رد: هل يسوغ الخلاف في حكم إعفاء اللحية ؟؟
قصدتُ بالتركيب في كلامي: التركيب من علل مستقلة، بخلاف ما بنيتم عليه إلزامكم.
إذن نحن نتفق في هذه النقطة، واعذروني على سوء فهم مرادكم بارك الله فيكم.
يكفيني قول ابن تيمية -رحمه الله تعالى- : "لما عليه في ذلك من الضرر".
وإذا كان ثَمَّ ضررٌ فلا خلاف بيننا في جواز حلقه لحيته، وهذا في حكم الضرورات فلا حاجة لإيراده هنا.
هذا طيب، علما بأن كثير ممن لهم فتاوى في حلق اللحى لا يرخصون بحلق اللحية للضرر. وقد قرأت لبعضهم فتوى لسائل يسأل أنه إذا لم يحلق لحيته فسوف يطرد من عمله فأفتوه بالتحريم والبحث عن عمل جديد. ولا داعي للتذكير هنا أن الضرر ليس هو الضرورة وهذا لا يخفى عليكم. ثم إن في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ضوابط أخرى غير دفع الضرر من أهمها قوله: "قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية:
من دعوتهم إلى الدين"
أقول: منطوق كلامه= تحريم حلق جميع اللحية هو اتفاق
ومفهومه= ليس في تحريم حلق بعضها اتفاق
لا ما فهمتموه من أني أدعي أنه يجوز ذلك.
عذرا على سوء الفهم مرة أخرى.
إذن نتفق هنا أن كلام ابن حزم ـ لو سلَّمنا بصوابه ـ خاص بحلق جميع اللحية. وما وراء ذلك ليس فيه اتفاق. وهذا يشمل:
1. حلق بعض اللحية وترك بعضها.
2. الأخذ من اللحية قل أو كثر.
هذا الاحتمال معارض بنص مكتوب ينبغي أن يكون احتمال صحته أقوى، فكيف يسقط احتمالٌ كهذا استدلالاً بالأقوى؟!
لك أن تقول هذا لأن القرائن قد تثير ظنا ينافي الظاهر عند بعض الناس ولا تثيره عند آخرين. الظاهر أن كلمة "يجوز" في كلام ابن حزم بالياء لا بالتاء، واحتمال أن تكون بالتاء وارد لكثرة التصحيف وقوعا بالمخطوط والمطبوع، لكنك تراه احتمالا ضعيفا وأراه، بما أوردتُ من قرائن، قويا مقاربا. ولا حرج أن نختلف في هذا ونترك للقراء الحكم كل بحسب ما يراه.
هذا المثال لا يتحد في الصورة مع مثالنا؛ فالمعنى هنا: إن أكثر من استمتع كان يستمتع بالقبضة من الطعام الأيامَ .. ، أو فلتقل: جمهور من استمتع كان يستمتع بالقبضة الأيامَ ..
هذا التأويل لا يستقيم يا شيخنا لسببين:
أحدهما: أن فيه إضمارا "أكثر من استمتع كان يستمتع" والإضمار خلاف الأصل فيحتاج إلى دليل يحمل عليه وهو غير موجود.
والثاني: أن استمتاعهم المذكور ورد مُغَيَّاً بنهي عمر رضي الله عنه إياهم عن الاستمتاع. وقد لجأتم إلى حذف باقي الأثر حتى لا يظهر ضعف التأويل، وإلا فلو ذكرت باقي الأثر على تأويلكم فسيكون المعنى كالتالي: إن أكثر من استمتع كان يستمتع بالقبضة من الطعام الأيامَ حتى نهانا عمر عنه (أي الاستمتاع بالقبضة الأيام). وهذا معنى باطل اتفاقا، لأن مفاده أن عمر لم ينه عن الاستمتاع مطلقا بل نهى عن استمتاع مخصوص وهو ما يكون بالقبضة من الطعام أياما. ومن الثابت الذي يكاد يكون متواترا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة مطلقا. وهذا لا أظنكم تخالفون فيه.
وعليه: فلا اضطراب فيما قلتُه، وبهذا التنوع يعرَف محمل ما ظننتموه اضطراباً.
عذرا هنا فإني لم أفهم وجه كلامكم هذا.
1- قد نقلتُ عن جمع من أهل اللغة ما يفيد أن الإعفاء يأتي بمعنى التكثير والتوفير، وقد اعترفتم بخطأ اعتراضكم على كون ذلك لم يأتِ في اللغة.
