لحاهم ويصفرونها منهم المقدام بن معدي كرب. وعند البيهقي: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقصون شواربهم ويعفون لحاهم ويصفرونها: أبو أمامة الباهلى وعبد الله بن بسر، وعتبة بن عبد السلمى والحجاج بن عامر الثمالى والمقدام بن معديكرب الكندى، كانوا يقصون شواربهم مع طرف الشفة.
ولكنَّ دعوى أنهم أجمعوا سكوتياً على جواز ذلك كبيرةٌ في حق مثلكم فضيلةَ الدكتور؛ فمع أنه لم يسبق إليه أحد فيما أعلم، إلا أنه قد نص على خلافه جماعةٌ من العلماء
قلتُه تنـزُّلا في الحجاج لا اعتقادا، معارضةً للإجماع المدَّعى على تحريم حلق اللحية بمثله، فإن من التزم الأخذ بذلك الإجماع يلزمه الأخذ بهذا الإجماع لأنه على طريقته في التقوُّل على الصحابة والتابعين بالحزر والتخمين. وكم من مسألة ادعي فيها الإجماع على النقيضين.
وإلا فأنا شخصيا أميل إلى عدم حجية الإجماع السكوتي بذاته إلا أن يكون قرينة على وجود نص في عهد الصحابة لم يبلغنا أو بلغنا ضعيفا، وفي هذا تفصيل ليس هذا موضعه.
ولقد طال الكلام والاستطراد في هذه المسألة بما لا تحتمله، ودخلنا في قضايا جانبية كثيرة، وكان الأجدى أن نركز جهدنا في ضوابط الخلاف المستساغ.
والحاصل عندي أخيرا أن الخلاف في حلق اللحية تحريما وكراهة مستساغ: فأما مدعي التحريم فمستمسك بظاهر الأمر، وأما مدعي الكراهة فيتأول الأمر بالتعليل وغيره من قرائن صرف الأمر عن الوجوب وهي كثيرة في هذه المسألة كما ذكرنا. والله أعلم.