2- ظاهر فعل كثير من الصحابة جواز الأخذ، والأصل وجوب الأمر بالإعفاء لا كونه مندوباً إليه فحسب.
وقد نقلتُ كلام ابن الهمام بأن هذا ما يجمَع به بين الروايات، وكلام ابن عبد البر من أن ابن عمر لم يخالف ما روى.
3- مشهور المذاهب وجمهور الفقهاء على جواز الأخذ -على اختلاف بينهم في تحديده- وتحريم الحلق.
هذا مجمل ما استدللتُ به.
هذا التلخيص جميل بارك الله فيكم.
وأزيده وضوحا وتلخيصا بالقول، وصححوني إن أخطأت، إنكم تقررون في هذه المسألة ما يلي:
1. تحريم حلق اللحية
2. جواز الأخذ منها لا مطلقا وإنما إلى حد لا يؤثر في كثرتها ووفرتها كالقبضة ونحوها
3. الدليل على تحريم الحلق هو الأحاديث الآمرة بالإعفاء. والأمر ظاهر في الوجوب
4. الدليل على جواز الأخذ فعل بعض الصحابة أو كثير منهم، وهو يُعد تفسيرا للإعفاء المذكور في الحديث.
دعني بعد هذا ألخص الآراء جميعها في المسألة:
المذاهب في هذه المسألة ما بين قدماء ومعاصرين تنحصر في أربع اتجاهات:
أحدها: تحريم الحلق والأخذ معا.
والثاني: تحريم الحلق وجواز الأخذ.
والثالث: كراهة الحلق والأخذ معا. وكلما زاد الأخذ اشتدت الكراهة
والرابع: إباحة الحلق والأخذ بحسب عرف البلد
وقد ملتم يا شيخنا الكريم إلى الرأي الثاني (تحريم الحلق وجواز الأخذ). وميلي أنا إنما هو إلى الرأي الثالث (كراهة الحلق والأخذ معا).
ومفصل الخلاف بيننا في الاستدلال هو:
أولا: حديث الإعفاء هل هو ظاهر في الوجوب أو مؤول بالندب؟
فأنتم تقولون بالأول وأنا أقول بالثاني. وقد شفعت قولي بقرائن أربعة، ولكنكم لم تروها كافية في صرف الأمر عن الوجوب.
ثانيا: تفسير الإعفاء في الحديث هل يتنافى مع الأخذ أو لا؟
فأنتم تقولون بأنه لا يتنافى:
أما من حيث اللغة فلأن الإعفاء يطلق في اللغة على مجرد التكثير كما قاله اللغويون. وأما من حيث النقل فلأن الصحابة كانوا يأخذون من لحاهم، ومنهم من روى حديث الإعفاء نفسه كأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم.
أما أنا فرددتُ ـ وأردُّ ـ على ذلك بالقول:
أولا: من حيث اللغة: أن الإعفاء وإن دل على التكثير فإنه أظهر في الترك، ولو سلمنا أنه مشترك بين التكثير والترك فالأخذ من اللحية ينافي التكثير؛ لأن الأخذ والقص من اللحية فيه تقليل لا تكثير، وهذا ثابت بالحس، والحديث يأمر بالتكثير مطلقا.
وثانيا: من حيث النقل. من وجهين:
أحدهما: حديث أبي أمامة الباهلي وقد جاء فيه أن اليهود يقصون لحاهم فقال أعفوها وخالفوهم (بمعناه) وهو ظاهر في التنافي بين القص والإعفاء.
والثاني: قول جابر رضي الله عنه: كنا نعفي اللحى إلا في حج أو عمرة، وكذا قول نافع كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة، وهو ظاهر بل يكاد يكون قاطعا في أن فعل ابن عمر رضي الله عنه وغيره في الأخذ من لحاهم بما يزيد عن القبضة مناف للإعفاء في لغة السلف.
وعلى هذا جعلتُ فعل السلف بالأخذ قرينة على تأويل الأمر من الوجوب إلى الندب؛ لأن هذا أسلم وأسهل، لغة ونقلا، من تأويل الإعفاء بكونه لا يتنافى مع الأخذ (كما ملتم إليه تبعا لابن عبد البر وابن الهمام). هذا بغض النظر عن القرائن الأخرى الدالة على صرف الأمر إلى الندب من كون الإعفاء معللا بمخالفة المشركين، ومقترنا بالأمر بمخالفات أخرى لهم (كما في حديث أبي أمامة) هي على الندب في الأكثر، وبكونه من سنن الفطرة وهي في أكثرها مندوبة لا واجبة عند الجمهور.
وفوق هذا نقول: إن ظهور الأمر في الوجوب مختلف فيه وكثير من الأصوليين على أنه مشترك أو متوقف فيه تعتمد دلالته على القرينة. وحتى مع التسليم بمذهب الجمهور أن الأمر ظاهر في الوجوب فهو عندهم ظهور ضعيف كظهور العام في الاستغراق يُتَأوَّل بأدنى قرينة من نص أو قياس أو معنى. وكم من أمر أو نهي صرفه العلماء إلى الندب أو الكراهة بخيال قرينة أو حتى بدون قرينة ظاهرة محددة.
ولأجل هذا كله قلنا بأن الخلاف في حلق اللحية يسوغ والله أعلم، ولا حرج على المسلم أن يختار ما يناسبه من رأي في ذلك إذا اطمأن إليه قلبه. وحكم الورع في هذا لا يخفى.
بعد هذا كله أطالَب بقرائن؟!!
وسألخص القرائن:
1- النووي -كما بيَّنتُ- إنما ينقل عن غيره أن هذه الصفات مكروهة.
2- النووي في مواطن أخرى يبين أن بعض هذه المكروهات هي حرام عنده صراحةً! كالخضاب بالسواد، ولا يستبعِد تحريم نتف الشيب فهو لا يجزم بالكراهة التي تعتمد عليها في أول نقله.
3- النووي ينص على كراهة أخذ شيء يسير من اللحية (وهذا لا يكفي وحده، ولكنه مما قد يستأنس به مع ما قبله).
تلخيص جميل كالذي قبله.
أما القرينة الأولى، فقد نقله مقرا له ساكتا عليه ولم يحك خلافه، فالظاهر أنه موافق عليه والكلام في الأصل للغزالي كما هو معلوم.
وأما القرينة الثانية فضعيفة جدا لأن حكم الاقتران إن سلمنا به يدور مع الأغلب لا مع الأقل، وأكثر الخصال المذكورة مكروهة لا محرمة، فلماذا جعلته يدور مع خصلة واحدة أو اثنتين وتركت سبع خصال.
وأما القرينة الثالثة، فقد اعترفتم بأنها لا تكفي، وأقول بل هي قرينة مضادة يمكن قلبُها عليكم، لأن النووي يرى بأن الإعفاء في الحديث إنما هو الترك مطلقا كما نقلناه عنه سابقا، ومع هذا أجاز الأخذ ويلزم من هذا أنه حمل الأمر النبوي على الندب لا على الوجوب. إذ لو كان يرى الأمر بالإعفاء (الذي هو الترك مطلقا) للوجوب لحرَّم الأخذ والحلق كليهما.
وما من أحد يقرر شيئاً -بعد سبر وتحقيق وطول نظر- إلا وهو حسب علمه القاصر المتواضع، وما من بشر إلا وهو صاحب علم قاصر متواضع.
وكون الهيتمي والرملي عمدتا المتأخرين لا يعني أن ينسَب ذلك للإمام النووي دون تتبع؛ لأن من كبار أئمة الشافعية من اعترض على كلامهما، فكيف لنا أن ننسب قولاً للنووي دون تحقق؟!
وما أدراك يا أخي الكريم أن الرجل قرر ما قرر بعد سبر وتحقيق وطول نظر؟ وما هي منزلة هذا الرجل في المذهب حتى نأخذ بحكمه الذي تفضلت به؟ وكيف يكون سابرا للمذهب وهو لا يدري ما هو القول في الكتب التي هي معتمد المتأخرين في المذهب؟ إذا أردنا أن نحسن الظن في قوله ـ وهذا هو الأصل ـ فنحمل كلامه على أن المذهب هو ما قرره الشافعي ولا يعتد بمن خالف نصه من الأصحاب فمن دونهم، فهذا صواب وقد قال ذلك الأذرعي من قبل كما نقلنا كلامه فكان الأولى أن تنقل كلام الآذرعي لا قول هذا الرجل كونه غير معروف في أهل المذهب.
وأما نسبة القول إلى النووي فيكفي الاعتماد في ذلك على ظاهر قوله، وهو ما جرى عليه أهل المذهب، ولم تأتوا، بارك الله فيكم، بشيء ذي بال ينقض هذا الظاهر.
وبارك الله فيكم.